لله لا تحركنا بعده دابة‏.‏ 
قالوا‏:‏ وبعث عمر إليها فرضها اثني عشر ألفاً فتصدقت به في أقاربها، ثم قالت‏:‏ اللهم لا يدركني عطاء عمر بعد هذا، فماتت في سنة عشرين وصلى عليها عمر‏.‏ وهي أول من صنع لها النعش ودفنت بالبقيع‏.‏ 
صفية بنت عبد المطلب عمة الرسول 
وهي‏:‏ أم الزبير بن العوام، وهي‏:‏ شقيقة حمزة والمقوم وحجل، أمهم هالة بنت وهيب بن عبد مناف بن زهرة‏.‏ 
لا خلاف في إسلامها وقد حضرت يوم أحد ووجدت على أخيها حمزة وجداً كثيراً، وقتلت يوم الخندق رجلاً من اليهود جاء فجعل يطوف بالحصن التي هي فيه، وهو فارع حصن حسان، فقالت لحسان‏:‏ أنزل فاقتله فأبى، فنزلت إليه فقتلته، ثم قالت‏:‏ انزل فاسلبه، فلولا أنه رجل لاستلبته‏.‏ 
فقال‏:‏ لا حاجة لي فيه، وكانت أول امرأة قتلت رجلاً من المشركين، وقد اختلف في إسلام من عداها من عمات النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ 
فقيل‏:‏ أسلمت أروى وعاتكة‏.‏ 
قال ابن الأثير وشيخنا أبو عبد الله الذهبي الحافظ‏:‏ والصحيح‏:‏ أنه لم يسلم منهن غيرها، وقد تزوجت أولاً بالحارث بن حرب بن أمية‏.‏ ثم خلف عليها العوام بن خويلد، فولدت له الزبير، وعبد الكعبة‏.‏ 
وقيل‏:‏ تزوج بها العوام بكراً، والصحيح الأول‏.‏ 
توفيت بالمدينة سنة عشرين عن ثلاث وسبعين سنة، ودفنت بالبقيع رضي الله عنها، وقد ذكر ابن إسحاق، من توفي غيرها‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 120‏)‏ 
عويم بن ساعدة الأنصاري 
شهد العقبتين والمشاهد كلها وهو أول من استنجى بالماء، وفيه نزل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 108‏]‏ وله روايات‏.‏ 
توفي هذه السنة بالمدينة‏:‏ بشر بن عمرو بن حنش يلقب‏:‏ بالجاورد، أسلم في السنة العاشرة، وكان شريفاً مطاعاً في عبد القيس، وهو الذي شهد على قدامة بن مظعون‏:‏ أنه شرب الخمر، فعزله عمر عن اليمن وحده قتل الجاورد شهيداً‏.‏ 
أبو خراشة خويلد بن مرة الهذلي، كان شاعراً مجيداً مخضرماً، أدرك الجاهلية والإسلام وكان إذا جرى سبق الخيل‏.‏ 
لهشته حية فمات بالمدينة‏.‏ 
  ثم دخلت سنة إحدى وعشرين 
  وكانت وقعة نهاوند 
وهي وقعة عظيمة جداً لها شأن رفيع، ونبأ عجيب، وكان المسلمون يسمونها فتح الفتوح‏.‏ 
قال ابن إسحاق والواقدي‏:‏ كانت وقعة نهاوند في سنة إحدى وعشرين‏.‏ 
وقال سيف‏:‏ كانت في سنة سبع عشرة‏.‏ 
وقيل‏:‏ في سنة تسع عشرة والله أعلم‏.‏ 
وإنما ساق أبو جعفر بن جرير قصتها في هذه السنة فتبعناه في ذلك وجمعنا كلام هؤلاء الأئمة في هذا الشأن سياقاً واحداً، حتى دخل سياق بعضهم في بعض‏.‏ 
قال سيف وغيره‏:‏ وكان الذي هاج هذه الوقعة أن المسلمين لما افتتحوا الأهواز ومنعوا جيش العلاء من أيديهم واستولوا على دار الملك القديم من اصطخر مع ما حازوا من دار مملكتهم حديثاً، وهي المدائن، وأخذ تلك المدائن والأقاليم والكور والبلدان الكثيرة، فحموا عند ذلك واستجاشهم يزدجرد الذي تقهقر من بلد إلى بلد حتى صار إلى أصبهان مبعداً طريداً، لكنه في أسرة من قومه وأهله وماله، وكتب إلى ناحية نهاوند وما ولاها من الجبال والبلدان، فتجمعوا وتراسلوا حتى كمل لهم من الجنود ما لم يجتمع لهم قبل ذلك‏.‏ 
فبعث سعد إلى عمر يعلمه بذلك، وثار أهل الكوفة على سعد في غضون هذا الحال، فشكوه في كل شيء حتى قالوا‏:‏ لا يحسن يصلي كان الذي نهض بهذه الشكوى رجل يقال له‏:‏ الجراح بن سنان الأسدي في نفر معه، فلما ذهبوا إلى عمر فشكوه، قال لهم عمر‏:‏ إن الدليل على ما عندكم من الشر نهوضكم في هذا الحال عليه، وهو مستعد لقتال أعداء الله، وقد جمعوا لكم، ومع هذا لا يمنعني أن أنظر في أمركم‏.‏ 
‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 121‏)‏ 
ثم بعث محمد بن مسلمة - وكان رسول العمال - فلما قدم محمد بن مسلمة الكوفة طاف على القبائل والعشائر والمساجد بالكوفة، فكل يثني على سعد خيراً إلا ناحية الجراح بن سنان، فإنهم سكتوا فلم يذموا، ولم يشكروا حتى انتهى إلى بني عبس‏.‏ 
فقام رجل يقال له‏:‏ أبو سعدة أسامة بن قتادة، فقال‏:‏ أما إذ ناشدتنا فإن سعداً لا يقسم بالسوية، ولا يعدل في الرعية، ولا يغزو في السرية‏.‏ 
فدعا عليه سعد فقال‏:‏ اللهم إن كان قالها كذباً ورياءاً وسمعة فأعم بصره، وكثر عياله، وعرضه لمضلات الفتن‏.‏ 
فعمى، واجتمع عنده عشر بنات، وكان يسمع بالمرأة فلا يزال حتى يأتيها فيجسها، فإذا عثر عليه قال‏:‏ دعوة سعد الرجل المبارك‏.‏ 
ثم دعا سعد على الجراح وأصحابه فكل أصابته فارعة في جسده، ومصيبة في ماله بعد ذلك‏.‏ 
واستنفر محمد بن مسلمة أهل الكوفة لغزو أهل نهاوند في غضون ذلك عن أمر عمر بن الخطاب‏.‏ 
ثم سار سعد، ومحمد بن مسلمة، والجراح، وأصحابه حتى جاءوا عمر، فسأله عمر‏:‏ كيف يصلي‏؟‏ 
فأخبره أنه يطول في الأوليين، ويخفف في الأخريين، وما آلوا ما اقتديت به من صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ 
فقال له عمر‏:‏ ذاك الظن بك يا أبا إسحاق‏.‏ 
وقال سعد في هذه القصة‏:‏ لقد أسلمت خامس خمسة، ولقد كنا ومالنا طعام إلا ورق الحبلة حتى تقرحت أشداقنا، وإني لأول رجل رمى بسهم في سبيل الله، ولقد جمع لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبويه وما جمعهما لأحد قبلي، ثم أصبحت بنو أسد يقولون‏:‏ لا يحسن يصلي‏.‏ 
وفي رواية‏:‏ يغرر بي على الإسلام، لقد خبت إذاً ضل عملي‏.‏ 
ثم قال عمر لسعد‏:‏ من استخلفت على الكوفة‏؟‏ 
فقال‏:‏ عبد الله بن عبد الله بن عتبان، فأقره عمر على نيابته الكوفة - وكان شيخاً كبيراً من أشراف الصحابة حليفاً لبني الحبلى من الأنصار - واستمر سعد معزولاً من غير عجز ولا خيانة ويهدد أولئك النفر، وكان يوقع بهم بأساً، ثم ترك ذلك خوفاً من أن لا يشكو أحداً أميراً‏.‏ 
والمقصود‏:‏ أن أهل فارس اجتمعوا من كل فج عميق بأرض نهاوند‏.‏ 
حتى اجتمع منهم مائة ألف وخمسون ألف مقاتل، وعليهم الفيرزان، ويقال‏:‏ بندار، ويقال‏:‏ ذو الحاجب‏.‏ 
وتذامروا فيما بينهم، وقالوا‏:‏ إن محمداً الذي جاء العرب لم يتعرض لبلادنا، ولا أبو بكر الذي قام بعده تعرض لنا في دار ملكنا، وإن عمر بن الخطاب هذا لما طال ملكه انتهك حرمتنا وأخذ بلادنا، ولم يكفه ذلك حتى أغزانا في عقر دارنا، وأخذ بيت المملكة، وليس بمنته حتى يخرجكم من بلادكم‏.‏ 
فتعاهدوا وتعاقدوا على أن يقصدوا البصرة والكوفة ثم يشغلوا عمر عن بلاده، وتواثقوا من أنفسهم وكتبوا بذلك عليهم كتاباً‏.‏ 
فأما كتب سعد بذلك إلى عمر - وكان قد عزل سعداً في غضون ذلك - شافه سعد عمر بما تمالؤا عليه وتصدوا إليه، وأنه قد اجتمع منهم مائة وخمسون ألفاً‏.‏ 
‏(‏ج/ص‏:‏ 7/122‏)‏ 
وجاء كتاب عبد الله بن عبد الله بن عتبان من الكوفة إلى عمر مع قريب بن ظفر العبدي‏:‏ بأنهم قد اجتمعوا وهم منحرفون متذامرون على الإسلام وأهله، وأن المصلحة يا أمير المؤمنين أن نقصدهم فنعالجهم عما هموا به وعزموا عليه من المسير إلى بلادنا‏.‏ 
فقال عمر لحامل الكتاب‏:‏ ما اسمك‏؟‏ 
قال‏:‏ قريب‏.‏ 
قال‏:‏ ابن من‏؟‏ 
قال‏:‏ ابن ظفر‏.‏ 
فتفاءل عمر بذلك، وقال‏:‏ ظفر قريب، ثم أمر فنودي للصلاة جامعة، فاجتمع الناس، وكان أول من دخل المسجد لذلك سعد بن أبي وقاص فتفاءل عمر أيضاً بسعد، فصعد عمر المنبر حتى اجتمع الناس فقال‏:‏ إن هذا يوم له ما بعده من الأيام، ألا وإني قد هممت بأمر فاسمعوا وأجيبوا وأوجزوا ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم، إني قد رأيت أن أسير بمن قبلي حتى أنزل منزلاً وسطاً بين هذين المصرين فاستنفر الناس، ثم أكون لهم ردءاً، حتى يفتح الله عليهم‏.‏ 
فقام عثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف في رجال من أهل الرأي، فتكلم كل منهم بانفراده، فأحسن وأجاد، واتفق رأيهم‏:‏ على أن لا يسير من المدينة، ولكن يبعث البعوث ويحصرهم برأيه ودعائه‏.‏ 
وكان من كلام علي رضي الله عنه أن قال‏:‏ يا أمير المؤمنين، إن هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا قلة، هو دينه الذي أظهر، وجنده الذي أعزه وأمده بالملائكة حتى بلغ ما بلغ، فنحن على موعود من الله، والله منجز وعده، وناصر جنده، ومكانك منهم يا أمير المؤمنين مكان النظام من الخرز يجمعه ويمسكه، فإذا انحل تفرق ما فيه وذهب، ثم لم يجتمع بحذافيره أبداً‏.‏ 
والعرب اليوم وإن كانوا قليلاً، فهم كثير عزيز بالإسلام، فأقم مكانك واكتب إلى أهل الكوفة، فهم أعلام العرب ورؤساؤهم، فليذهب منهم الثلثان ويقيم الثلث، واكتب إلى أهل البصرة يمدونهم أيضاً‏.‏ - وكان عثمان قد أشار في كلامه أن يمدهم في جيوش من أهل اليمن والشام‏.‏ ووافق عمر على الذهاب إلى ما بين البصرة والكوفة - فرد علي على عثمان في موافقته على الذهاب إلى ما بين البصرة والكوفة كما تقدم‏.‏ 
ورد رأي عثمان فيم أشار به من استمداد أهل الشام خوفاً على بلادهم إذا قل جيوشها من الروم‏.‏ 
ومن أهل اليمن خوفاً على بلادهم من الحبشة‏.‏ 
فأعجب عمر قول علي وسرَّ به - وكان عمر إذا استشار أحداً لا يبرم أمراً حتى يشاور العباس - فلما أعجبه كلام الصحابة في هذا المقام عرضه على العباس، فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين، خفض عليك، فإنما اجتمع هؤلاء الفرس لنقمة تنزل عليهم‏.‏ 
ثم قال عمر‏:‏ أشيروا علي بمن أوليه أمر الحرب وليكن عراقياً‏.‏ 
فقالوا‏:‏ أنت أبصر بجندك يا أمير المؤمنين‏.‏ 
فقال‏:‏ ما والله لأولين رجلاً يكون أول الأسنة إذا لقيها غداً‏.‏ 
قالوا‏:‏ من يا أمير المؤمنين‏؟‏ 
قال‏:‏ النعمان بن مقرن‏.‏ 
فقالوا‏:‏ هو لها - وكان النعمان قد كتب إلى عمر وهو على كسكر وسأله أن يعزله عنها ويوليه قتال أهل نهاوند - فلهذا أجابه إلى ذلك وعينه له‏.‏ 
ثم كتب عمر إلى حذيفة‏:‏ أن يسير من الكوفة بجنود منها، وكتب إلى أبي موسى‏:‏ أن يسير بجنود البصرة، وكتب إلى النعمان - وكان بالبصرة - أن يسير بمن هناك من الجنود إلى نهاوند، وإذا اجتمع الناس فكل أمير على جيشه، والأمير على الناس كلهم النعمان بن مقرن‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/123‏)‏ 
فإذا قتل فحذيفة بن اليمان، فإن قتل فجرير بن عبد الله، فإن قتل فقيس بن مكشوح، فإن قتل قيس، ففلان ثم فلان، حتى عد سبعة أحدهم المغيرة بن شعبة، وقيل‏:‏ لم يسم فيهم‏.‏ والله أعلم‏.‏ 
وصورة الكتاب‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر أمير المؤمنين، إلى النعمان بن مقرن، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد‏:‏ فإنه قد بلغني أن جموعاً من الأعاجم كثيرة قد جمعوا لكم بمدينة نهاوند، فإذا أتاك كتابي هذا فسر بأمر الله وبعون الله وبنصر الله بمن معك من المسلمين، ولا توطئهم وعراً فتؤذيهم، ولا تمنعهم حقهم فتكفرهم، ولا تدخلهم غيضةً، فإن رجلاً من المسلمين أحب إليَّ من مائة ألف دينار، والسلام عليك‏.‏ 
فسر في وجهك ذلك حتى تأتي ماه فإني قد كتبت إلى أهل الكوفة أن يوافوك بها، فإذا اجتمع إليك جنودك فسر إلى الفيرزان ومن جمع معه من الأعاجم من أهل فارس وغيرهم، واستنصروا وأكثروا من لا حول ولا قوة إلا بالله‏.‏ 
وكتب عمر إلى نائب الكوفة - عبد الله بن عبد الله - أن يعين جيشاً، ويبعثهم إلى نهاوند، وليكن الأمير عليهم حذيفة بن اليمان، حتى ينتهي إلى النعمان بن مقرن، فإن قتل النعمان فحذيفة، فإن قتل فنعيم بن مقرن‏.‏ 
وولى السائب بن الأقرع قسم الغنائم‏.‏ 
فسار حذيفة في جيش كثيف نحو النعمان بن مقرن ليوافوه بماه، وسار مع حذيفة خلق كثير من أمراء العراق، وقد أرصد في كل كورة ما يكفيها من المقاتلة، وجعل الحرس في كل ناحية، واحتاطوا احتياطاً عظيماً، ثم انتهوا إلى النعمان بن مقرن حيث اتعدوا، فدفع حذيفة بن اليمان إلى النعمان كتاب عمر وفيه الأمر له بما يعتمده في هذه الوقعة، فكل جيش المسلمين في ثلاثين ألفاً من المقاتلة فيما رواه سيف عن الشعبي، فمنهم‏:‏ من سادات الصحابة ورءوس العرب خلق كثير وجم غفير‏.‏ 
منهم‏:‏ عبد الله بن عمر أمير المؤمنين، وجرير بن عبد الله البجلي، وحذيفة بن اليمان، والمغيرة بن شعبة، وعمرو بن معدي كرب الزبيدي، وطليحة بن خويلد الأسدي، وقيس بن مكشوح المرادي‏.‏ 
فسار الناس نحو نهاوند وبعث النعمان بن مقرن الأمير بين يديه طليعة ثلاثة‏:‏ 
وهم‏:‏ طليحة، وعمرو بن معدي كرب الزبيدي، وعمرو بن أبي سلمة‏.‏ 
ويقال له‏:‏ عمرو بني ثبى أيضاً، ليكشفوا له خبر القوم وما هم عليه‏.‏ 
فسارت الطليعة 