هم هذا مع خالد‏:‏ 
لله عينا رافع أنى اهتدى * فوز من قراقر إلى نوى 
خمساً إذا ماسارها الجيش بكى * ما سارها قبلك أنسي أرى 
وقد كان بعض العرب قال له في هذا المسير‏:‏ إن أنت أصبحت عند الشجرة الفلانية نجوت أنت ومن معك، وإن لم تدركها هلكت أنت ومن معك‏.‏ 
فسار خالد بمن معه، وسروا سروة عظيمة فأصبحوا عندها، فقال خالد‏:‏ عند الصباح يحمد القوم السرى، فأرسلها مثلاً وهو أول من قالها رضي الله عنه‏.‏ 
ويقول غير ابن إسحاق كسيف بن عمر، وأبي نحيف وغيرهما في تكميل السياق الأول‏:‏ حين اجتمعت الروم مع أمرائها بالواقوصة، وانتقل الصحابة من منزلهم الذي كانوا فيه، فنزلوا قريباً من الروم في طريقهم الذي ليس لهم طريق غيره، فقال عمرو بن العاص‏:‏ 
أبشروا أيها الناس، فقد حصرت والله الروم، وقلما جاء محصور بخير‏.‏ 
ويقال‏:‏ إن الصحابة لما اجتمعوا للمشورة في كيفية المسير إلى الروم جلس الأمراء لذلك، فجاء أبو سفيان فقال‏:‏ ما كنت أظن أني أعمر حتى أدرك قوماً يجتمعون لحرب ولا أحضرهم‏.‏ 
ثم أشار أن يتجزأ الجيش ثلاثة أجزاء‏:‏ 
فيسير ثلثه فينزلون تجاه الروم، ثم تسير الأثقال والذراري في الثلث الآخر، ويتأخر خالد بالثلث الآخر حتى إذا وصلت الأثقال إلى أولئك سار بعدهم ونزلوا في مكان تكون البرية من وراء ظهورهم، لتصل إليهم البرد والمدد‏.‏ 
فامتثلوا ما أشار به ونعم الرأي هو‏.‏ 
وذكر الوليد، عن صفوان، عن عبد الرحمن بن جبير‏:‏ أن الروم نزلوا فيما بين دير أيوب واليرموك، ونزل المسلمون من وراء النهر من الجانب الآخر، وأذرعات خلفهم ليصل إليهم المدد من المدينة‏.‏ 
ويقال‏:‏ إن خالداً إنما قدم عليهم بعد ما نزل الصحابة تجاه الروم بعد ما صابروهم وحاصروهم شهر ربيع الأول بكماله، فلما انسلخ وأمكن القتال لقلة الماء بعثوا إلى الصديق يستمدونه فقال خالد لها، فبعث إلى خالد فقدم عليهم في ربيع الآخر، فعند وصول خالد إليهم أقبل ماهان مدداً للروم ومعه القساقسة، والشمامسة، والرهبان، يحثونهم ويحرضونهم على القتال لنصر دين النصرانية‏.‏ 
فتكامل جيش الروم أربعون ومائتا ألف وثمانون ألفاً مسلسل بالحديد والحبال، وثمانون ألفاً فارس، وثمانون ألفاً راجل‏.‏ 
قال سيف‏:‏ وقيل بل كان الذين تسلسلوا كل عشرة سلسلة لئلا يفرون ثلاثين ألفاً، فالله أعلم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 11‏)‏ 
قال سيف‏:‏ وقدم عكرمة بمن معه من الجيوش فتكامل جيش الصحابة ستة وثلاثين ألفاً إلى الأربعين ألفاً‏.‏ 
وعند ابن إسحاق والمدايني أيضاً‏:‏ أن وقعة أجنادين قبل وقعة اليرموك، وكانت واقعة أجنادين لليلتين بقيتا من جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة، وقتل بها بشر كثير من الصحابة، وهزم الروم، وقتل أميرهم القيقلان‏.‏ 
وكان قد بعث رجلاً من نصارى العرب يجس له أمر الصحابة فلما رجع إليه قال‏:‏ وجدت قوماً رهبانا بالليل فرساناً بالنهار، والله لو سرق فيهم ابن ملكهم لقطعوه، أو زنى لرجموه‏.‏ 
فقال له القيقلان‏:‏ والله لئن كنت صادقاً لبطن الأرض خير من ظهرها‏.‏ 
وقال سيف بن عمر في سياقه‏:‏ ووجد خالد الجيوش متفرقة، فجيش أبي عبيدة وعمرو بن العاص ناحية، وجيش يزيد وشرحبيل ناحية‏.‏ 
فقام خالد في الناس خطيباً‏.‏ 
فأمرهم بالاجتماع ونهاهم عن التفرق والاختلاف‏.‏ فاجتمع الناس وتصافوا مع عدوهم في أول جمادى الآخرة، وقام خالد بن الوليد في الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال‏:‏ 
إن هذا يوم من أيام الله لا ينبغي فيه الفخر ولا البغي، أخلصوا جهادكم وأريدوا الله بعملكم، وإن هذا يوم له ما بعده لو رددناهم اليوم إلى خندقهم فلا نزال نردهم وإن هزمونا لا نفلح بعدها أبداً، فتعالوا فلنتعاور الإمارة فليكن عليها بعضناً اليوم والآخر غداً والآخر بعد غد، حتى يتأمر كلكم، ودعوني اليوم إليكم فأمروه عليهم وهم يظنون أن الأمر يطول جداً، فخرجت الروم في تعبئة لم ير مثلها قبلها قط‏.‏ 
وخرج خالد في تعبئة لم تعبها العرب من قبل ذلك‏.‏ 
فخرج في ستة وثلاثين كردوساً إلى الأربعين، كل كردوس ألف رجل عليهم أمير، وجعل أبا عبيدة في القلب، وعلى الميمنة عمرو بن العاص، ومعه شرحبيل بن حسنة، وعلى الميسرة يزيد بن أبي سفيان‏.‏ 
وأمر على كل كردوس أميراً، وعلى الطلائع قباب بن أشيم، وعلى الأقباض عبد الله بن مسعود، والقاضي يومئذ أبو الدرداء، وقاصهم الذي يعظهم ويحثهم على القتال أبو سفيان بن حرب، وقارئهم الذي يدور على الناس فيقرأ سورة الأنفال وآيات الجهاد المقداد بن الأسود‏.‏ 
وذكر إسحاق بن يسار بإسناده‏:‏ أن أمراء الأرباع يومئذ كانوا أربعة‏:‏ 
أبو عبيدة، وعمرو بن العاص، وشرحبيل بن حسنة، ويزيد بن أبي سفيان، وخرج الناس على راياتهم وعلى الميمنة معاذ بن جبل، وعلى الميسرة نفاثة بن أسامة الكناني، وعلى الرجالة هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وعلى الخيالة خالد بن الوليد، وهو المشير في الحرب الذي يصدر الناس كلهم عن رأيه‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 12‏)‏ 
ولما أقبلت الروم في خيلائها وفخرها قد سدت أقطار تلك البقعة سهلها ووعرها، كأنهم غمامة سوداء، يصيحون بأصوات مرتفعة، ورهبانهم يتلون الإنجيل ويحثونهم على القتال، وكان خالد في الخيل بين يدي الجيش فساق بفرسه إلى أبي عبيدة فقال له‏:‏ 
إني مشير بأمر، فقال‏:‏ قل أمرك الله أسمع لك وأطيع فقال له خالد‏:‏ 
إن هؤلاء القوم لا بد لهم من حملة عظيمة لا محيد لهم عنها، وإني أخشى على الميمنة والميسرة وقد رأيت أن أفرق الخيل فرقتين، وأجعلها وراء الميمنة والميسرة حتى إذا صدموهم كانوا لهم ردءاً فنأتيهم من ورائهم‏.‏ 
فقال له‏:‏ نعم ما رأيت‏.‏ 
فكان خالد في أحد الخيلين من وراء الميمنة، وجعل قيس بن هبيرة في الخيل الأخرى، وأمر أبا عبيدة أن يتأخر عن القلب إلى وراء الجيش كله، لكي إذا رآه المنهزم استحى منه ورجع إلى القتال، فجعل أبو عبيدة مكانه في القلب سعيد بن زيد أحد العشر رضي الله عنهم، وساق خالد إلى النساء من وراء الجيش ومعهن عدد من السيوف وغيرها‏.‏ 
فقال لهن‏:‏ من رأيتموه مولياً فاقتلنه، ثم رجع إلى موقفه رضي الله عنه‏.‏ 
ولما تراءى الجمعان وتبارز الفريقان وعظ أبو عبيدة المسلمين فقال‏:‏ عباد الله انصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم، يا معشر المسلمين اصبروا فإن الصبر منجاة من الكفر ومرضاة للرب ومدحضة للعار، ولا تبرحوا مصافكم، ولا تخطوا إليهم خطوة، ولا تبدأوهم بالقتال وشرِّعوا الرماح واستتروا بالدرق والزموا الصمت إلا من ذكر الله في أنفسكم حتى آمركم إن شاء الله تعالى‏.‏ 
قالوا‏:‏ وخرج معاذ بن جبل على الناس فجعل يذكرهم ويقول‏:‏ يا أهل القرآن، ومتحفظي الكتاب وأنصار الهدى والحق، إن رحمة الله لا تنال وجنته لا تدخل بالأماني، ولا يؤتي الله المغفرة والرحمة الواسعة إلا الصادق المصدق ألم تسمعوا لقول الله‏:‏ ‏{‏وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ‏}‏ ‏[‏النور‏:‏55‏]‏ الآية، فاستحيوا رحمكم الله من ربكم أن يراكم فراراً من عدوكم، وأنتم في قبضته وليس لكم ملتحد من دونه ولا عز بغيره‏.‏ 
وقال عمرو بن العاص‏:‏ يا أيها المسلمون غضوا الأبصار، وأجثوا على الركب، وأشرعوا الرماح، فإذا حملوا عليكم فأمهلوهم حتى إذا ركبوا أطراف الأسنة فثبوا إليهم وثبة الأسد، فوالذي يرضى الصدق ويثيب عليه ويمقت الكذب ويجزي بالإحسان إحساناً، لقد سمعت أن المسلمين سيفتحونها كفراً كفراً وقصراً قصراً فلا يهولكم جموعهم ولا عددهم، فإنكم لو صدقتموهم الشد تطايروا تطاير أولاد الحجل‏.‏ 
وقال أبو سفيان‏:‏ يا معشر المسلمين أنتم العرب وقد أصبحتم في دار العجم منقطعين عن الأهل نائين عن أمير المؤمنين وإمداد المسلمين، وقد والله أصبحتم بإزاء عدو كثير عدده شديد عليكم حنقه، وقد وترتموهم في أنفسهم وبلادهم ونسائهم، والله لا ينجيكم من هؤلاء القوم، ولا يبلغ بكم رضوان الله غداً إلا بصدق اللقاء والصبر في المواطن المكروهة، ألا وإنها سنة لازمة وأن الأرض ورائكم، بينكم وبين أمير المؤمنين وجماعة المسلمين صحارى وبراري، ليس لأحد فيها معقل ولا معدل إلا الصبر ورجاء ما وعد لله فهو خير معول، فامتنعوا بسيوفكم وتعاونوا ولتكن هي الحصون‏.‏ 
ثم ذهب إلى النساء فوصاهم، ثم عاد فنادى‏:‏ يا معاشر أهل الإسلام حضر ما ترون فهذا رسول الله والجنة أمامكم، والشيطان والنار خلفكم، ثم سار إلى موقفه رحمه الله‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 13‏)‏ 
وقد وعظ الناس أبو هريرة أيضاً فجعل يقول‏:‏ سارعوا إلى الحور العين وجوار ربكم عز وجل في جنات النعيم، ما أنتم إلى ربكم في موطن بأحب إليه منكم في مثل هذا الموطن، ألا وإن للصابرين فضلهم‏.‏ 
قال سيف بن عمر إسناده عن شيوخه أنهم قالوا‏:‏ كان في ذلك الجمع ألف رجل من الصحابة منهم مائة من أهل بدر‏.‏ 
وجعل أبو سفيان يقف على كل كردوس ويقول‏:‏ الله الله إنكم دارة العرب وأنصار الإسلام، وإنهم دارة الروم وأنصار الشرك، اللهم إن هذا يوم من أيامك، اللهم أنزل نصرك على عبادك‏.‏ 
قالوا‏:‏ ولما أقبل خالد من العراق قال رجل من نصارى العرب لخالد بن الوليد‏:‏ ما أكثر الروم وأقل المسلمين ‏!‏‏!‏ فقال خالد‏:‏ ويلك، أتخوفني بالروم‏؟‏ إنما تكثر الجنود بالنصر، وتقل بالخذلان لا بعدد الرجال، والله لوددت أن الأشقر برأ من توجعه، وأنهم أضعفوا في العدد - وكان فرسه قد حفا واشتكى في مجيئه من العراق -‏.‏ 
ولما تقارب الناس تقدم أبو عبيدة ويزيد بن أبي سفيان ومعهما ضرار بن الأزور، والحارث بن هشام، وأبو جندل بن سهيل، ونادوا‏:‏ إنما نريد أميركم لنجتمع به، فأذن لهم في الدخول على تذارق، وإذا هو جالس في خيمة من حرير‏.‏ 
فقال الصحابة‏:‏ لا نستحل دخولها فأمر لهم بفرش بسط من حرير، فقالوا‏:‏ ولا نجلس على هذه‏.‏ 
فجلس معهم حيث أحبوا وتراضوا على الصلح، ورجع عنهم الصحابة بعد ما دعوهم إلى الله عز وجل فلم يتم ذلك‏.‏ 
وذكر الوليد بن مسلم‏:‏ أن ماهان طلب خالداً ليبرز إليه فيما بين الصفين فيجتمعا في مصلحة لهم‏.‏ 
فقال ماهان‏:‏ إنا قد علمنا أن ما أخرجكم من بلادكم الجهد والجوع، فهلموا إلى أن أعطي كل رجل منكم عشرة دنانير وكسوة وطعام وترجعون إلى بلادكم، فإذا كان من العام المقبل بعثنا لكم بمثلها‏.‏ 
فقال خالد‏:‏ إنه لم يخرجنا من بلادنا ما ذكرت، غير أنا قوم نشرب الدماء، وأنه بلغنا أن لا دم أطيب من دم الروم فجئنا لذلك‏.‏ 
فقال أصحاب ماهان‏:‏ هذا والله ما كنا نُحَدَّثُ به العرب‏.‏ 
قالوا‏:‏ ثم تقدم خالد إلى عكرمة بن أبي جهل والقعقاع بن عمرو - وهما على مجنبتي القلب - أن ينشئا القتال‏.‏ 
فبدرا يرتجزان ودعوا إلى البراز، وتنازل الأبطال، وتجاولوا وحمى الحرب وقامت على ساق‏.‏ هذا وخالد مع كردوس من الحماة الشجعان الأبطال بين يدي الصفوف، والأبطال يتصاولون من الفريقين بين يديه، وهو ينظر ويبعث إلى كل قوم من أصحابه بما يعتمدونه من الأفاعيل، ويدبر أمر الحرب أتم تدبير‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 14‏)‏ 
وقال إسحاق بن بشير عن سعيد بن عبد العزيز عن قدماء مشايخ دمشق، قالوا‏:‏ ثم زحف ماهان فخرج أبو عبيدة، وقد جعل على الميمنة معاذ بن جبل، وعلى الميسرة قباب بن أشيم الكناني، وعلى الرجالة هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وعلى الخيل خالد بن الوليد، وخرج الناس على راياتهم، وسار أبو عبيدة بالمسلمين، وهو يقول‏:‏ 
عباد الله انصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم، يا معاشر المسلمين اصبروا وصابروا فإن الصبر منجاة من الكفر، ومرضاة للرب، ومدحضة للعار، ولا تبرحوا مصافكم، ولا تخطوا إليهم خطوة، ولا تبدؤوهم بالقتال، وأشرعوا الرماح واستتروا بالدرق، والزموا الصمت إلا من ذكر الله‏.‏ 
وخرج معاذ بن جبل فجعل يذكرهم، ويقول‏:‏ يا أهل القرآن، ومستحفظي الكتاب، وأنصار الهدى والحق، إن رحمة الله لا تنال، وجنته لا تدخل بالأماني، ولا يؤتي الله المغفرة والرحمة الواسعة إلا للصادق المصدق، ألم تسمعوا لقول الله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ‏}‏ إلى آخر الآية فاستحيوا رحمكم الله من ربكم أن يراكم فراراً من عدوكم، وأنتم في قبضته، وليس لكم ملتحد من دونه‏.‏ 
وسار عمرو بن العاص في الناس وهو يقول‏:‏ 
أيها المسلمون غضوا الأبصار، واجثوا على الراكب، وأشرعوا الرما