ة أبو محجن فرضي عنه وأطلقه رضي الله عنهما‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 53‏)‏ 
وقد قال رجل من المسلمين في سعد رضي الله عنه‏:‏ 
نقاتل حتى أنزل الله نصره * وسعد بباب القادسية معصم 
فأُبنا وقد آمت نساء كثيرة * ونسوة سعد ليس فيهم أيم 
فيقال‏:‏ أن سعداً نزل إلى الناس فاعتذر إليهم مما فيه من القروح في فخذيه وإليتيه، فعذره الناس‏.‏ 
ويذكر أنه دعا على قائل هذين البيتين وقال‏:‏ اللهم إن كان كاذباً، أو قال‏:‏ الذي قال رياءً وسمعةً وكذباً فاقطع لسانه ويده، فجاءه سهم وهو واقف بين الصفين، فوقع في لسانه فبطل شقه فلم يتكلم حتى مات‏.‏ 
رواه سيف‏:‏ عن عبد الملك بن عمير، عن قبيصة بن جابر فذكره‏.‏ 
وقال سيف‏:‏ عن المقدام بن شريح الحارثي، عن أبيه قال‏:‏ قال جرير بن عبد الله البجلي‏:‏ 
أنا جرير وكنيتي أبو عمرو * قد فتح الله وسعد في القصر 
فأشرف سعد من قصره وقال * وما أرجو بجيلة غير أني أومل أجرها يوم الحساب 
وقد لقيت خيولهم خيولاً * وقد وقع الفوارس في الضراب 
وقد دلفت بعرصتهم خيول * كان زهاءها إبل الجراب 
فلولا جمع قعقاع بن عمرو * وحمال للجوا في الركاب 
ولولا ذاك ألفيتم رعاعاً * تسيل جموعكم مثل الذباب 
وقد روى محمد بن إسحاق‏:‏ عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم البجلي - وكان ممن شهد القادسية - قال‏:‏ كان معنا رجل من ثقيف فلحق بالفرس مرتداً، فأخبرهم أن بأس الناس في الجانب الذي فيه بجيلة‏.‏ 
قال‏:‏ وكنا ربع الناس، قال‏:‏ فوجهوا إلينا ستة عشر فيلاً، وجعلوا يلقون تحت أرجل خيولنا حسك الحديد، ويرشقوننا بالنشاب، فلكأنه المطر، وقربوا خيولهم بعضها إلى بعض لئلا ينفروا‏.‏ 
قال‏:‏ وكان عمرو بن معد يكرب الزبيدي يمر بنا فيقول‏:‏ يا معشر المهاجرين، كونوا أسوداً فإنما الفارسي تيس‏.‏ 
قال‏:‏ وكان فيهم أسوار لا تكاد تسقط له النشاب‏.‏ 
فقلنا له‏:‏ يا أبا ثور، اتق ذاك الفارس فإنه لا يسقط له نشابة فوجه إليه الفارس، ورماه بنشابة فأصاب ترسه، وحمل عليه عمرو فاعتنقه فذبحه فاستلبه سوارين من ذهب ومنطقة من ذهب، ويلمقا من ديباج‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/54‏)‏ 
قال‏:‏ وكان المسلمون ستة آلاف أو سبعة آلاف، فقتل الله رستماً، وكان الذي قتله رجل يقال له‏:‏ هلال بن علقمة التميمي، رماه رستم بنشابه فأصاب قدمه، وحمل عليه هلال فقتله واحتز رأسه‏.‏ 
وولت الفرس فاتبعهم المسلمون يقتلونهم فأدركوهم في مكان قد نزلوا فيه وأطمأنوا، فبينما هم سكارى قد شربوا ولعبوا إذ هجم عليهم المسلمون فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وقتل هنالك الجالينوس قتله زهرة بن حوية التميمي، ثم ساروا خلفهم، فكلما تواجه الفريقان نصر الله حزب الرحمن، وخذل حزب الشيطان وعبدة النيران، واحتاز المسلمون من الأموال ما يعجز عن حصره ميزان وقبان، حتى إن منهم من يقول‏:‏ من يقايض بيضاء بصفراء لكثرة ما غنموا من الفرسان، ولم يزالوا يتبعونهم حتى جازوا الفرات وراءهم وفتحوا المدائن، وجلولاء على ما سيأتي تفصيله في موضعه إن شاء الله تعالى وبه الثقة‏.‏ 
وقال سيف بن عمرو‏:‏ عن سليمان بن بشير، عن أم كثير امرأة همام بن الحارث النخعي قالت‏:‏ شهدنا القادسية مع سعد مع أزواجنا، فلما أتانا أن قد فرغ من الناس شددنا علينا ثيابنا، وأخذنا الهراوي ثم أتينا القتلى، فمن كان من المسلمين سقيناه ورفعناه، ومن كان من المشركين أجهزنا عليه، ومعنا الصبيان فنوليهم ذلك - تعني استلابهم - لئلا يكشفن عن عورات الرجال‏.‏ 
وقال سيف بأسانيده‏:‏ عن شيوخه قالوا‏:‏ وكتب سعد إلى عمر يخبره بالفتح وبعدة من قتلوا من المشركين‏.‏ وبعدة من قتل من المسلمين، بعث بالكتاب مع سعد بن عميلة الفزاري، وصورته‏:‏ 
أما بعد‏:‏ فإن الله نصرنا على أهل فارس، ومنحناهم سنن من كان قبلهم من أهل دينهم بعد قتال طويل وزلزال شديد، وقد لقوا المسلمين بعدة لم ير الراؤن مثل زهائها، فلم ينفعهم الله بذلك بل سلبوه، ونقله عنهم إلى المسلمين، واتبعهم المسلمون على الأنهار، وصفوف الآجام، وفي الفجاج‏.‏ 
وأصيب من المسلمين سعد بن عبيد القاري وفلان وفلان، ورجال من المسلمين لا يعلمهم إلا الله فإنه بهم عالم، كانوا يدوون بالقرآن إذا جن عليهم الليل كدوي النحل، وهم آساد في النهار لا تشبههم الأسود، ولم يفضل من مضى منهم من بقي إلا بفضل الشهادة إذا لم تكتب لهم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 55‏)‏ 
فيقال‏:‏ أن عمر قرأ هذه البشارة على الناس فوق المنبر رضي الله عنهم‏.‏ 
ثم قال عمر للناس‏:‏ إني حريص على أن لا أرى حاجة إلا سددتها، ما اتسع بعضنا لبعض، فإذا عجز ذلك عنا تأسينا في عيشنا حتى نستوى في الكفاف، ولوددت أنكم علمتم من نفسي مثل الذي وقع فيها لكم، ولست معلمكم إلا بالعمل إني والله لست بملك فأستعبدكم، ولكني عبد الله عرض علي الأمانة فإن أبيتها ورددتها عليكم، واتبعتكم حتى تشبعوا في بيوتكم وترووا سعدت بكم‏.‏ 
وإن أنا حملتها واستتبعتكم إلى بيتي شقيت بكم ففرحت قليلاً وحزنت طويلاً، فبقيت لا أقال ولا أرد فأستعتب‏.‏ 
وقال سيف عن شيوخه قالوا‏:‏ وكانت العرب من العذيب إلى عدن أبين، يتربصون وقعة القادسية هذه يرون أن ثبات ملكهم وزواله بها، وقد بعث أهل كل بلدة قاصداً يكشف ما يكون من خبرهم، فلما كان ما كان من الفتح سبقت الجن بالبشارة إلى أقصى البلاد قبل رسل الإنس، فسمعت امرأة ليلاً بصنعاء على رأس جبل وهي تقول‏:‏ 
فحييت عنا عكرمَ ابنة خالد * وما خير زاد بالقليل المصردِ 
وحييت عني الشمس عند طلوعها * وحييت عني كل تاج مفردِ 
وحيتك عني عصبة نخعية * حسان الوجوه آمنوا بمحمد 
أقاموا لكسرى يضربون جنوده * بكل رقيق الشفرتين مهند 
إذا ثوب الداعي أناخوا بكلكلٍ * من الموت مسود الغياطل أجرد 
قالوا‏:‏ وسمع أهل اليمامة مجتازاً يغني بهذه الأبيات‏:‏ 
وجدنا الأكرمين بني تميم * غداة الروع أكثرهم رجالا 
هموا ساروا بأرعن مكفهر * إلى لجب يرونهم رعالا 
بحور للأكاسر من رجال * كأسد الغاب تحسبهم جبالا 
تركن لهم بقادس عز فخر * وبالخيفين أياماً طوالا 
مقطعة أكفهم وسوق * بمرد حيث قابلت الرجالا 
قالوا‏:‏ وسمع ذلك في سائر بلاد العرب، وقد كانت بلاد العراق بكاملها التي فتحها خالد نقضت العهود والذمم والمواثيق التي كانوا أعطوها خالداً، سوى أهل بانقيا وبرسما، وأهل أُليس الآخرة، ثم عاد الجميع بعد هذه الواقعة التي أوردناها، وادعوا أن الفرس أجبروهم على نقض العهود، وأخذوا منهم الخراج، وغير ذلك‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 56‏)‏ 
فصدقوهم في ذلك تألفاً لقلوبهم، وسنذكر حكم أهل السواد في كتابنا‏:‏ ‏(‏الأحكام الكبير‏)‏ إن شاء الله تعالى‏.‏ 
وقد ذهب ابن إسحاق وغيره‏:‏ إلى أن وقعة القادسية كانت في سنة خمس عشرة‏.‏ 
وزعم الواقدي‏:‏ أنها كانت في سنة ستة عشرة‏.‏ 
وأما سيف بن عمرو وجماعة‏:‏ فذكروها في سنة أربع عشرة، وفيها ذكرها ابن جرير‏.‏ فالله أعلم‏.‏ 
قال ابن جرير والواقدي‏:‏ في سنة أربع عشرة جمع عمر بن الخطاب الناس على أُبي بن كعب في التراويح، وذلك في شهر رمضان منها، وكتب إلى سائر الأمصار يأمرهم بالاجتماع في قيام شهر رمضان‏.‏ 
قال ابن جرير‏:‏ وفيها‏:‏ بعث عمر بن الخطاب عتبة بن غزوان إلى البصرة، وأمره أن ينزل فيها بمن معه من المسلمين، وقطع مادة أهل فارس عن الذين بالمدائن ونواحيها، منهم في قول المدائني، وروايته‏.‏ 
قال‏:‏ وزعم سيف أن البصرة إنما مصرت في ربيع من سنة ست عشرة، وأن عتبة بن غزوان إنما خرج إلى البصرة من المدائن بعد فراغ سعد من جلولاء وتكريت، وجهه إليها سعد بأمر من عمر رضي الله عنهم‏.‏ 
وقال أبو مخنف‏:‏ عن مجالد، عن الشعبي رضي الله عنهم‏:‏ أن عمر بعث عتبة بن غزوان إلى أرض البصرة في ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، وسار إليه من الأعراب ما كمل معه خمسمائة، فنزلها في ربيع الأول سنة أربع عشرة، والبصرة يومئذ تدعى‏:‏ أرض الهند، فيها حجارة بيض خشنة، وجعل يرتاد لهم منزلاً حتى جاؤا حيال الجسر الصغير فإذا فيه حلفاً وقصب نابت، فنزلوا‏.‏ 
فركب إليهم صاحب الفرات في أربعة آلاف أسوار، فالتقاه عتبة بعدما زالت الشمس، وأمر الصحابة فحملوا عليهم فقتلوا الفرس عن آخرهم، وأسروا صاحب الفرات، وقام عتبة خطيباً فقال في خطبته‏:‏ 
إن الدنيا قد آذنت بصرم، وولت حذاء، ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء، وإنكم منتقلون منها إلى دار القرار، فانتقلوا عما بحضرتكم فقد ذكر لي لو أن صخرة ألقيت من شفير جهنم هوت سبعين خريفاً ولتملأنه، أو عجبتم ‏؟‏‏!‏ 
ولقد ذكر لي أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين عاماً، وليأتين عليه يوم وهو كظيظ من الزحام، ولقد رأيتني وأنا سابع سبعة، وأنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لنا طعام إلا ورق السمر، حتى تقرحت أشداقنا، والتقطت بردة فشققتها بيني وبين سعد فما منا من أولئك السبعة من أحد إلا هو أمير على مصر من الأمصار، وسيجربون الناس بعدنا‏.‏ 
وهذا الحديث في صحيح مسلم بنحو من هذا السياق‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 57‏)‏ 
وروى علي بن محمد المدائني‏:‏ أن عمر كتب إلى عتبة بن غزوان حين وجهه إلى البصرة‏:‏ 
يا عتبة، إني استعملتك على أرض الهند وهي حومة من حومة العدو، وأرجو أن يكفيك الله ما حولها، وأن يعينك عليها، وقد كتبت إلى العلاء بن الحضرمي يمدك بعرفجة بن هرثمة‏.‏ 
فإذا قدم عليك فاستشره وقربه، وادع إلى الله، فمن أجابك فأقبل منه، ومن أبى فالجزية عن صغار وذلة، وإلا فالسيف في غير هوادة‏.‏ 
واتق الله فيما وليت، وإياك أن تنازعك نفسك إلى كبر فتفسد عليك آخرتك، وقد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعززت بعد الذلة، وقويت بعد الضعف، حتى صرت أميراً مسلطاً، وملكاً مطاعاً، تقول فيسمع منك، وتأمر فيطاع أمرك، فيالها نعمة إذا لم ترق فوق قدرك وتبطر على من دونك‏.‏ 
احتفظ من النعمة احتفاظك من المعصية، وهي أخوفهما عندي عليك أن يستدرجك ويخدعك فتسقط سقط فتصير بها إلى جهنم، أعيذك بالله ونفسي من ذلك أن الناس أسرعوا إلى الله حتى رفعت لهم الدنيا فأرادوها، فأرد الله ولا ترد الدنيا واتق مصارع الظالمين‏.‏ 
وقد فتح عتبة الأبلة في رجب أو شعبان من هذه السنة‏.‏ 
ولما مات عتبة بن غزوان في هذه السنة استعمل عمر على البصرة المغيرة بن شعبة سنتين، فلما رمي بما رمي به عزله وولى عليها أبا موسى الأشعري رضي الله عنهم‏.‏ 
وفي هذه السنة‏:‏ ضرب عمر بن الخطاب ابنه عبيد الله في الشراب هو وجماعة معه‏.‏ 
وفيها‏:‏ ضرب أبا محجن الثقفي في الشراب أيضاً سبع مرات، وضرب معه ربيعة بن أمية بن خلف‏.‏ 
وفيها‏:‏ نزل سعد بن أبي وقاص الكوفة‏.‏ 
وحج بالناس في هذه السنة عمر بن الخطاب، قال‏:‏ وكان بمكة‏:‏ عتاب بن أسيد، وبالشام‏:‏ أبو عبيدة، وبالبحرين‏:‏ عثمان بن أبي العاص‏.‏ وقيل‏:‏ العلاء بن الحضرمي، وعلى العراق‏:‏ سعد، وعلى عمان‏:‏ حذيفة بن محصن‏.‏ 
  ذكرى من توفى في هذا العام من المشاهير 
ففيها‏:‏ توفي سعد بن عبادة في قول، والصحيح في التي قبلها والله أعلم‏.‏ 
عتبة بن غزوان بن جابر بن هيب المازني، حليف بني عبد شمس صحابي بدري، وأسلم قديما بعد سنة وهاجر إلى أرض الحبشة وهو أول من اختط البصرة عن أمر عمر في امرأته له على ذلك كما تقدم، وله فضائل ومآثر، وتوفي سنة أربع عشرة‏.‏ 
وقيل‏:‏ سنة خمس عشرة‏.‏ 
وقيل‏:‏ سنة سبع عشرة‏.‏ 
وقيل سنة عشرين فالله أعلم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 58‏)‏ 
وقد جاوز الخمسين، وقيل‏:‏ بلغ ستين سنة رضي الله عنه‏.‏ 
عمرو بن أم مكتوم الأعمى، ويقال‏:‏ اسمه عبد الله، صحابي مهاجر، هاجر بعد مصعب بن عمير قبل النبي صلى الله عليه وسلم فكان يقرئ الناس القرآن، وقد استخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة غير مرة، فيقال‏:‏ ثلاث عشرة مرة‏.‏ 
وشهد القادسية مع سعد زمن عمر، فيقال‏:‏ إنه قتل بها شهيداً‏.‏ ويقال‏:‏ إنه رجع المدينة وتوفي بها والله أعلم‏.‏ 
المثنى بن حارثة بن سلمة بن ضمضم بن سعد بن مرة بن ذهل شيبان الشيباني، نائب خالد على العراق‏.‏ 
وهو‏:‏ الذي صارت إليه الإمرة بعد أبي عبيد يوم الجسر، فدارى بالمسلمين حتى خلصهم من الفرس يومئذ، وكان أحد الفرسان الأبطال وهو الذي ركب إلى الصديق فحرضه على غزو العراق، ولما توفي تزوج سعد بن أبي وقاص بامرأته سلمى بنت حفص رضي الله عنهما وأرضاهما‏.‏ 
وقد ذكره ابن الأثير في كتابه ‏(‏الغابة في أسماء الصحاب