الجزء السابع 
  سنة ثلاث عشرة من الهجرة 
استهلت هذه السنة والصديق عازم على جمع الجنود ليبعثهم إلى الشام، وذلك بعد مرجعه من الحج عملاً بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ‏}‏، ‏[‏التوبة‏:‏ 123‏]‏‏.‏ 
وبقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ‏}‏ الآية ‏[‏التوبة‏:‏ 29‏]‏، واقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه جمع المسلمين لغزو الشام - وذلك عام تبوك - حتى وصلها في حر شديد وجهد‏.‏ 
فرجع عامه ذلك‏.‏ 
ثم بعث قبل موته أسامة بن زيد مولاه ليغزو تخوم الشام كما تقدم‏.‏ 
ولما فرغ الصديق من أمر جزيرة العرب بسط يمينه إلى العراق، فبعث إليها خالد بن الوليد، ثم أراد أن يبعث إلى الشام كما بعث إلى العراق، فشرع في جمع الأمراء في أماكن متفرقة من جزيرة العرب، وكان قد استعمل عمرو بن العاص على صدقات قضاعة معه الوليد بن عقبة فيهم، فكتب إليه يستنفره إلى الشام‏:‏ إني كنت قد رددتك على العمل الذي ولاكه رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة، وسماه لك أخرى وقد أحببت أبا عبد الله أن أفرغك لما هو خير لك في حياتك ومعادك منه إلا أن يكون الذي أنت فيه أحب إليك‏.‏ 
فكتب إليه عمرو بن العاص‏:‏ إني سهم من سهام الإسلام وأنت عبد الله الرامي بها، والجامع لها، فانظر أشدها وأخشاها فارم بي فيها‏.‏ 
وكتب إلى الوليد بن عقبة بمثل ذلك ورد عليه مثله، وأقبلا بعد ما استخلفا في عملهما، إلى المدينة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/6‏)‏ 
وقدم خالد بن سعيد بن العاص من اليمن فدخل المدينة وعليه جبة ديباج، فلما رآها عمر عليه أمر من هناك من الناس بتحريقها عنه، فغضب خالد بن سعيد وقال لعلي بن أبي طالب‏:‏ يا أبا الحسن أغلبتم يا بني عبد مناف عن الأمرة‏؟‏ 
فقال له علي‏:‏ أمغالبة تراها أو خلافة ‏؟‏ 
فقال‏:‏ لا يغالب على هذا الأمر أولى منكم‏.‏ 
فقال له عمر بن الخطاب‏:‏ اسكت فض الله فاك، والله لا تزال كاذباً تخوض فيما قلت ثم لا تضر إلا نفسك، وأبلغها عمر أبا بكر فلم يتأثر لها أبو بكر، ولما اجتمع عند الصديق من الجيوش ما أراد قام في الناس خطيباً فأثنى على الله بما هو أهله، ثم حث الناس على الجهاد، فقال‏:‏ ألا لكل أمر جوامع، فمن بلغها فهي حسبه، ومن عمل لله كفاه الله، عليكم بالجد والقصد فإن القصد أبلغ، إلا أنه لا دين لأحد لا إيمان له، ولا إيمان لمن خشيه له، ولا عمل لمن لا نية له، ألا وإن في كتاب الله من الثواب على الجهاد في سبيل الله لما ينبغي للمسلم أن يحب أن يخص به هي النجاة التي دل الله عليها إذ نجى بها من الخزي، والحق بها الكرامة في الدنيا والآخرة‏.‏ 
ثم شرع الصديق في تولية الأمراء وعقد الألوية والرايات، فيقال‏:‏ إن أول لواء عقده لخالد بن سعيد بن العاص، فجاء عمر بن الخطاب فثناه عنه، وذكره بما قال، فلم يتأثر به الصديق كما تأثر به عمر، بل عزله عن الشام وولاه أرض تيماء يكون بها فيمن معه من المسلمين حتى يأتيه أمره‏.‏ 
ثم عقد لواء يزيد بن أبي سفيان، ومعه جمهور من الناس، ومعه سهيل بن عمرو، وأشباهه من أهل مكة، وخرج معه ماشياً يوصيه بما اعتمده في حربه ومن معه من المسلمين، وجعل له دمشق‏.‏ 
وبعث أبا عبيدة بن الجراح على جند آخر، وخرج معه ماشياً يوصيه، وجعل له نيابة حمص‏.‏ 
وبعث عمرو بن العاص، ومعه جند آخر وجعله على فلسطين، وأمر كل أمير أن يسلك طريقاً غير طريق الآخر، لما لحظ في ذلك تداخل من المصالح‏.‏ 
وكان الصديق اقتدى في ذلك بنبي الله يعقوب حين قال لبنيه‏:‏ ‏{‏وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 67‏]‏ فكان سلوك يزيد بن أبي سفيان على تبوك‏.‏ 
قال المدائني بإسناده عن شيوخه قالوا‏:‏ وكان بعث أبي بكر هذه الجيوش في أول سنة ثلاث عشرة‏.‏ 
قال محمد بن إسحاق عن صالح بن كيسان‏:‏ خرج أبو بكر ماشياً، ويزيد بن أبي سفيان راكباً، فجعل يوصيه، فلما فرغ قال‏:‏ أقرئك السلام، واستودعك الله‏.‏ ثم انصرف ومضى يزيد وأجد السير‏.‏ 
ثم تبعه شرحبيل بن حسنة، ثم أبو عبيدة مدداً لهما فسلكوا غير ذلك الطريق‏.‏ 
وخرج عمرو بن العاص حتى نزل العرمات من أرض الشام‏.‏ 
ويقال‏:‏ إن يزيد بن أبي سفيان نزل البلقاء أولاً‏.‏ 
ونزل شرحبيل بالأردن، ويقال ببصرى‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/7‏)‏ 
ونزل أبو عبيدة بالجابية‏.‏ 
وجعل الصديق يمدهم بالجيوش، وأمر كل واحد منهم أن ينضاف إلى من أحب من الأمراء‏.‏ 
ويقال‏:‏ إن أبا عبيدة لما مر بأرض البلقاء قاتلهم حتى صالحوه، وكان أول صلح وقع بالشام‏.‏ 
ويقال‏:‏ إن أول حرب وقع بالشام أن الروم اجتمعوا بمكان يقال له‏:‏ العرية من أرض فلسطين، فوجه إليهم أبا أمامة الباهلي في سرية فقتلهم وغنم منهم، وقتل منهم بطريقاً عظيماً‏.‏ 
ثم كانت بعد هذه وقعة مرج الصفراء استشهد فيها خالد بن سعيد بن العاص، وجماعة من المسلمين‏.‏ 
ويقال‏:‏ إن الذي استشهد في مرج الصفراء ابن لخالد بن سعيد، وأما هو ففر حتى انحاز إلى أرض الحجاز فالله أعلم‏.‏ 
حكاه ابن جرير‏.‏ 
قال ابن جرير‏:‏ ولما انتهى خالد بن سعيد إلى تيماء، اجتمع له جنود من الروم في جمع كثير من نصارى العرب، من غيرا، وتنوخ، وبني كلب، وسليح، ولخم، وجذام، وغسان، فتقدم إليهم خالد بن سعيد، فلما اقترب منهم تفرقوا عنه ودخل كثير منهم في الإسلام، وبعث إلى الصديق يعلمه بما وقع من الفتح فأمره الصديق أن يتقدم ولا يحجم؛ وأمده بالوليد بن عقبة، وعكرمة بن أبي جهل، وجماعة‏.‏ 
فسار إلى قريب من إيلياء فالتقى هو وأمير من الروم يقال له‏:‏ ماهان فكسره، ولجأ ماهان إلى دمشق، فلحقه خالد بن سعيد، وبادر الجيوش إلى لحوق دمشق وطلب الحظوة، فوصلوا إلى مرج الصفراء، فانطوت عليه مسالح ماهان، وأخذوا عليهم الطريق، وزحف ماهان ففر خالد بن سعيد، فلم يرد إلى ذي المروة‏.‏ 
واستحوذ الروم على جيشهم إلا من فر على الخيل، وثبت عكرمة بن أبي جهل، وقد تقهقر عن الشام قريباً وبقي رداءاً لمن نفر إليه، وأقبل شرحبيل بن حسنة من العراق من عند خالد بن الوليد إلى الصديق، فأمّره على جيشه وبعثه إلى الشام، فلما مر بخالد بن سعيد بذي المروة، أخذ جمهور أصحابه الذين هربوا معه إلى ذي المروة‏.‏ 
ثم اجتمع عند الصديق طائفة من الناس فأمّر عليهم معاوية بن أبي سفيان، وأرسله وراء أخيه يزيد بن أبي سفيان، ولما مرَّ بخالد بن سعيد أخذ من كان بقي معه بذي المروة إلى الشام‏.‏ 
ثم أذن الصديق لخالد بن سعيد في الدخول إلى المدينة وقال‏:‏ كان عمر أعلم بخالد‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 8‏)‏ 
  وقعة اليرموك 
على ما ذكره سيف بن عمر في هذه السنة قبل فتح دمشق، وتبعه على ذلك أبو جعفر بن جرير - رحمه الله - وأما الحافظ ابن عساكر - رحمه الله - فإنه نقل عن يزيد بن أبي عبيدة، والوليد، وابن لهيعة، والليث، وأبي معشر، أنها كانت في سنة خمسة عشرة بعد فتح دمشق‏.‏ 
وقال محمد بن إسحاق‏:‏ كانت في رجب سنة خمس عشرة‏.‏ 
وقال خليفة بن خياط‏:‏ قال ابن الكلبي‏:‏ كانت وقعة اليرموك يوم الاثنين لخمس مضين من رجب سنة خمس عشرة‏.‏ 
قال ابن عساكر‏:‏ وهذا هو المحفوظ، وأما ما قاله سيف‏:‏ من أنها قبل فتح دمشق سنة ثلاث عشرة، فلم يتابع عليه‏.‏ 
قلت‏:‏ وهذا ذكر سياق سيف وغيره على ما أورده ابن جرير وغيره‏.‏ 
قال‏:‏ ولما توجهت هذه الجيوش نحو الشام أفزع ذلك الروم، وخافوا خوفاً شديداً، وكتبوا إلى هرقل يعلمونه بما كان من الأمر، فيقال‏:‏ إنه كان يومئذ بحمص، ويقال‏:‏ كان حج عامه ذلك إلى بيت المقدس، فلما انتهى إليه الخبر‏.‏ 
قال لهم‏:‏ ويحكم إن هؤلاء أهل دين جديد، وإنهم لا قِبَلَ لأحدٍ بهم، فأطيعوني وصالحوهم بما تصالحونهم على نصف خراج الشام، ويبقى لكم جبال الروم، وإن أنتم أبيتم ذلك أخذوا منكم الشام، وضيقوا عليكم جبال الروم‏.‏ 
فنخروا من ذلك نخرة حمر الوحش كما هي عاداتهم في قلة المعرفة، والرأي بالحرب، والنصرة في الدين والدنيا‏.‏ 
فعند ذلك سار إلى حمص، وأمر هرقل بخروج الجيوش الرومية صحبة الأمراء، في مقابلة كل أمير من المسلمين جيش كثيف، فبعث إلى عمرو بن العاص أخاً له لأبويه تذارق في تسعين ألفاً من المقاتلة‏.‏ 
وبعث جرجة بن بوذيها إلى ناحية يزيد بن أبي سفيان، فعسكر بازائه في خمسين ألفاً أو ستين ألفاً‏.‏ 
وبعث الدارقص إلى شرحبيل بن حسنة‏.‏ 
وبعث اللقيقار، ويقال‏:‏ القيقلان - قال ابن إسحاق وهو خصي هرقل نسطورس - في ستين ألفاً إلى أبي عبيدة بن الجراح‏.‏ 
وقالت الروم‏:‏ والله لنشغلن أبا بكر عن أن يورد الخيول إلى أرضنا‏.‏ 
وجميع عساكر المسلمين أحد وعشرون ألفاً سوى الجيش الذي مع عكرمة بن أبي جهل‏.‏ 
وكان واقفاً في طرف الشام ردءاً للناس - في سنة آلاف - فكتب الأمراء إلى أبو بكر وعمر يعلمونهما بما وقع من الأمر العظيم، فكتب إليهم أن اجتمعوا وكونوا جنداً واحداً، والقوا جنود المشركين، فأنتم أنصار الله، والله ينصر من نصره، وخاذل من كفره، ولن يؤتى مثلكم عن قلة، ولكن من تلقاء الذنوب فاحترسوا منها، وليصل كل رجل منكم بأصحابه‏.‏ 
وقال الصديق‏:‏ والله لأشغلن النصارى عن وساوس الشيطان بخالد بن الوليد، وبعث إليه وهو بالعراق، ليقدم إلى الشام فيكون الأمير على من به فإذا فرغ عاد إلى عمله بالعراق، فكان ما سنذكره‏.‏ 
ولما بلغ هرقل ما أمر به الصديق أمراءه من الاجتماع، بعث إلى أمرائه أن يجتمعوا أيضاً، وأن ينزلوا بالجيش منزلا واسع العطن، واسع المطرد، ضيق المهرب، وعلى الناس أخوه تذارق، وعلى المقدمة جرجة، وعلى المجنبتين ماهان، والدارقص، وعلى البحر القيقلان‏.‏ 
‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 9‏)‏‏.‏ 
وقال محمد بن عائد عن عبد الأعلى عن سعيد بن عبد العزيز‏:‏ إن المسلمين كانوا أربعة وعشرين ألفاً، وعليهم أبو عبيدة، والروم كانوا عشرين ومائة ألف عليهم ماهان وسقلاب يوم اليرموك‏.‏ 
وكذا ذكر ابن إسحاق‏:‏ أن سقلاب الخصي كان على الروم يومئذ في مائة ألف، وعلى المقدمة جرجه - من أرمينية - في اثني عشر ألفاً، ومن المستعربة اثني عشر ألفاً عليهم جبلة بن الأيهم، والمسلمون في أربعة وعشرين ألفاً، فقاتلوا قتالاً شديداً، حتى قاتلت النساء من ورائهم أشد القتال‏.‏ 
وقال الوليد‏:‏ عن صفوان، عن عبد الرحمن بن جبير قال‏:‏ بعث هرقل مائتي ألف عليهم ماهان الأرمني‏.‏ 
قال سيف‏:‏ فسارت الروم فنزلوا الواقوصة قريباً من اليرموك، وصار الوادي خندقاً عليهم‏.‏ 
وبعث الصحابة إلى الصديق يستمدونه ويعلمونه بما اجتمع من جيش الروم باليرموك، فكتب الصديق عند ذلك إلى خالد بن الوليد أن يستنيب على العراق، وأن يقفل بمن معه إلى الشام، فإذا وصل إليهم فهو الأمير عليهم، فاستناب المثنى بن حارثة على العراق، وسار خالد مسرعاً في تسعة آلاف وخمسمائة، ودليله رافع بن عميرة الطائي فأخذ به على السماق حتى انتهى إلى قراقر، وسلك به أراضي لم يسلكها قبله أحد، فاجتاب البراري والقفار، وقطع الأودية، وتصعّد على الجبال، وسار في غير مهيع، وجعل رافع يدلهم في مسيرهم على الطريق، وهو في مفاوز معطشة، وعطش النوق وسقاها الماء عللاً بعد نهل، وقطع مشارفها وكعمها حتى لا تجتز رحل أدبارها‏.‏ 
واستاقها معه، فلما فقدوا الماء نحرها فشربوا ما في أجوافها من الماء، ويقال‏:‏ بل سقاه الخيل، وشربوا ما كانت تحمله من الماء، وأكلوا لحومها، ووصل ولله الحمد والمنة في خمسة أيام، فخرج على الروم من ناحية تدمر، فصالح أهل تدمر وأركه، ولما مر بعذراء أباحها وغنم لغسان أموالاً عظيمة، وخرج من شرقي دمشق ثم سار حتى وصل إلى قناة بصرى فوجد الصحابة تحاربها فصالحه صاحبها وسلمها إليه، فكانت أول مدينة فتحت من الشام ولله الحمد‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 10‏)‏ 
وبعث خالد بأخماس ما غنم من غسان مع بلال بن الحرث المزني إلى الصديق، ثم سار خالد، وأبو عبيدة، ومرثد، وشرحبيل إلى عمرو بن العاص - وقد قصده الروم بأرض العربا من المعور - فكانت واقعة أجنادين‏.‏ 
وقد قال رجل من المسلمين في مسير