ف ذلك‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 101‏)‏ 
فاستسقى الهرمزان ماء فأتي به في قدح غليظ، فقال‏:‏ لو مت عطشاً لم أستطع أن أشرب في هذا، فأتي به قدح آخر يرضاه، فلما أخذه جعلت يده ترعد، وقال‏:‏ إني أخاف أن أقتل وأنا أشرب ‏؟‏ 
فقال عمر‏:‏ لا بأس عليك حتى تشربه، فأكفأه‏.‏ 
فقال عمر‏:‏ أعيدوه عليه، ولا تجمعوا عليه القتل والعطش‏.‏ 
فقال‏:‏ لا حاجة لي في الماء، إنما أردت أن أستأنس به‏.‏ 
فقال له عمر‏:‏ إني قاتلك‏؟‏ 
فقال‏:‏ إنك أمنتني ‏؟‏ 
قال‏:‏ كذبت‏.‏ 
فقال أنس‏:‏ صدق يا أمير المؤمنين‏.‏ 
فقال عمر‏:‏ ويحك يا أنس، أنا أؤمن من قبل مجزأة والبراء‏؟‏ لتأتيني بمخرج وإلا عاقبتك‏.‏ 
قال قلت‏:‏ لا بأس عليك، حتى تخبرني‏.‏ 
وقلت‏:‏ لأباس عليك حتى تشربه‏.‏ 
وقال له من حوله مثل ذلك‏.‏ 
فأقبل على الهرمزان فقال‏:‏ خدعتني، والله لا أنخدع إلا أن تسلم، فأسلم، ففرض له في ألفين، وأنزله المدينة‏.‏ 
وفي رواية‏:‏ إن الترجمان بين عمر وبين الهرمزان كان المغيرة بن شعبة، فقال له عمر‏:‏ قل له من أي أرض أنت‏؟‏ 
قال‏:‏ مهرجاني‏.‏ 
قال‏:‏ تكلم بحجتك‏.‏ 
فقال‏:‏ أكلام حي أم ميت‏؟‏ 
قال‏:‏ بل كلام حي‏.‏ 
فقال‏:‏ قد أمنتني‏.‏ 
فقال‏:‏ خدعتني ولا أقبل ذلك إلا أن تسلم، فأسلم، ففرض له في ألفين، وأنزله المدينة، ثم جاء زيد فترجم بينهما أيضاً‏.‏ 
قلت‏:‏ وقد حسن إسلام الهرمزان، وكان لا يفارق عمر حتى قتل عمر، فاتهمه بعض الناس بمملأة أبي لؤلؤة هو وجفينة، فقتل عبد الله بن عمر الهرمزان وجفينة على ما سيأتي تفصيله‏.‏ 
وقد روينا‏:‏ أن الهرمزان لما علاه عبيد الله بالسيف قال‏:‏ لا إله إلا الله، وأما جفينه‏:‏ فصلب على وجهه‏.‏ 
والمقصود‏:‏ أن عمر كان يحجر على المسلمين أن يتوسعوا في بلاد العجم خوفاً عليهم من العجم، حتى أشار عليه الأحنف بن قيس بأن المصلحة تقتضي توسعهم في الفتوحات، فإن الملك يزدجرد لا يزال يستحثهم على قتال المسلمين، وإن لم يستأصل شأو العجم، وإلا طمعوا في الإسلام وأهله، فاستحسن عمر ذلك منه وصوبه‏.‏ 
وأذن للمسلمين في التوسع في بلاد العجم، ففتحوا بسبب ذلك شيئاً كثيراً، ولله الحمد‏.‏ 
وأكثر ذلك وقع في سنة ثماني عشرة كما سيأتي بيانه فيها‏.‏ 
ثم نعود إلى فتح السوس، وجندسابور، وفتح نهاوند في قول سيف‏:‏ كان قد تقدم أن أبا سبرة سار بمن معه من علية الأمراء من تستر إلى السوس فنازلها حيناً، وقتل من الفريقين خلق كثير، فأشرف عليه علماء أهلها فقالوا‏:‏ يا معشر المسلمين، لا تتعبوا في حصار هذا البلد، فإنا نأثر فيما نرويه عن قدمائنا من أهل هذا البلد أنه لا يفتحه إلا الدجال، أو قوم معهم الدجال‏.‏ 
واتفق‏:‏ أنه كان في جيش أبي موسى الأشعري صاف بن صياد، فأرسله أبو موسى فيمن يحاصره، فجاء إلى الباب فدقه برجله فتقطعت السلاسل وتكسرت الأغلاق، ودخل المسلمون البلد فقتلوا من وجدوا حتى نادوا بالأمان، ودعوا إلى الصلح فأجابوهم إلى ذلك، وكان على السوس شهريار أخو الهرمزان، فاستحوذ المسلمون على السوس، وهو بلد قديم العمارة في الأرض يقال‏:‏ إنه أول بلد وضع على وجه الأرض‏.‏ والله أعلم‏.‏ 
‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 102‏)‏ 
وذكر ابن جرير‏:‏ أنهم وجدوا قبر دانيال بالسوس، وأن أبا موسى لما قدم بها بعد مضي أبي سبرة إلى جندي سابور، كتب إلى عمر في أمره، فكتب إليه‏:‏ أن يدفنه وأن يغيب عن الناس موضع قبره ففعل‏.‏ 
وقد بسطنا ذلك في سيرة عمر ولله الحمد‏.‏ 
قال ابن جرير‏:‏ وقال بعضهم‏:‏ أن فتح السوس، ورامهز، وتسيير الهرمزان من تستر إلى عمر في سنة عشرين والله أعلم‏.‏ 
وكان الكتاب العمري قد ورد‏:‏ بأن النعمان بن مقرن يذهب إلى أهل نهاوند، فسار إليها فمر بماه - بلدة كبيرة قبلها - فافتتحها، ثم ذهب إلى نهاوند ففتحها، ولله الحمد‏.‏ 
قلت‏:‏ المشهور أن فتح نهاوند إنما وقع في سنة إحدى وعشرين كما سيأتي فيها بيان ذلك، وهي وقعة عظيمة، وفتح كبير، وخبر غريب، ونبأ عجيب‏.‏ 
وفتح زر بن عبد الله الفقيمي مدينة جندي سابور، فاستوثقت تلك البلاد للمسلمين، هذا وقد تحول يزدجرد من بلد إلى بلد حتى انتهى أمره إلى الإقامة بأصبهان، وقد كان صرف طائفة من أشراف أصحابه قريباً من ثلاثمائة من العظماء عليهم رجل يقال له‏:‏ سياه، فكانوا يفرون من المسلمين من بلد إلى بلد حتى فتح المسلمون تستر واصطخر‏.‏ 
فقال سياه لأصحابه‏:‏ إن هؤلاء بعد الشقاء والذلة ملكوا أماكن الملوك الأقدمين، ولا يلقون جنداً إلا كسروه، والله ما هذا عن باطل‏.‏ - ودخل في قلبه الإسلام وعظمته - فقالوا له‏:‏ نحن تبع لك‏.‏ 
وبعث عمار بن ياسر في غضون ذلك يدعوهم إلى الله، فأرسلوا إلى أبي موسى الأشعري بإسلامهم‏.‏ 
وكتب فيهم إلى عمر في ذلك، فأمره أن يفرض لهم في ألفين ألفين، وفرض لستة منهم في ألفين وخمسمائة، وحسن إسلامهم، وكان لهم نكاية عظيمة في قتال قومهم حتى بلغ من أمرهم أنهم حاصروا حصناً فامتنع عليهم، فجاء أحدهم فرمى بنفسه في الليل على باب الحصن، وضمخ ثيابه بدم، فلما نظروا إليه حسبوا أنه منهم، ففتحوا إليه باب الحصن ليأووه، فثار إلى البواب فقتله، وجاء بقية أصحابه ففتحوا ذلك الحصن، وقتلوا من فيه من المجوس‏.‏ 
إلى غير ذلك من الأمور العجيبة، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم‏.‏ 
وذكر ابن جرير‏:‏ أن عمر بن الخطاب عقد الألوية والرايات الكبيرة في بلاد خراسان والعراق لغزو فارس والتوسع في بلادهم، كما أشار عليه بذلك الأحنف بن قيس، فحصل بسبب ذلك فتوحات كثيرة في السنة المستقبلة بعدها كما سنبينه وننبه عليه، ولله الحمد والمنة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 103‏)‏ 
قال‏:‏ وحج بالناس في هذه السنة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ثم ذكر نوابه على البلاد، وهم من ذكر في السنة قبلها غير المغيرة فإن على البصرة بدله أبو موسى الأشعري‏.‏ 
قلت‏:‏ وقد توفي في هذه السنة أقوام، قيل أنهم توفوا قبلها وقد ذكرناهم، وقيل فيما بعدها، وسيأتي ذكرهم في أماكنهم والله تعالى أعلم‏.‏ 
  ثم دخلت سنة ثماني عشرة 
المشهور الذي عليه الجمهور‏:‏ أن طاعون عمواس كان بها، وقد تبعنا قول سيف بن عمر وابن جرير في إيراده ذلك في السنة التي قبلها، لكنا نذكر وفاة من مات في الطاعون في هذه السنة إن شاء الله تعالى‏.‏ 
قال ابن إسحاق، وأبو معشر‏:‏ كان في هذه السنة طاعون عمواس، وعام الرمادة، فتفانى فيهما الناس‏.‏ 
قلت‏:‏ كان في عام الرمادة جدب عم أرض الحجاز، وجاع الناس جوعاً شديداً، وقد بسطنا القول في ذلك في سيرة عمر‏.‏ 
وسميت عام الرمادة‏:‏ لأن الأرض اسودت من قلة المطر، حتى عاد لونها شبيهاً بالرماد‏.‏ 
وقيل‏:‏ لأنها تسفى الريح تراباً كالرماد‏.‏ 
ويمكن أن تكون سميت لكل منها والله أعلم‏.‏ 
وقد أجدبت الناس في هذا السنة بأرض الحجاز، وجفلت الأحياء إلى المدينة، ولم يبق عند أحد منهم زاد، فلجأوا إلى أمير المؤمنين فأنفق فيهم من حواصل بيت المال مما فيه مِن الأطعمة والأموال حتى أنفذه، وألزم نفسه أن لا يأكل سمناً ولا سميناً حتى يكشف ما بالناس، فكان في زمن الخصب يبث له الخبز باللبن والسمن، ثم كان عام الرمادة يبث له بالزيت والخل، وكان يستمرئ الزيت‏.‏ 
وكان لا يشبع مع ذلك، فاسود لون عمر رضي الله عنه وتغير جسمه حتى كاد يخشى عليه من الضعف‏.‏ 
واستمر هذا الحال في الناس تسعة أشهر، ثم تحول الحال إلى الخصب والدعة، وانشمر الناس عن المدينة إلى أماكنهم‏.‏ 
قال الشافعي‏:‏ بلغني أن رجلاً من العرب قال لعمر حين ترحلت الأحياء عن المدينة‏:‏ لقد انجلت عنك، ولأنك لابن حرة‏.‏ أي‏:‏ واسيت الناس، وأنصفتهم، وأحسنت إليهم‏.‏ 
وقد روينا‏:‏ أن عمر عس المدينة ذات ليلة عام الرمادة فلم يجد أحداً يضحك، ولا يتحدث الناس في منازلهم على العادة، ولم ير سائلاً يسأل، فسأل عن سبب ذلك فقيل له‏:‏ يا أمير المؤمنين إن السؤّال سألوا فلم يعطوا فقطعوا السؤال، والناس في همٍّ وضيق، فهم لا يتحدثون ولا يضحكون‏.‏ 
فكتب عمر إلى أبي موسى بالبصرة‏:‏ أن يا غوثاه لأمة محمد‏.‏ 
وكتب إلى عمرو بن العاص بمصر‏:‏ أن يا غوثاه لأمة محمد‏.‏ 
فبعث إليه كل واحد منهما بقافلة عظيمة تحمل البر وسائر الأطعمات، ووصلت ميرة عمرو في البحر إلى جدة، ومن جدة إلى مكة، وهذا الأثر جيد الإسناد، لكن ذكر عمرو بن العاص في عام الرمادة مشكل، فإن مصر لم تكن فتحت في سنة ثماني عشرة، فإما أن يكون عام الرمادة بعد سنة ثماني عشرة، أو يكون ذكر عمرو بن العاص في عام الرمادة وهم‏.‏ والله أعلم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 104‏)‏ 
وذكر سيف عن شيوخه‏:‏ أن أبا عبيدة قدم المدينة ومعه أربعة آلاف راحله تحمل طعاماً، فأمره عمر بتفريقها في الأحياء حول المدينة، فلما فرغ من ذلك أمر له بأربعة آلاف درهم، فأبى أن يقبلها، فلح عليه عمر حتى قبلها‏.‏ 
وقال سيف بن عمرو، عن سهل بن يوسف السلمي، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال‏:‏ كان عام الرمادة في آخر سنة سبع عشرة، وأول سنة ثماني عشرة، أصاب أهل المدينة وما حولها جوع فهلك كثير من الناس، حتى جعلت الوحش تأوي إلى الإنس، فكان الناس بذلك وعمر كالمحصور عن أهل الأمصار حتى أقبل بلال بن الحارث المزني فاستأذن على عمر فقال‏:‏ أنا رسولُ رسول الله إليك، يقول لك رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏لقد عهدتك كيساً، وما زلت على ذلك فما شأنك ‏؟‏‏)‏‏)‏ 
قال‏:‏ متى رأيت هذا‏؟‏ 
قال‏:‏ البارحة، فخرج فنادى في الناس الصلاة جامعة، فصلى بهم ركعتين، ثم قام فقال‏:‏ 
أيها الناس‏:‏ أنشدكم الله هل تعلمون مني أمراً غيره خير منه‏.‏ 
فقالوا‏:‏ اللهم لا‏.‏ 
فقال‏:‏ إن بلال بن الحارث يزعم ذية وذية‏.‏ 
قالوا‏:‏ صدق بلال، فاستغث بالله، ثم بالمسلمين‏.‏ 
فبعث إليهم - وكان عمر عن ذلك محصوراً - فقال عمر‏:‏ الله أكبر، بلغ البلاء مدته فانكشف‏.‏ ما أذن لقوم في الطلب إلا وقد رفع عنهم الأذى والبلاء‏.‏ 
وكتب إلى أمراء الأمصار‏:‏ أن أغيثوا أهل المدينة ومن حولها، فإنه قد بلغ جهدهم‏.‏ 
وأخرج الناس إلى الاستسقاء فخرج وخرج معه العباس بن عبد المطلب ماشياً، فخطب وأوجز وصلى ثم حثى لركبتيه وقال‏:‏ اللهم إياك نعبد وإياك نستعين، اللهم اغفر لنا وارحمنا وأرض عنا‏.‏ 
ثم انصرف فما بلغوا المنازل راجعين حتى خاضوا الغدران‏.‏ 
ثم روى سيف، عن مبشر بن الفضيل، عن جبير بن صخر، عن عاصم بن عمر بن الخطاب‏:‏ أن رجلاً من مزينة عام الرمادة سأله أهله أن يذبح لهم شاة فقال‏:‏ ليس فيهن شيء‏.‏ 
فألحوا عليه فذبح شاة فإذا عظامها حمر فقال‏:‏ يا محمداه‏.‏ 
فلما أمسى أري في المنام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له‏:‏ أبشر بالحياة، إيت عمر فأقره مني السلام، وقل له إن عهدي بك وفيّ العهد شديد العقد، فالكيس الكيس يا عمر‏.‏ 
فجاء حتى أتى باب عمر، فقال لغلامه‏:‏ استأذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ 
فأتى عمر فأخبره ففزع، ثم صعد عمر المنبر فقال للناس‏:‏ أنشدكم الله الذي هداكم للإسلام هل رأيتم مني شيئاً تكرهونه‏؟‏ 
فقالوا‏:‏ اللهم لا‏.‏ وعم ذلك‏؟‏ 
فأخبرهم بقول المزني - وهو بلال بن الحارث - ففطنوا ولم يفطن‏.‏ 
فقالوا‏:‏ إنما استبطأك في الاستسقاء فاستسق بنا‏.‏ 
فنادى في الناس فخطب فأوجز، ثم صلى ركعتين فأوجز، ثم قال‏:‏ اللهم عجزت عنا أنصارنا، وعجز عنا حولنا وقوتنا، وعجزت عن أنفسنا، ولا حول ولا قوة إلا بك، اللهم اسقنا وأحي العباد والبلاد‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 105‏)‏ 
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي‏:‏ أخبرنا أبو نصر بن قتادة، وأبو بكر الفارسي قالا‏:‏ حدثنا أبو عمر بن مطر، حدثنا إبراهيم بن علي الذهلي، حدثنا يحيى بن يحيى، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن مالك قال‏:‏ أصاب الناس قحط في زمن عمر بن الخطاب، فجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ 
فقال‏:‏ يا رسول الله استسق الله لأمتك فإنهم قد هلكوا‏.‏ 
فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقال‏:‏ إيت عمر، فأقرئه مني السلام، وأخبرهم أنه مسقون، وقل له عليك بالكيس الكيس‏.‏ 
فأتى الرجل فأخبر عمر، فقال‏:‏ يا رب ما آلوا إلا ما عجزت عنه‏.‏ 
وهذا إسناد صحيح‏.‏ 
وقال الطبراني‏:‏ حدثنا أبو مسلم الكشي، حدثنا أبو محمد الأنصاري، ثنا أبي، عن ثمامة بن عبد الله بن أنس، عن أنس‏:‏ أن عمر خرج يستسقي، وخرج بالعباس معه يستسقي، يقول‏:‏ اللهم إنا كنا إذ