ل معاذ منه حظهم، فطعن ابنه عبد الرحمن فمات، ثم قام فدعا لنفسه فطعن في راحته فلقد رأيته ينظر إليها ثم يقلب ظهر كفه، ثم يقول‏:‏ ما أحب أن لي بما فيك شيئاً من الدنيا‏.‏ 
فلما مات استخلف على الناس عمرو بن العاص، فقام فيهم خطيباً، فقال‏:‏ أيها الناس، إن هذا الوجع إذا وقع فإنما يشتعل اشتعال النار، فتحصنوا منه في الجبال‏.‏ 
فقال أبو وائل الهذلي‏:‏ كذبت والله لقد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت شر من حماري هذا‏.‏ 
فقال‏:‏ والله ما أرد عليك ما تقول، وأيم الله لا نقيم عليه‏.‏ 
قال‏:‏ ثم خرج وخرج الناس فتفرقوا، ودفعه الله عنهم‏.‏ 
قال‏:‏ فبلغ ذلك عمر بن الخطاب من رأي عمرو بن العاص فوالله ما كرهه‏.‏ 
قال ابن إسحاق‏:‏ ولما انتهى إلى عمر مصاب أبي عبيدة، ويزيد بن أبي سفيان، أمر معاوية على جند دمشق وخراجها، وأمر شرحبيل بن حسنة على جند الأردن وخراجها‏.‏ 
وقال سيف بن عمر عن شيوخه قالوا‏:‏ لما كان طاعون عمواس وقع مرتين لم ير مثلهما، وطال مكثه، وفني خلق كثير من الناس، حتى طمع العدو، وتخوفت قلوب المسلمين لذلك‏.‏ 
قلت‏:‏ ولهذا قدم عمر بعد ذلك إلى الشام فقسم مواريث الذين ماتوا لما أشكل أمرها على الأمراء، وطابت قلوب الناس بقدومه، وانقمعت الأعداء من كل جانب لمجيئه إلى الشام ولله الحمد والمنة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/92‏)‏ 
وقال سيف بعد ذكره قدوم عمر بعد طاعون عمواس في آخر سنة سبع عشرة، قال‏:‏ فلما أراد القفول إلى المدينة في ذي الحجة منها، خطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال‏:‏ ألا إني قد وليت عليكم وقضيت الذي علي في الذي ولاني الله من أمركم إن شاء الله، فبسطنا بينكم فيأكم ومنازلكم ومغازيكم، وأبلغناكم ما لدينا، فجندنا لكم الجنود، وهيأنا لكم الفروج، وبوأنا لكم ووسعنا عليكم ما بلغ فيؤكم، وما قاتلتم عليه من شامكم، وسمينا لكم أطعماتكم، وأمرنا لكم بأعطياتكم وأرزاقكم ومغانمكم‏.‏ 
فمن علم منكم شيئاً ينبغي العمل به فليعلمنا نعمل به إن شاء الله، ولا قوة إلا بالله‏.‏ 
قال‏:‏ وحضرت الصلاة، فقال الناس‏:‏ لو أمرت بلالاً فأذن‏؟‏ فأمره فأذن، فلم يبق أحد كان أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلال يؤذن إلا بكى حتى بل لحيته، وعمر أشدهم بكاء، وبكى من لم يدركه لبكائهم ولذكره صلى الله عليه وسلم‏.‏ 
وذكر ابن جرير في هذه السنة‏:‏ من طريق سيف بن عمر عن أبي المجالد أن عمر بن الخطاب بعث ينكر على خالد بن الوليد في دخوله إلى الحمام وتدلكه بعد النورة بعصفر معجون بخمر، فقال في كتابه‏:‏ إن الله قد حرم ظاهر الخمر وباطنه، كما حرم ظاهر الإثم وباطنه، وقد حرم مس الخمر فلا تمسوها أجسامكم فإنها نجس، فإن فعلتم فلا تعودوا‏.‏ 
فكتب إليه خالد‏:‏ إنا قتلناها فعادت غسولاً غير خمر‏.‏ 
فكتب إليه عمر‏:‏ إني أظن أن آل المغيرة قد ابتلوا بالجفاء فلا أماتكم الله عليه، فانتهى لذلك‏.‏ 
قال سيف‏:‏ وأصاب أهل البصرة تلك السنة طاعون أيضاً، فمات بشر كثير وجم غفير، رحمهم الله ورضي عنهم أجمعين‏.‏ 
قالوا‏:‏ وخرج الحارث بن هشام في سبعين من أهله إلى الشام، فلم يرجع منهم إلا أربعة‏.‏ 
فقال المهاجر بن خالد في ذلك‏:‏ 
من يسكن الشام يعرس به * والشام إن لم يفننا كارب 
أفنى بني ريطة فرسانهم * عشرون لم يقصص لهم شارب 
ومن بني أعمامهم مثلهم * لمثل هذا يعجب العاجب 
طعناً وطاعوناً مناياهم * ذلك ما خط لنا الكاتب 
  كائنة غريبة فيها عزل خالد عن قنسرين أيضاً 
قال ابن جرير‏:‏ وفي هذه السنة‏:‏ أدرب خالد بن الوليد، وعياض بن غنم، أي‏:‏ سلكا درب الروم، وأغارا عليهم، فغنموا أموالاً عظيمةً، وسبيا كثيراً‏.‏ 
ثم روي من طريق سيف، عن أبي عثمان، وأبي حارثة، والربيع، وأبي المجالد‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/93‏)‏ 
قالوا‏:‏ لما رجع خالد ومعه أموال جزيلة من الصائفة، انتجعه الناس يبتغون وفده ونائله، فكان ممن دخل عليه الأشعث بن قيس، فأجازه بعشرة آلاف‏.‏ 
فلما بلغ ذلك عمر كتب إلى أبي عبيدة‏:‏ يأمره أن يقيم خالداً ويكشف عمامته، وينزع عنه قلنسوته، ويقيده بعمامته، ويسأله عن هذه العشرة آلاف، إن كان أجازها الأشعث من ماله فهو سرف، وإن كان من مال الصائفة فهي خيانة ثم أعزله عن عمله‏.‏ 
فطلب أبو عبيدة خالداً، وصعد أبو عبيدة المنبر، وأقيم خالد بين يدي المنبر، وقام إليه بلال، ففعل ما أمر به عمر بن الخطاب هو والبريد الذي قدم بالكتاب‏.‏ 
هذا وأبو عبيدة ساكت لا يتكلم، ثم نزل أبو عبيدة واعتذر إلى خالد مما كان بغير اختياره وإرادته، فعذره خالد وعرف أنه لا قصد له في ذلك‏.‏ 
ثم سار خالد إلى قنسرين، فخطب أهل البلد وودعهم، وسار بأهله إلى حمص، فخطبهم أيضاً وودعهم، وسار إلى المدينة، فلما دخل خالد على عمر أنشد عمر قول الشاعر‏:‏ 
صنعت فلم يصنع كصنعك صانع * وما يصنع الأقوام فالله صانع 
ثم سأله من أين هذا اليسار الذي تجيز منه بعشرة آلاف‏؟‏ 
فقال‏:‏ من الأنفال والسهمان‏.‏ 
قال‏:‏ فما زاد على الستين ألفاً فلك، ثم قوم أمواله وعروضه، وأخذ منه عشرين ألفاً، ثم قال‏:‏ والله إنك علي لكريم، وإنك إليَّ لحبيب، ولن تعمل لي بعد اليوم على شيء‏.‏ 
وقال سيف، عن عبد الله، عن المستورد، عن أبيه، عن عدي بن سهل قال‏:‏ كتب عمر إلى الأمصار‏:‏ إني لم أعزل خالداً عن سخطة ولا خيانة، ولكن الناس فتنوا به، فأحببت أن يعلموا أن الله هو الصانع‏.‏ 
ثم رواه سيف، عن مبشر، عن سالم قال‏:‏ لما قدم خالد على عمر فذكر مثله‏.‏ 
قال الواقدي‏:‏ وفي هذه السنة اعتمر عمر في رجب منها، وعمَّر في المسجد الحرام، وأمر بتجديد أنصاب الحرم أمر بذلك لمخرمة بن نوفل، وأزهر بن عبد عوف، وحويطب بن عبد العزى، وسعيد بن يربوع‏.‏ 
قال الواقدي‏:‏ وحدثني كثير بن عبد الله المري، عن أبيه، عن جده قال‏:‏ قدم عمر مكة في عمرة سنة سبع عشرة، فمر في الطريق فكلمه أهل المياه أن يبنوا منازل بين مكة والمدينة - ولم يكن قبل ذلك بناء - فأذن لهم وشرط عليهم أن ابن السبيل أحق بالظل والماء‏.‏ 
قال الواقدي‏:‏ وفيها تزوج عمر بأم كلثوم بنت علي بن أبي طالب، من فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخل بها في ذي القعدة‏.‏ 
وقد ذكرنا في سيرة عمر ومسنده صفة تزويجه بها أنه أمهرها أربعين ألفاً، وقال‏:‏ إنما تزوجتها لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏كل سبب ونسب فإنه ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي‏)‏‏)‏‏.‏ 
قال‏:‏ وفي هذه السنة ولى عمر أبا موسى الأشعري البصرة، وأمره أن يشخص إليه المغيرة بن شعبة في ربيع الأول، فشهد عليه فيما حدثني معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب‏:‏ أبو بكرة، وشبل بن معبد البجلي، ونافع بن عبيد، وزياد‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/94‏)‏ 
ثم ذكر الواقدي وسيف هذه القصة وملخصها‏:‏ أن امرأة كان يقال لها أم جميل بنت الأفقم، من نساء بني عامر بن صعصعة، ويقال‏:‏ من نساء بني هلال‏.‏ 
وكان زوجها من ثقيف قد توفي عنها، وكانت تغشى نساء الأمراء والأشراف، وكانت تدخل على بيت المغيرة بن شعبة، وهو أمير البصرة، وكانت دار المغيرة تجاه دار أبي بكرة، وكان بينهما طريق، وفي دار أبي بكرة كوة تشرف على كوة في دار المغيرة، وكان لا يزال بين المغيرة وبين أبي بكرة شنآن‏.‏ 
فبينما أبو بكرة في داره وعنده جماعة يتحدثون في العلية إذ فتحت الريح باب الكوة، فقام أبو بكرة ليغلقها، فإذا كوة المغيرة مفتوحة، وإذا هو على صدر امرأة وبين رجليها، وهو يجامعها‏.‏ 
فقال أبو بكرة لأصحابه‏:‏ تعالوا فانظروا إلى أميركم يزني بأم جميل، فقاموا فنظروا إليه وهو يجامع تلك المرأة‏.‏ 
فقالوا لأبي بكرة‏:‏ ومن أين قلت أنها أم جميل‏؟‏ - وكان رأساهما من الجانب الآخر -‏.‏ 
فقال‏:‏ انتظروا، فلما فرغا قامت المرأة، فقال أبو بكرة‏:‏ هذه أم جميل‏.‏ فعرفوها فيما يظنون‏.‏ 
فلما خرج المغيرة وقد اغتسل ليصلي بالناس منعه أبو بكرة أن يتقدم‏.‏ 
وكتبوا إلى عمر في ذلك، فولى أبا موسى الأشعري أميراً على البصرة‏.‏ 
وعزل المغيرة، فسار إلى البصرة فنزل البرد‏.‏ 
فقال المغيرة‏:‏ والله ما جاء أبو موسى تاجراً ولا زائراً ولا جاء إلا أميراً‏.‏ 
ثم قدم أبو موسى على الناس وناول المغيرة كتاباً من عمر، هو أوجز كتاب فيه‏:‏ 
أما بعد، فإنه بلغني نبأ عظيم، فبعثت أبا موسى أميراً، فسلم ما في يديك والعجل‏.‏ 
وكتب إلى أهل البصرة‏:‏ إني قد وليت عليكم أبا موسى ليأخذ من قويكم لضعيفكم، وليقاتل بكم عدوكم، وليدفع عن دينكم، وليجبي لكم فيأكم، ثم ليقسمه بينكم‏.‏ 
وأهدى المغيرة لأبي موسى جارية من مولدات الطائف تسمى‏:‏ عقيلة، وقال‏:‏ إني رضيتها لك، وكانت فارهة‏.‏ 
وارتحل المغيرة والذين شهدوا عليه، وهم أبو بكرة، ونافع بن كلدة، وزياد بن أمية، وشبل بن معبد البجلي‏.‏ 
فلما قدموا على عمر جمع بينهم وبين المغيرة، فقال المغيرة‏:‏ سل هؤلاء الأعبد كيف رأوني‏؟‏ مستقبلهم أو مستدبرهم‏؟‏ وكيف رأوا المرأة وعرفوها، فإن كانوا مستقبلي فكيف لم يستتروا‏؟‏ أو مستدبري فكيف استحلوا النظر في منزلي على امرأتي‏؟‏ والله ما أتيت إلا امرأتي، وكانت تشبهها‏.‏ 
فبدأ عمر بأبي بكرة فشهد عليه أنه رآه بين رجلي أم جميل وهو يدخله ويخرجه كالميل في المكحلة‏.‏ 
قال‏:‏ كيف رأيتهما‏؟‏ 
قال‏:‏ مستدبرهما‏.‏ 
قال‏:‏ فكيف استبنت رأسها‏؟‏ 
قال‏:‏ تحاملت‏.‏ 
ثم دعا شبل بن معبد فشهد بمثل ذلك‏.‏ 
فقال‏:‏ استقبلتهما أم استدبرتهما‏؟‏ 
قال‏:‏ استقبلتهما‏.‏ 
وشهد نافع بمثل شهادة أبي بكرة، ولم يشهد زياد بمثل شهادتهم‏.‏ 
قال‏:‏ رأيته جالساً بين رجلي امرأة، فرأيت قدمين مخضوبتين يخفقان، وأستين مكشوفتين، وسمعت حفزاناً شديداً‏.‏ 
قال‏:‏ هل رأيت كالميل في المكحلة‏؟‏ 
قال‏:‏ لا‏.‏ 
قال‏:‏ فهل تعرف المرأة‏؟‏ 
قال‏:‏ لا، ولكن أشبهها‏.‏ 
قال‏:‏ فتنح‏.‏ 
وروي‏:‏ أن عمر رضي الله عنه كبر عند ذلك، ثم أمر بثلاث فجلدوا الحد، وهو يقرأ قوله تعالى‏:‏ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 13‏]‏‏.‏ 
فقال المغيرة‏:‏ إشفني من الأعبد‏.‏ 
قال‏:‏ اسكت، اسكت الله فاك، والله لو تمت الشهادة لرجمناك بأحجارك‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/95‏)‏ 
  فتح الأهواز ومناذر ونهر تيري 
قال ابن جرير‏:‏ كان في هذه السنة‏.‏ 
وقيل‏:‏ في سنة ست عشرة‏.‏ 
ثم روي من طريق سيف، عن شيوخه‏:‏ أن الهرمزان كان قد تغلب على هذه الأقاليم، وكان ممن فر يوم القادسية من الفرس، فجهز أبو موسى من البصرة، وعتبة بن غزوان من الكوفة جيشين لقتاله، فنصرهم الله عليه، وأخذوا منه ما بين دجلة إلى دجيل، وغنموا من جيشه ما أرادوا، وقتلوا من أرادوا، ثم صانعهم وطلب مصالحتهم عن بقية بلاده، فشاورا في ذلك عتبة بن غزوان، فصالحه، وبعث بالأخماس والبشارة إلى عمر، وبعث وفداً فيهم الأحنف بن قيس‏.‏ 
فأعجب عمر به، وحظي عنده‏.‏ 
وكتب إلى عتبة يوصيه به، ويأمره بمشاورته والاستعانة برأيه‏.‏ 
ثم نقض الهرمزان العهد والصلح، واستعان بطائفة من الأكراد، وغرته نفسه، وحسن له الشيطان عمله في ذلك‏.‏ 
فبرز إليه المسلمون فنصروا عليه، وقتلوا من جيشه جماً غفيراً، وخلقاً كثيراً، وجمعاً عظيماً، واستلبوا منه ما بيده من الأقاليم والبلدان إلى تستر، فتحصن بها، وبعثوا إلى عمر بذلك‏.‏ 
وقد قال الأسود بن سريع في ذلك، وكان صحابياً رضي الله عنه‏:‏ 
لعمرك ما أضاع بنو أبينا * ولكن حافظوا فيمن يطيعوا 
أطاعوا لربهم وعصاه قوم * أضاعوا أمره فيمن يضيع 
مجوس لا ينهنهها كتاب * فلاقوا كبة فيها قبوع 
وولى الهرمزان على جواد * سريع الشد يثفنه الجميع 
وخلى سرة الأهواز كرهاً * غداة الجسر إذ نجم الربيع 
وقال حرقوص بن زهير السعدي، وكان صحابيا أيضاً‏:‏ 
غلبنا الهرمزان على بلاد * لها في كل ناحية ذخائر 
سواء برهم والبحر فيها * إذا صارت نواحيها بواكر 
لها بجر يعج بجانبيه * جعافر لا يزال لها زواخر 
‏(‏ج/ص‏:‏ 7/96‏)‏ 
  فتح تستُر المرة الأولى صلحاً 
قال ابن جرير‏:‏ كان ذلك في هذه السنة في قول سيف وروايته‏.‏ 
وقال غيره‏:‏ في سنة ست عشرة‏.‏ 
وقال غيره‏:‏ كانت في سنة تسع عشرة‏.‏ 
ثم قال ابن جرير‏:‏ ذكر الخبر عن فتحها، ثم ساق من طريق سيف عن محمد، وطلحة، والمهلب، وعمرو قالوا‏:‏ ولما افتتح حرقوص بن زهير سوق الأهواز، وفر ا