، فلما كان اليوم الثالث نزلوا منه وسكنه سعد، واتخذ الإيوان مصلى، وحين دخله تلا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ‏}‏ ‏[‏الدخان‏:‏ 25-28‏]‏‏.‏ ثم تقدم إلى صدره فصلى ثمان ركعات صلاة الفتح‏.‏ 
وذكر سيف في روايته‏:‏ أنه صلاها بتسليمة واحدة، وأنه جمَّع بالإيوان في صفر من هذه السنة، فكانت أول جمعة جمِّعت بالعراق، وذلك لأن سعداً نوى الإقامة بها، وبعث إلى العيالات فأنزلهم دور المدائن واستوطنوها، حتى فتحوا جلولاء وتكريت والموصل، ثم تحولوا إلى الكوفة بعد ذلك كما سنذكره‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/77‏)‏ 
ثم أرسل السرايا في إثر كسرى يزدجرد فلحق بهم طائفة فقتلوهم، وشردوهم، واستلبوا منهم أموالاً عظيمة‏.‏ 
وأكثر ما استرجعوا من ملابس كسرى وتاجه وحليه‏.‏ 
وشرع سعد في تحصيل ما هنالك من الأموال والحواصل والتحف، مما لا يقوم ولا يحد ولا يوصف كثرة وعظمة‏.‏ 
وقد روينا‏:‏ أنه كان هناك تماثيل من جص، فنظر سعد إلى أحدها وإذا هو يشير بأصبعه إلى مكان‏.‏ 
فقال سعد‏:‏ إن هذا لم يوضع هكذا سدىً، فأخذوا ما يسامت أصبعه، فوجدوا قبالتها كنزاً عظيماً من كنوز الأكاسرة الأوائل، فأخرجوا منه أموالاً عظيمة جزيلة، وحواصل باهرة، وتحفاً فاخرة‏.‏ 
واستحوذ المسلمون على ما هنالك أجمع مما لم ير أحد في الدنيا أعجب منه، وكان في جملة ذلك تاج كسرى وهو مكال بالجواهر النفيسة التي تحير الأبصار، ومنطقته كذلك وسيفه وسواره وقباؤه وبساط إيوانه، وكان مربعاً ستون ذراعاً في مثلها من كل جانب، والبساط مثله سواء، وهو منسوج بالذهب واللآلئ والجواهر الثمينة، وفيه مصور جميع ممالك كسرى، بلاده بأنهارها وقلاعها، وأقاليمها وكنوزها، وصفة الزروع والأشجار التي في بلاده‏.‏ 
فكان إذا جلس على كرسي مملكته ودخل تحت تاجه وتاجه معلق بسلاسل من ذهب، لأنه كان لا يستطيع أن يقله على رأسه لثقله؛ بل كان يجيء فيجلس تحته، ثم يدخل رأسه تحت التاج والسلاسل الذهب تحمله عنه، وهو يستره حال لبسه، فإذا رفع الحجاب عنه خرت له الأمراء سجوداً‏.‏ 
وعليه المنطقة والسواران والسيف والقباء المرصع بالجواهر فينظر في البلدان واحدة واحدة، فيسأل عنها ومن فيها من النواب، وهل حدث فيها شيء من الأحداث‏؟‏ فيخبره بذلك ولاة الأمور بين يديه‏.‏ 
ثم ينتقل إلى الأخرى، وهكذا حتى يسأل عن أحوال بلاده في كل وقت لا يهمل أمر المملكة، وقد وضعوا هذا البساط بين يديه تذكاراً له بشأن الممالك، وهو إصلاح جيد منهم في أمر السياسة، فلما جاء قدر الله زالت تلك الأيدي عن تلك الممالك والأراضي، وتسلمها المسلمون من أيديهم قسراً، وكسروا شوكتهم عنها، وأخذوها بأمر الله صافية ضافية، ولله الحمد والمنة‏.‏ 
وقد جعل سعد بن أبي وقاص على الأقباض عمرو بن عمرو بن مقرن، فكان أول ما حصل ما كان في القصر الأبيض ومنازل كسرى، وسائر دور المدائن، وما كان بالإيوان مما ذكرنا، وما يفد من السرايا الذين في صحبة زهرة بن حوية، وكان فيما رد زهرة بغل كان قد أدركه وغصبه من الفرس، وكانت تحوطه بالسيوف فاستنقذه منهم وقال‏:‏ إن لهذا لشأناً، فرده إلى الأقباض وإذا عليه سفطان فيهما ثياب كسرى وحليه، ولبسه الذي كان يلبسه على السرير كما ذكرنا‏.‏ 
وبغل آخر عليه تاجه الذي ذكرنا في سفطين أيضاً رداً من الطريق مما استلبه أصحاب السرايا، وكان فيما ردت السرايا أموال عظيمة، وفيها أكثر أثاث كسرى وأمتعته والأشياء النفيسة التي استصحبوها معهم فلحقهم المسلمون فاستلبوها منهم‏.‏ 
ولم تقدر الفرس على حمل البساط لثقله عليهم، ولا حمل الأموال لكثرتها‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 78‏)‏ 
فإنه كان المسلمون يجيئون بعض تلك الدور فيجدون البيت ملآناً إلى أعلاه من أواني الذهب والفضة، ويجدون من الكافور شيئاً كثيراً فيحسبونه ملحاً، وربما استعمله بعضهم في العجين فوجدوه مراً حتى تبينوا أمره فتحصل الفيء على أمر عظيم من الأموال‏.‏ 
وشرع سعد فخمّسه، وأمر سلمان الفارسي فقسم الأربعة الأخماس بين الغانمين، فحصل لكل واحدٍ من الفرسان اثني عشرة ألفاً، وكانوا كلهم فرساناً، ومع بعضهم جنائب‏.‏ 
واستوهب سعد أربعة أخماس‏:‏ البساط، ولبس كسرى من المسلمين، ليبعثه إلى عمر والمسلمين بالمدينة لينظروا إليه ويتعجبوا منه، فطيبوا له ذلك وأذنوا فيه، فبعثه سعد إلى عمر مع الخمس مع بشير بن الخصاصية‏.‏ 
وكان الذي بشر بالفتح قبله حليس بن فلان الأسدي، فروينا‏:‏ أن عمر لما نظر إلى ذلك قال‏:‏ إن قوماً أدوا هذا لأمناء‏.‏ 
فقال له علي بن أبي طالب‏:‏ إنك عففت فعفت رعيتك، ولو رتعت لرتعت‏.‏ 
ثم قسّم عمر ذلك في المسلمين، فأصاب علياً قطعة من البساط، فباعها بعشرين ألفاً‏.‏ 
وقد ذكر سيف بن عمر‏:‏ أن عمر بن الخطاب ألبس ثياب كسرى لخشبة ونصبها أمامه ليرى الناس ما في هذه الزينة من العجب، وما عليها من زهرة الحياة الدنيا الفانية‏.‏ 
وقد روينا‏:‏ أن عمر ألبس ثياب كسرى لسراقة بن مالك بن جعشم أمير بني مدلج رضي الله عنه‏.‏ 
قال الحافظ أبو بكر البيهقي في ‏(‏دلائل النبوة‏)‏‏:‏ أخبرنا عبد الله بن يوسف الأصبهاني، حدثنا أبو سعيد ابن الأعرابي قال‏:‏ وجدت في كتابي بخط يدي عن أبي داود، حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا حماد، ثنا يونس، عن الحسن‏:‏ أن عمر بن الخطاب أُتي بفروة كسرى، فوضعت بين يديه وفي القوم سراقة بن مالك بن جعشم، قال‏:‏ فألقى إليه سواري كسرى بن هرمز فجعلهما في يده فبلغا منكبيه، فلما رآهما في يدي سراقة قال‏:‏ الحمد لله سواري كسرى بن هرمز في يدي سراقة بن مالك بن جعشم أعرابي من بني مدلج‏.‏ 
وذكر الحديث هكذا ساقه البيهقي‏.‏ 
ثم حُكي عن الشافعي أنه قال‏:‏ وإنما ألبسهما سراقة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لسراقة‏:‏ ‏(‏‏(‏ونظر إلى ذراعيه كأني بك وقد ألبست سواري كسرى‏)‏‏)‏‏.‏ 
قال الشافعي‏:‏ وقد قال عمر لسراقة حين ألبسه سواري كسرى، قل‏:‏ الله أكبر‏.‏ 
فقال‏:‏ الله أكبر‏.‏ 
ثم قال‏:‏ قل‏:‏ الحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هرمز وألبسهما سراقة بن مالك الأعرابي من بني مدلج‏.‏ 
وقال الهيثم بن عدي‏:‏ أخبرنا أسامة بن زيد الليثي، حدثنا القاسم بن محمد بن أبي بكر، قال‏:‏ بعث سعد بن أبي وقاص أيام القادسية إلى عمر بقباء كسرى وسيفه ومنطقته وسواريه وسراويله وقميصه وتاجه وخفيه‏.‏ 
قال‏:‏ فنظر عمر في وجوه القوم وكان أجسمهم وأبدنهم قامة سراقة بن مالك بن جعشم، فقال‏:‏ يا سراق قم فالبس‏.‏ 
قال سراقة‏:‏ فطمعت فيه فقمت فلبست‏.‏ 
فقال‏:‏ أدبر، فأدبرت‏.‏ 
ثم قال‏:‏ أقبل، فأقبلت‏.‏ 
ثم قال‏:‏ بخ بخ أُعَيْرَابي من بني مدلج، عليه قباء كسرى وسراويله وسيفه ومنطقته وتاجه وخفاه‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 79‏)‏ 
رب يوم يا سراق بن مالك، لو كان عليك فيه هذا من متاع كسرى وآل كسرى، كان شرفاً لك ولقومك، انزع، فنزعت‏.‏ 
فقال‏:‏ اللهم إنك منعت هذا رسولك ونبيك، وكان أحب إليك مني، وأكرم عليك مني، ومنعته أبا بكر وكان أحب إليك مني، وأكرم إليك مني، وأعطيتنيه فأعوذ بك أن تكون أعطيتنيه لتمكر بي‏.‏ 
ثم بكى حتى رحمه من كان عنده‏.‏ 
ثم قال لعبد الرحمن بن عوف‏:‏ أقسمت عليك لما بعته ثم قسمته قبل أن تمسي‏.‏ 
وذكر سيف بن عمر التميمي‏:‏ أن عمر حين ملك تلك الملابس والجواهر جيء بسيف كسرى ومعه عدة سيوف منها سيف النعمان بن المنذر نائب كسرى على الحيرة‏.‏ 
وأن عمر قال‏:‏ الحمد الله الذي جعل سيف كسرى فيما يضره ولا ينفعه‏.‏ 
ثم قال‏:‏ إن قوماً أدوا هذا لأمناء، أو لذوا أمانة‏.‏ 
ثم قال‏:‏ إن كسرى لم يزد على أن تشاغل بما أوتي عن آخرته فجمع لزوج امرأته، أو زوج ابنته، ولم يقدم لنفسه، ولو قدم لنفسه ووضع الفضول في مواضعها لحصل له‏.‏ 
وقد قال بعض المسلمين وهو أبو نجيد نافع بن الأسود في ذلك‏:‏ 
وأملنا على المدائن خيلاً * بحرها مثل برِّهنّ أريضا 
فانتشلنا خزائن المرء كسرى * يوم ولوا وحاص منا جريضا 
  وقعة جلولاء 
لما سار كسرى، وهو‏:‏ يزدجرد بن شهريار من المدائن هارباً إلى حلوان، شرع في أثناء الطريق في جمع رجال وأعوان وجنود، من البلدان التي هناك، فاجتمع إليه خلق كثير، وجم غفير من الفرس، وأمر على الجميع مهران، وسار كسرى إلى حلوان فأقام الجمع الذي جمعه بينه وبين المسلمين في جلولاء، واحتفروا خندقاً عظيماً حولها، وأقاموا بها في العَدد والعُدد وآلات الحصار، فكتب سعد إلى عمر يخبره بذلك‏.‏ 
فكتب إليه عمر أن يقيم هو بالمدائن، ويبعث ابن أخيه هاشم بن عتبة أميراً على الجيش الذي يبعثه إلى كسرى، ويكون على المقدمة القعقاع بن عمرو، وعلى الميمنة سعد بن مالك، وعلى الميسرة أخوه عمر بن مالك، وعلى الساقة عمرو بن مرة الجهني‏.‏ 
‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 80‏)‏ 
ففعل سعد ذلك وبعث مع ابن أخيه جيشاً كثيفاً يقارب اثني عشر ألفاً من سادات المسلمين ووجوه المهاجرين والأنصار، ورءوس العرب‏.‏ 
وذلك في صفر من هذه السنة بعد فراغهم من أمر المدائن، فساروا حتى انتهوا إلى المجوس وهم بجلولاء قد خندقوا عليهم، فحاصرهم هاشم بن عتبة، وكانوا يخرجون من بلدهم للقتال في كل وقت فيقاتلون قتالاً لم يسمع بمثله‏.‏ 
وجعل كسرى يبعث إليهم الأمداد، وكذلك سعد يبعث المدد إلى ابن أخيه مرة بعد أخرى، وحمي القتال واشتد النزال، واضطرمت نار الحرب، وقام في الناس هاشم فخطبهم غير مرة، فحرضهم على القتال والتوكل على الله‏.‏ 
وقد تعاقدت الفرس وتعاهدت وحلفوا بالنار أن لا يفروا أبداً حتى يفنوا العرب‏.‏ 
فلما كان الموقف الأخير وهو يوم الفيصل والفرقان، تواقفوا من أول النهار، فاقتتلوا قتالاً شديداً لم يعهد مثله حتى فني النشاب من الطرفين، وتقصفت الرماح من هؤلاء ومن هؤلاء، وصاروا إلى السيوف والطبرزنيات، وحانت صلاة الظهر فصلى المسلمون إيماءاً، وذهبت فرقة المجوس، وجاءت مكانها أخرى‏.‏ 
فقام القعقاع بن عمرو في المسلمين فقال‏:‏ أهالكم‏؟‏ ما رأيتم أيها المسلمون ‏؟‏ 
قالوا‏:‏ نعم، إنا كالون وهم مريحون‏.‏ 
فقال‏:‏ بل إنا حاملون عليهم ومجدون في طلبهم، حتى يحكم الله بيننا، فاحملوا عليهم حملة رجل واحد حتى نخالطهم، فحمل وحمل الناس‏.‏ 
فأما القعقاع بن عمرو فإنه صمم الحملة في جماعة من الفرسان والأبطال والشجعان، حتى انتهى إلى باب الخندق، وأقبل الليل بظلامه وجالت بقية الأبطال بمن معهم في الناس، وجعلوا يأخذون في التحاجز من أجل إقبال الليل‏.‏ 
وفي الأبطال يومئذ‏:‏ طليحة الأسدي، وعمرو بن معدي كرب الزبيدي، وقيس بن مكشوح، وحجر بن عدي‏.‏ 
ولم يعلموا بما صنعه القعقاع في ظلمة الليل، ولم يشعروا بذلك، لولا مناديه ينادي‏:‏ 
أين أيها المسلمون، هذا أميركم على باب خندقهم‏.‏ 
فلما سمع ذلك المجوس فروا وحمل المسلمون نحو القعقاع بن عمرو، فإذا هو على باب الخندق قد ملكه عليهم، وهربت الفرس كل مهرب، وأخذهم المسلمون من كل وجه، وقعدوا لهم كل مرصد، فقتل منهم في ذلك الموقف مائة ألف حتى جللوا وجه الأرض بالقتلى، فلذلك سميت جلولاء‏.‏ 
وغنموا من الأموال والسلاح والذهب والفضة قريباً مما غنموا من المدائن قبلها‏.‏ 
وبعث هاشم بن عتبة القعقاع بن عمرو في إثر من انهزم منهم وراء كسرى، فساق خلفهم حتى أدرك مهران منهزماً، فقتله القعقاع بن عمرو، وأفلتهم الفيرزان فاستمر منهزماً، وأسر سبايا كثيرة بعث بها إلى هاشم بن عتبة، وغنموا دواب كثيرة جداً‏.‏ 
ثم بعث هاشم بالغنائم والأموال إلى عمه سعد بن أبي وقاص فنفل سعد ذوي النجدة، ثم أمر بقسم ذلك على الغانمين‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 81‏)‏ 
قال الشعبي‏:‏ كان المال المتحصل من وقعه جلولاء ثلاثين ألف ألف، فكان خمسه ستة آلاف ألف‏.‏ 
وقال غيره‏:‏ كان الذي أصاب كل فارس يوم جلولاء نظير ما حصل له يوم المدائن - يعني‏:‏ اثني عشر ألفاً لكل فارس - وقيل‏:‏ أصاب كل فارس تسعة آلاف وتسع دواب‏.‏ 
وكان الذي ولي قسم ذلك بين المسلمين وتحصيله، سلمان الفارسي رضي الله عنه‏.‏ 
ثم بعث بالأخماس من المال والرقيق والدواب مع زياد بن أبي سفيان، وقضاعي بن عمرو، وأبي مقرن الأسود‏.‏ 
فلما قدموا على عمر سأل عمر زياد بن أبي سفيان عن كيفية الوقعة فذكرها له، وكان زياد فصيحاً، فأعجب إيراده لها عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأحب أن يسمع المسلمون م