عث سعد حذيفة وسلمان بن زياد يرتادان للمسلمين منزلاً مناسباً يصلح لإقامتهم‏.‏ 
فمرا على أرض الكوفة وهي حصباء في رملة حمراء فأعجبتهما، ووجد هنالك ديرات ثلاث‏:‏ دير حرقة بنت النعمان، ودير أم عمرو، ودير سلسلة‏.‏ 
وبين ذلك خصاص خلال هذه الكوفة فنزلا فصليا هنالك، وقال كل واحد منهما‏:‏ اللهم رب السماء وما أظلت، ورب الأرض وما أقلت، ورب الريح وما ذرت، والنجوم وما هوت، والبحار وما جرت، والشياطين وما أضلت والخصاص وما أجنت، بارك لنا في هذه الكوفة، واجعلها منزل ثبات‏.‏ 
ثم كتبا إلى سعد بالخبر، فأمر سعد باختطاط الكوفة، وسار إليها في أول هذه السنة في محرمها، فكان أول بناء وضع فيها المسجد‏.‏ 
وأمر سعد رجلاً رامياً شديد الرمي، فرمى من المسجد إلى الأربع جهات، فحيث سقط سهمه بنى الناس منازلهم، وعمر قصراً تلقاء محراب المسجد للإمارة، وبيت المال، فكان أول ما بنوا المنازل بالقصب، فاحترقت في أثناء السنة، فبنوها باللبن عن أمر عمر، بشرط أن لا يسرفوا ولا يجاوزوا الحد‏.‏ 
وبعث سعد إلى الأمراء والقبائل، فقدموا عليه فأنزلهم الكوفة، وأمر سعد أبا هياج الموكل بإنزال الناس فيها أن يعمروا ويدعوا للطريق المنهج وسع أربعين ذراعاً‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/87‏)‏ 
ولما دون ذلك ثلاثين وعشرين ذراعاً، وللأزقة سبعة أذرع‏.‏ 
وبنى لسعد قصر قريب من السوق، فكانت غوغاء الناس تمنع سعداً من الحديث، فكان يغلق بابه، ويقول‏:‏ سكِّنْ الصويت‏.‏ 
فلما بلغت هذه الكلمة عمر بن الخطاب بعث محمد بن مسلمة فأمره إذا انتهى إلى الكوفة أن يقدح زناده، ويجمع حطباً، ويحرق باب القصر، ثم يرجع من فوره‏.‏ 
فلما انتهى إلى الكوفة فعل ما أمره به عمر، وأمر سعداً أن لا يغلق بابه عن الناس، ولا يجعل على بابه أحداً يمنع الناس عنه، فامتثل ذلك سعد، وعرض على محمد بن مسلمة شيئاً من المال، فامتنع من قبوله ورجع إلى المدينة، واستمر سعد بعد ذلك في الكوفة ثلاث سنين ونصف، حتى عزله عنها عمر من غير عجز ولا خيانة‏.‏ 
  أبو عبيدة وحصر الروم له بحمص وقدوم عمر إلى الشام 
وذلك أن جمعاً من الروم عزموا على حصار أبي عبيدة بحمص، واستجاشوا بأهل الجزيرة وخلق ممن هنالك، وقصدوا أبا عبيدة‏.‏ 
فبعث أبو عبيدة إلى خالد، فقدم عليه من قنسرين، وكتب إلى عمر بذلك، واستشار أبو عبيدة المسلمين في أن يناجز الروم أو يتحصن بالبلد حتى يجيء أمر عمر‏؟‏ فكلهم أشار بالتحصن إلا خالداً فإنه أشار بمناجزتهم فعصاه وأطاعهم، وتحصن بحمص وأحاط به الروم، وكل بلد من بلدان الشام مشغول أهله عنه بأمرهم، ولو تركوا ما هم فيه، وأقبلوا إلى حمص لا نخرم النظام في الشام كله‏.‏ 
وكتب عمر إلى سعد‏:‏ أن يندب الناس مع القعقاع بن عمرو، ويسيرهم إلى حمص من يوم يقدم عليه الكتاب، نجدة لأبي عبيدة فإنه محصور، وكتب إليه‏:‏ أن يجهز جيشاً إلى أهل الجزيرة الذين مالأوا الروم على حصار أبي عبيدة، ويكون أمير الجيش إلى الجزيرة عياض بن غنم‏.‏ 
فخرج الجيشان معاً من الكوفة، القعقاع في أربعة آلاف نحو حمص لنجدة أبي عبيدة‏.‏ 
وخرج عمر بنفسه من المدينة لينصر أبا عبيدة، فبلغ الجابية، وقيل‏:‏ إنما بلغ سرع‏.‏ 
قاله ابن إسحاق وهو أشبه والله أعلم‏.‏ 
فلما بلغ أهل الجزيرة الذين مع الروم على حمص أن الجيش قد طرق بلادهم انشمروا إلى بلادهم، وفارقوا الروم، وسمعت الروم بقدوم أمير المؤمنين عمر لينصر نائبه عليهم فضعف جانبهم جداً، وأشار خالد على أبي عبيدة بأن يبرز إليهم ليقاتلهم، ففعل ذلك أبو عبيدة، ففتح الله عليه ونصره، وهزمت الروم هزيمة فظيعة‏.‏ 
وذلك قبل ورود عمر عليهم، وقبل وصول الأمداد إليهم بثلاث ليال‏.‏ 
فكتب أبو عبيدة إلى عمر وهو بالجابية يخبره بالفتح، وأن المدد وصل إليهم بعد ثلاث ليال، وسأله هل يدخلهم في القسم معهم مما أفاء الله عليهم‏؟‏ فجاء الجواب بأن يدخلهم معهم في الغنيمة، فإن العدو إنما يضعف وإنما انشمر عنه المدد من خوفهم منهم، فأشركهم أبو عبيدة في الغنيمة‏.‏ 
وقال عمر‏:‏ جزى الله أهل الكوفة خيراً، يحمون حوزتهم، ويمدون أهل الأمصار‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 88‏)‏ 
  فتح الجزيرة 
قال ابن جرير‏:‏ وفي هذه السنة‏:‏ فتحت الجزائر فيما قاله سيف بن عمر‏.‏ 
قال ابن جرير‏:‏ في ذي الحجة من سنة سبع عشرة، فوافق سيف بن عمر في كونها في هذه السنة‏.‏ 
وقال ابن إسحاق‏:‏ كان ذلك في سنة تسع عشرة، سار إليها عياض بن غنم، وفي صحبته أبو موسى الأشعري، وعمر بن سعد بن أبي وقاص، وهو غلام صغير السن ليس إليه من الأمر شيء، وعثمان بن أبي العاص، فنزل الرها فصالحه أهلها على الجزية، وصالحت حران على ذلك‏.‏ 
ثم بعث أبا موسى الأشعري إلى نصيبين، وعمر بن سعد إلى رأس العين، وسار بنفسه إلى داراً، فافتتحت هذه البلدان، وبعث عثمان بن أبي العاص إلى أرمينية، فكان عندها شيء من قتال، قتل فيه صفوان بن المعطل السلمي شهيداً‏.‏ 
ثم صالحهم عثمان بن أبي العاص على الجزية على كل أهل بيت دينار‏.‏ 
وقال سيف في روايته‏:‏ جاء عبد الله بن عبد الله بن غسان، فسلك على رجليه حتى انتهى إلى الموصل، فعبر إلى بلد حتى انتهى إلى نصيبين، فلقوه بالصلح وصنعوا كما صنع أهل الرقة‏.‏ 
وبعث إلى عمر برؤوس النصارى من عرب أهل الجزيرة‏.‏ 
فقال لهم عمر‏:‏ أدوا الجزية‏.‏ 
فقالوا‏:‏ أبلغنا مامننا، فوالله لئن وضعت علينا الجزية لندخلن أرض الروم، والله لتفضحنا من بين العرب‏.‏ 
فقال لهم‏:‏ أنتم فضحتم أنفسكم، وخالفتم أمتكم، ووالله لتؤدن الجزية وأنتم صغرة قمئة، ولئن هربتم إلى الروم لأكتبن فيكم، ثم لأسبينكم‏.‏ 
قالوا‏:‏ فخذ منا شيئاً ولا تسميه جزية‏.‏ 
فقال‏:‏ أما نحن فنسميه جزية، وأما أنتم فسموه ما شئتم‏.‏ 
فقال له علي بن أبي طالب‏:‏ ألم يضعف عليهم سعد الصدقة ‏؟‏‏.‏ 
قال‏:‏ بلى؛ وأصغى إليه ورضي به منهم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 89‏)‏ 
قال ابن جرير‏:‏ وفي هذه السنة‏:‏ قدم عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى الشام، فوصل إلى سَرْع في قول محمد بن إسحاق‏.‏ 
وقال سيف‏:‏ وصل إلى الجابية‏.‏ 
قلت‏:‏ والأشهر أنه وصل سرع، وقد تلقاه أمراء الأجناد‏:‏ أبو عبيدة، ويزيد بن أبي سفيان، وخالد بن الوليد إلى سرع، فأخبروه أن الوباء قد وقع في الشام، فاستشار عمر المهاجرين والأنصار فاختلفوا عليه، فمن قائل يقول‏:‏ أنت قد جئت لأمر فلا ترجع عنه، ومن قائل يقول‏:‏ لا نرى أن تقدم بوجوه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا الوباء‏.‏ 
فيقال‏:‏ أن عمر أمر الناس بالرجوع من الغد‏.‏ 
فقال أبو عبيدة‏:‏ أفراراً من قدر الله ‏؟‏‏.‏ 
قال‏:‏ نعم‏!‏ نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو هبطت وادياً ذا عدوتين، إحداهما‏:‏ مخصبة، والأخرى‏:‏ مجدبة، فإن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن أنت رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله ‏؟‏ 
ثم قال‏:‏ لو غيرك يقولها يا أبا عبيدة‏.‏ 
قال ابن إسحاق في روايته وهو في صحيح البخاري‏:‏ وكان عبد الرحمن بن عوف متغيباً في بعض شأنه، فلما قدم قال‏:‏ إن عندي من ذلك عِلماً، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏إذا سمعتم به بأرض قومٍ فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا فراراً منه‏)‏‏)‏‏.‏ 
فحمد الله عمر - يعني لكونه وافق رأيه - ورجع بالناس‏.‏ 
وقال الإمام أحمد‏:‏ ثنا وكيع، ثنا سفيان بن حسين بن أبي ثابت، عن إبراهيم بن سعد، عن سعد بن مالك بن أبي وقاص وخزيمة بن ثابت وأسامة بن زيد قالوا‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ 
‏(‏‏(‏إن هذا الطاعون رجزٌ وبقية عذاب عذب به قوم قبلكم، فإذا وقع بأرض أنتم فيها فلا تخرجوا منها فراراً منه، وإذا سمعتم به بأرض فلا تدخلوا عليه‏)‏‏)‏‏.‏ 
ورواه الإمام أحمد أيضاً من حديث سعيد بن المسيب، ويحيى بن سعيد، عن سعد بن أبي وقاص به‏.‏ 
قال سيف بن عمر‏:‏ كان الوباء قد وقع بالشام في المحرم من هذه السنة ثم ارتفع، وكان سيفاً يعتقد أن هذا الوباء هو طاعون عمواس الذي هلك فيه خلق من الأمراء، ووجوه المسلمين، وليس الأمر كما زعم؛ بل طاعون عمواس من السنة المستقبلة بعد هذه، كما سنبينه إن شاء الله تعالى‏.‏ 
وذكر سيف بن عمر‏:‏ أن أمير المؤمنين عمر كان قد عزم على أن يطوف البلدان، ويزور الأمراء، وينظر فيما اعتمدوه، وما آثروا من الخير، فاختلف عليه الصحابة، فمن قائل يقول‏:‏ ابدأ بالعراق، ومن قائل يقول‏:‏ بالشام‏.‏ 
فعزم عمر على قدوم الشام لأجل قسم مواريث من مات من المسلمين في طاعون عمواس، فإنه أشكل قسمها على المسلمين بالشام، فعزم على ذلك وهذا يقتضي أن عمر عزم على قدوم الشام بعد طاعون عمواس، وقد كان الطاعون في سنة ثماني عشرة كما سيأتي، فهو قدوم آخر غير قدوم سرع‏.‏ والله أعلم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 90‏)‏ 
قال سيف‏:‏ عن أبي عثمان وأبي حارثة والربيع بن النعمان قالوا‏:‏ قال عمر‏:‏ ضاعت مواريث الناس بالشام أبدأ بها فأقسم المواريث، وأقيم لهم ما في نفسي، ثم أرجع فأتقلب في البلاد، وأنبذ إليهم أمري‏.‏ 
قالوا‏:‏ فأتى عمر الشام أربع مرات، مرتين في سنة ست عشرة، ومرتين في سنة سبع عشرة، ولم يدخلها في الأولى من الأخريين‏.‏ 
وهذا يقتضي ما ذكرناه عن سيف أنه يقول‏:‏ بكون طاعون عمواس في سنة سبع عشرة‏.‏ 
وقد خالفه محمد بن إسحاق وأبو معشر وغير واحد، فذهبوا إلى‏:‏ أنه كان في سنة ثماني عشرة‏.‏ 
وفيه توفي أبو عبيدة، ومعاذ، ويزيد بن أبي سفيان، وغيرهم من الأعيان على ما سيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى‏.‏ 
  شيء من أخبار طاعون عمواس 
الذي توفي فيه أبو عبيدة ومعاذ ويزيد بن أبي سفيان وغيرهم من أشراف الصحابة وغيرهم‏.‏ 
أورده ابن جرير في هذه السنة‏.‏ 
قال محمد بن إسحاق‏:‏ عن شعبة، عن المختار بن عبد الله البجلي، عن طارق بن شهاب البجلي قال‏:‏ أتينا أبا موسى وهو في داره بالكوفة لنتحدث عنده، فلما جلسنا قال‏:‏ لا تحفوا فقد أصيب في الدار إنسان بهذا السقم، ولا عليكم أن تتنزهوا عن هذه القرية فتخرجوا في فسيح بلادكم ونزهها، حتى يرتفع هذا البلاء، فإني سأخبركم بما يكره مما يتقى‏.‏ 
من ذلك أن يظن من خرج أنه لو قام مات، ويظن من أقام فأصابه ذلك أنه لو خرج لم يصبه، فإذا لم يظن ذلك هذا المرء المسلم فلا عليه أن يخرج وأن يتنزه عنه، إني كنت مع أبي عبيدة بن الجراح بالشام عام طاعون عمواس، فلما اشتعل الوجع وبلغ ذلك عمر كتب إلى أبي عبيدة ليستخرجه منه‏:‏ 
أن سلام عليك، أما بعد‏:‏ فإنه قد عرضت لي إليك حاجة، أريد أن أشافهك بها، فعزمت عليك إذا نظرت في كتاب هذا أن لا تضعه من يدك حتى تقبل إلي‏.‏ 
قال‏:‏ فعرف أبو عبيدة أنه إنما أراد أن يستخرجه من الوباء‏.‏ 
فقال‏:‏ يغفر الله لأمير المؤمنين، ثم كتب إليه يا أمير المؤمنين إني قد عرفت حاجتك إلي، وإني في جند من المسلمين لا أجد بنفسي رغبة عنهم، فلست أريد فراقهم حتى يقضي الله في وفيهم أمره وقضاءه، فخلني من عزمتك يا أمير المؤمنين، ودعني في جندي‏.‏ 
فلما قرأ عمر الكتاب بكى، فقال الناس‏:‏ يا أمير المؤمنين أمات أبو عبيدة‏؟‏ 
قال‏:‏ لا، وكأن قد‏.‏ 
قال‏:‏ ثم كتب إليه‏:‏ سلام عليك، أما بعد فإنك أنزلت الناس أرضاً عميقة، فارفعهم إلى أرض مرتفعة نزهة‏.‏ 
قال أبو موسى‏:‏ فلما أتاه كتابه دعاني‏.‏ 
فقال‏:‏ يا أبا موسى، إن كتاب أمير المؤمنين قد جاءني بما ترى، فاخرج فارتد للناس منزلاً حتى أتبعك بهم، فرجعت إلى منزلي لأرتحل فوجدت صاحبتي قد أصيبت فرجعت إليه وقلت‏:‏ والله لقد كان في أهلي حدث‏.‏ فقال‏:‏ لعل صاحبتك قد أصيبت ‏؟‏‏.‏ 
قلت‏:‏ نعم‏.‏ 
فأمر ببعير فرحل له، فلما وضع رجله في غرزه طعن‏.‏ 
فقال‏:‏ والله لقد أصبت، ثم سار بالناس حتى نزل الجابية ورُفع عن الناس الوباء‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 91‏)‏ 
وقال محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، عن شهر بن حوشب، عن رابة - رجل من قومه -‏:‏ وكان قد خلف على أمه بعد أبيه، وكان قد شهد طاعون عمواس‏.‏ 
قال‏:‏ لما اشتعل الوجع، قام أبو عبيدة في الناس خطيباً فقال‏:‏ أيها الناس، إن هذا الوجع رحمة بكم ودعوة نبيكم وموت الصالحين قبلكم، وإن أبا عبيدة يسأل الله أن يقسم لأبي عبيدة منه حظه، فطعن، فمات‏.‏ 
واستخلف على الناس معاذ بن جبل، فقام خطيباً بعده، فقال‏:‏ أيها الناس، إن هذا الوجع رحمة بكم، ودعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم، وإن معاذ يسأل الله تعالى أن يقسم لآ