نه ذلك، فقال‏:‏ أتستطيع أن تخطب الناس بما أخبرتني به ‏؟‏ 
قال‏:‏ نعم يا أمير المؤمنين، إنه ليس أحد على وجه الأرض أهيب عندي منك، فكيف لا أقوى على هذا مع غيرك‏؟‏ 
فقام في الناس فقص عليهم خبر الوقعة، وكم قتلوا، وكم غنموا، بعبارة عظيمة بليغة‏.‏ 
فقال عمر‏:‏ إن هذا لهو الخطيب المصقع - يعني‏:‏ الفصيح - فقال زياد‏:‏ 
إن جندنا أطلقوا بالفعال لساننا‏.‏ 
ثم حلف عمر بن الخطاب أن لا يجن هذا المال الذي جاؤا به سقف حتى يقسمه، فبات عبد الله بن أرقم، وعبد الرحمن بن عوف يحرسانه في المسجد، فلما أصبح جاء عمر في الناس بعد ما صلى الغداة وطلعت الشمس، فأمر فكشف عنه جلابيبه، فلما نظر إلى ياقوته وزبرجده وذهبه الأصفر وفضته البيضاء، بكى عمر‏.‏ 
فقال له عبد الرحمن‏:‏ ما يبكيك يا أمير المؤمنين ‏؟‏‏!‏ فوالله إن هذا لموطن شكر‏.‏ 
فقال عمر‏:‏ والله ما ذاك يبكيني، وتالله ما أعطي الله هذا قوماً إلا تحاسدوا وتباغضوا، ولا تحاسدوا إلا ألقى بأسهم بينهم‏.‏ 
ثم قسمه كما قسم أموال القادسية‏.‏ 
وروى سيف بن عمر، عن شيوخه أنهم قالوا‏:‏ وكان فتح جلولاء في ذي القعدة من سنة ستة عشر، وكان بينه وبين فتح المدائن تسعة أشهر‏.‏ 
وقد تكلم ابن جرير ههنا فيما رواه عن سيف على ما يتعلق بأرض السواد وخراجها، وموضع تحرير ذلك كتاب ‏(‏الأحكام‏)‏‏.‏ 
وقد قال هاشم بن عتبة في يوم جلولاء‏:‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 82‏)‏ 
يوم جلولاء ويم رستم * ويوم زحف الكوفة المقدم 
ويوم عرض الشهر المحرم * وأيام خلت من بينهن صرم 
شيبن أصدغي فهي هرم * مثل ثغام البلد المحرم 
وقال أبو نجيد في ذلك‏:‏ 
ويوم جلولاء الوقيعة أصبحت * كتائبنا تردى بأسد عوابس 
فضضت جموع الفرس ثم أئمتهم * فتباً لأجساد المجوس النجائس 
وأفلتهن الفيرزان بجرعة * ومهران أردت يوم حز القوانس 
أقاموا بدار للمنية موعد * وللترب تحثوها خجوج الروامس 
  ذكر فتح حلوان 
ولما انقضت الوقعة أقام هشام بن عتبة بجلولاء عن أمر عمر بن الخطاب - في كتابه إلى سعد - وتقدم القعقاع بن عمرو إلى حلوان عن أمر عمر أيضاً ليكون ردءاً للمسلمين هنالك، ومرابطاً لكسرى حيث هرب، فسار كما قدمنا‏.‏ 
وأدرك أمير الوقعة وهو مهران الرازي فقتله وهرب الفيرزان، فلما وصل إلى كسرى وأخبره بما كان من أمر جلولاء، وما جرى على الفرس بعده، وكيف قتل منهم مائة ألف، وأدرك مهران فقتل، هرب عند ذلك كسرى من حلوان إلى الري، واستناب على حلوان أميراً يقال له‏:‏ خسروشنوم‏.‏ 
فتقدم إليه القعقاع بن عمرو، وبزر إليه خسروشنوم إلى مكان خارج حلوان، فاقتتلوا قتالاً شديداً، ثم فتح الله ونصر المسلمين، وانهزم خسروشنوم، وساق القعقاع إلى حلوان فتسلمها‏.‏ 
ودخلها المسلمون فغنموا وسبوا، وأقاموا في الإسلام فأبوا إلا الجزية، فلم يزل القعقاع بها حتى تحول سعد من المدائن بها، وضربوا الجزية على من حولها من الكور والأقاليم بعد ما دعوا إلى الدخول، فسار إليها كما سنذكره إن شاء الله تعالى‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/83‏)‏ 
  فتح تكريت والموصل 
لما افتتح سعد المدائن، بلغه أن أهل الموصل قد اجتمعوا بتكريت على رجل من الكفرة يقال له‏:‏ الأنطاق‏.‏ 
فكتب إلى عمر بأمر جلولاء واجتماع الفرس بها، وبأمر أهل الموصل، فتقدم ما ذكرناه من كتاب عمر في أهل جلولاء وما كان من أمرها‏.‏ 
وكتب عمر في قضية أهل الموصل الذين قد اجتمعوا بتكريت على الأنطاق، أن يعين جيشاً لحربهم، ويؤمر عليه عبد الله بن المعتم، وأن يجعل على مقدمته ربعي بن الأفكل الغزي، وعلى الميمنة الحارث بن حسان الذهلي، وعلى الميسرة فرات بن حيان العجلي، وعلى الساقة هانئ بن قيس، وعلى الخيل عرفجة بن هرثمة‏.‏ 
ففصل عبد الله بن المعتم في خمسة آلاف من المدائن، فسار في أربع حتى نزل بتكريت على الأنطاق، وقد اجتمع إليه جماعة من الروم، ومن الشهارجة، ومن نصارى العرب من إياد وتغلب والنمر، وقد أحدقوا بتكريت، فحاصرهم عبد الله بن المعتم أربعين يوماً، وزاحفوه في هذه المدة أربعة وعشرين مرة، ما من مرة إلا وينتصر عليهم، ويفل جموعهم، فضعف جانبهم؛ وعزمت الروم على الذهاب في السفن بأموالهم، وراسل عبد الله بن المعتم إلى من هنالك من الأعراب، فدعاهم إلى الدخول معه في النصرة، على أهل البلد، فجاءت القصاد إليه عنهم بالإجابة إلى ذلك‏.‏ 
فأرسل إليهم‏:‏ إن كنتم صادقين فيما قلتم فاشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأقروا بما جاء من عند الله‏.‏ 
فرجعت القصاد إليه‏:‏ بأنهم قد أسلموا‏.‏ 
فبعث إليهم‏:‏ إن كنتم صادقين، فإذا كبرنا وحملنا على البلد الليلة فأمسكوا علينا أبواب السفن، وأمنعوهم أن يركبوا فيها، واقتلوا منهم من قدرتم على قتله‏.‏ 
ثم شد عبد الله وأصحابه، وكبروا تكبيرة رجل واحد، وحملوا على البلد، فكبرت الأعراب من الناحية الأخرى، فحار أهل البلد، وأخذوا في الخروج من الأبواب التي تلي دجلة، فتلقتهم إياد والنمر وتغلب، فقتلوهم قتلاً ذريعاً، وجاء عبد الله بن المعتم بأصحابه من الأبواب الأُخر، فقتل جميع أهل البلد عن بكرة أبيهم‏.‏ 
ولم يسلم إلا من أسلم من الأعراب من إياد وتغلب والنمر، وقد كان عمر عهد في كتابه إذا نصروا على تكريت أن يبعثوا ربعي بن الأفكل إلى الحصنين، وهي الموصل سريعاً، فسار إليها كما أمر عمر، ومعه سرية كثيرة، وجماعة من الأبطال، فسار إليها حتى فجئها قبل وصول الأخبار إليها، فما كان إلا أن واقفها حتى أجابوا إلى الصلح فضربت عليهم الذمة عن يد وهم صاغرون، ثم قسمت الأموال التي تحصلت من تكريت، فبلغ سهم الفارس ثلاثة آلاف، وسهم الراجل ألف درهم‏.‏ 
وبعثوا بالأخماس مع فرات بن حيان، وبالفتح مع الحارث بن حسان، وولي إمرة حرب الموصل ربعي بن الأفكل، وولي الخراج بها عرفجة بن هرثمة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 84‏)‏ 
  فتح ماسبذان من أرض العراق 
لما رجع هاشم بن عتبة من جلولاء إلى عمر بالمدائن، بلغ سعداً أن آذين بن الهرمزان قد جمع طائفة من الفرس، فكتب إلى عمر في ذلك‏.‏ 
فكتب إليه‏:‏ أن ابعث جيشاً، وأمر عليهم ضرار بن الخطاب‏.‏ 
فخرج ضرار في جيش من المدائن، وعلى مقدمته ابن الهزيل الأسدي، فتقدم ابن الهزيل بين يدي الجيش، فالتقى مع آذين وأصحابه قبل وصول ضرار إليه، فكسر ابن الهزيل طائفة الفرس، وأسر آذين بن الهرمزان، وفر عنه أصحابه، وأمر ابن الهزيل فضرب عنق آذين بين يديه، وساق وراءه المنهزمين حتى انتهى إلى ماسبذان - وهي مدينة كبيرة - فأخذها عنوة، وهرب أهلها في رءوس الجبال والشعاب، فدعاهم فاستجابوا له، وضرب على من لم يسلم الجزية، وأقام نائباً عليها حتى تحول سعد من المدائن إلى الكوفة كما سيأتي‏.‏ 
  فتح قرقيسيا وهيت في هذه السنة 
قال ابن جرير وغيره‏:‏ لما رجع هاشم من جلولاء إلى المدائن، وكان أهل الجزيرة قد أمدوا أهل حمص على قتال أبي عبيدة وخالد - لما كان هرقل بقنسرين - واجتمع أهل الجزيرة في مدينة هيت‏.‏ 
كتب سعد إلى عمر في ذلك، فكتب إليه‏:‏ أن يبعث إليهم جيشاً، وأن يؤمر عليهم عمر بن مالك بن عتبة بن نوفل بن عبد مناف، فسار فيمن معه من المسلمين إلى هيت، فوجدهم قد خندقوا عليهم، فحاصرهم حيناً، فلم يظفر بهم‏.‏ 
فسار في طائفة من أصحابه، واستخلف على محاصرة هيت الحارث بن يزيد، فراح عمر بن مالك إلى قرقيسيا فأخذها عنوة، وأنابوا إلى بذل الجزية، وكتب إلى نائبه على هيت‏:‏ إن لم يصالحوا أن يحفر من وراء خندقهم خندقاً، ويجعل له أبواباً من ناحيته‏.‏ 
فلما بلغهم ذلك أنابوا إلى المصالحة‏.‏ 
قال شيخنا أبو عبد الله الحافظ الذهبي‏:‏ وفي هذه السنة بعث أبو عبيدة عمرو بن العاص بعد فراغه من اليرموك إلى قنسرين، فصالح أهل حلب، ومنبج، وأنطاكية، على الجزية، وفتح سائر بلاد قنسرين عنوة، قال‏:‏ 
وفيها افتتحت سروج والرها على يدي عياض بن غنم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 85‏)‏ 
قال‏:‏ وفيها فيما ذكر ابن الكلبي‏:‏ سار أبو عبيدة وعلى مقدمته خالد بن الوليد، فحاصر إيليا فسألوا الصلح على أن يقدم عمر فيصالحهم على ذلك، فكتب أبو عبيدة إلى عمر فقدم حتى صالحهم، وأقام أياماً ثم رجع إلى المدينة‏.‏ 
قلت‏:‏ قد تقدم هذا فيما قبل هذه السنة والله أعلم‏.‏ 
قال الواقدي‏:‏ وفي هذه السنة حمى عمر الربذة بخيل المسلمين‏.‏ 
وفيها‏:‏ غرب عمر أبا محجن الثقفي إلى باضع‏.‏ 
وفيها‏:‏ تزوج عبد الله بن عمر صفية بنت أبي عبيد‏.‏ 
قلت‏:‏ الذي قتل يوم الجسر، وكان أمير السرية، وهي‏:‏ أخت المختار بن أبي عبيد، أمير العراق فيما بعد، وكانت امرأة صالحة، وكان أخوها فاجراً وكافراً أيضاً‏.‏ 
قال الواقدي‏:‏ وفيها حج عمر بالناس، واستخلف على المدينة زيد بن ثابت‏.‏ 
قال‏:‏ وكان نائبه على مكة عتاب، وعلى الشام أبو عبيدة، وعلى العراق سعد، وعلى الطائف عثمان بن أبي العاص، وعلى اليمن يعلى بن أمية، وعلى اليمامة والبحرين العلاء بن الحضرمي، وعلى عُمان حذيفة بن محصن، وعلى البصرة المغيرة بن شعبة، وعلى الموصل ربعي الأفكل، وعلى الجزيرة عياض بن غنم الأشعري‏.‏ 
قال الواقدي‏:‏ وفي ربيع الأول من هذه السنة - أعني‏:‏ سنة ست عشرة - كتب عمر بن الخطاب التاريخ، وهو أول من كتبه‏.‏ 
قلت‏:‏ قد ذكرنا سببه في سيرة عمر، وذلك‏:‏ أنه رفع إلى عمر صك مكتوب لرجل على آخر بدين يحل عليه في شعبان، فقال‏:‏ أي شعبان‏؟‏ أَمِنْ هذه السنة أم التي قبلها أم التي بعدها ‏؟‏‏.‏ 
ثم جمع الناس فقال‏:‏ ضعوا للناس شيئاً يعرفون فيه حلول ديونهم‏.‏ 
فيقال‏:‏ أنهم أراد بعضهم أن يؤرخوا كما تؤرخ الفرس بملوكهم، كلما هلك ملك أرخوا من تاريخ ولاية الذي بعده، فكرهوا ذلك‏.‏ 
ومنهم من قال‏:‏ أرخوا بتاريخ الروم من زمان إسكندر، فكرهوا ذلك، ولطوله أيضاً‏.‏ 
وقال قائلون‏:‏ أرخوا من مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ 
وقال آخرون‏:‏ من مبعثه عليه السلام‏.‏ 
وأشار علي بن أبي طالب وآخرون‏:‏ أن يؤرخ من هجرته من مكة إلى المدينة لظهوره لكل أحد، فإنه أظهر من المولد والمبعث‏.‏ 
فاستحسن ذلك عمر والصحابة، فأمر عمر أن يؤرخ من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرخوا من أول تلك السنة من محرمها‏.‏ 
وعند مالك رحمه الله فيما حكاه عن السهيلي وغيره‏:‏ أن أول السنة من ربيع الأول لقدومه عليه السلام إلى المدينة‏.‏ 
والجمهور‏:‏ على أن أول السنة من المحرم، لأنه أضبط لئلا تختلف الشهور، فإن المحرم أول السنة الهلالية العربية‏.‏ 
وفي هذه السنة - أعني‏:‏ سنة ست عشرة - توفيت مارية أم إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك في المحرم منها، فيما ذكره الواقدي وابن جرير وغير واحد‏.‏ 
وصلى عليها عمر بن الخطاب، وكان يجمع الناس لشهود جنازتها، ودفنت بالبقيع رضي الله عنها وأرضاها، وهي‏:‏ مارية القبطية أهداها صاحب الإسكندرية، -وهو جريج بن مينا - في جملة تحف وهدايا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقبل ذلك منه، وكان معها أختها شيرين التي وهبها رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت، فولدت له ابنه عبد الرحمن بن حسان‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 86‏)‏ 
ويقال‏:‏ أهدى المقوقس معهما جاريتين أخرتين، فيحتمل أنهما كانتا خادمتين لمارية وشيرين‏.‏ 
وأهدى معهن غلاماً خصياً اسمه‏:‏ مابور، وأهدى مع ذلك بغلة شهباء اسمها‏:‏ الدلدل، وأهدى حلة حرير من عمل الإسكندرية‏.‏ 
وكان قدوم هذه الهدية في سنة ثمان‏.‏ 
فحملت مارية من رسول الله صلى الله عليه وسلم بإبراهيم عليه السلام، فعاش عشرين شهراً، ومات قبل أبيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنة سواء‏.‏ 
وقد حزن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبكى عليه، وقال‏:‏ ‏(‏‏(‏تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون‏)‏‏)‏‏.‏ وقد تقدم ذلك في سنة عشر‏.‏ 
وكانت مارية هذه من الصالحات الخيرات الحسان، وقد حظيت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعجب بها، وكانت جميلة ملاحة أي‏:‏ حلوة، وهي تشابه هاجر سرية الخليل، فإن كلاً منهما من ديار مصر، وتسراها نبي كريم، وخليل جليل عليهما السلام‏.‏ 
  ثم دخلت سنة سبع عشرة 
في المحرم منها انتقل سعد بن أبي وقاص من المدائن إلى الكوفة، وذلك أن الصحابة استوخموا المدائن، وتغيرت ألوانهم وضعفت أبدانهم، لكثرة ذبابها وغبارها، فكتب سعد إلى عمر في ذلك‏.‏ 
فكتب عمر‏:‏ أن العرب لا تصلح إلا حيث يوافق إبلها،‏.‏ فب