يوماً وليلة فرجع عمرو بن ثبى فقيل له‏:‏ ما رجعك‏؟‏ 
فقال‏:‏ كنت في أرض العجم، وقتلت أرض جاهلها، وقتل أرض عالمها‏.‏ 
ثم رجع بعده عمرو بن معدي كرب وقال‏:‏ لم نر أحداً وخفت أن يؤخذ علينا الطريق، ونفذ طليحة ولم يحفل برجوعهما فسار بعد ذلك نحواً من بضعة عشر فرسخاً حتى انتهى إلى نهاوند، ودخل في العجم وعلم من أخبارهم ما أحب، ثم رجع إلى النعمان فأخبره بذلك، وأنه ليس بينه وبين نهاوند شيء يكرهه‏.‏ 
‏(‏ج/ص‏:‏ 7/124‏)‏ 
فسار النعمان على تعبئته، وعلى المقدمة نعيم بن مقرن، وعلى المجنبتين حذيفة وسويد بن مقرن، وعلى المجردة القعقاع بن عمرو، وعلى الساقة مجاشع بن مسعود، حتى انتهوا إلى الفرس وعليهم الفيرزان، ومعه من الجيش كل من غاب عن القادسية في تلك الأيام المتقدمة، وهو في مائة وخمسين ألفاً، فلما تراءى الجمعان كبر النعمان وكبر المسلمون ثلاث تكبيرات، فزلزلت الأعاجم ورعبوا من ذلك رعباً شديداً‏.‏ 
ثم أمر النعمان بحط الأثقال وهو واقف، فحط الناس أثقالهم، وتركوا رحالهم، وضربوا خيامهم وقبابهم‏.‏ 
وضربت خيمة للنعمان عظيمة، وكان الذين ضربوا أربعة عشر من أشراف الجيش، وهم‏:‏ حذيفة بن اليمان، وعتبة بن عمرو، والمغيرة بن شعبة، وبشير بن الخصاصية، وحنظلة الكاتب، وابن الهوبر، وربعي بن عامر، وعامر بن مطر، وجرير بن عبد الله الحميري، وجرير بن عبد الله البجلي، والأقرع بن عبد الله الحميري، والأشعث بن قيس الكندي، وسعيد بن قيس الهمداني، ووائل بن حجر، فلم ير بالعراق خيمة عظيمة أعظم من بناء هذا الخيمة‏.‏ 
وحين حطوا الأثقال، أمر النعمان بالقتال، وكان يوم الأربعاء، فاقتتلوا ذلك اليوم والذي بعده والحرب سجال، فلما كان يوم الجمعة انحجزوا في حصنهم، وحاصرهم المسلمون فأقاموا عليهم ما شاء الله، والأعاجم يخرجون إذا أرادوا ويرجعون إلى حصونهم إذا أرادوا‏.‏ 
وقد بعث أمير الفرس يطلب رجلاً من المسلمين ليكلمه، فذهب إليه المغيرة بن شعبة فذكر من عظم ما رأى عليه من لبسه ومجلسه، وفيما خاطبه به من الكلام في احتقار العرب واستهانته بهم، وأنهم كانوا أطول الناس جوعاً، وأقلهم داراً وقدراً‏.‏ 
وقال‏:‏ ما يمنع هؤلاء الأساورة حولي أن ينتظموكم بالنشاب إلا مجاً من جيفكم، فإن تذهبوا نخل عنكم، وإن تأبوا نزركم مصارعكم‏.‏ 
قال‏:‏ فتشهدت، وحمدت الله وقلت‏:‏ لقد كنا أسوأ حالاً مما ذكرت، حتى بعث الله رسوله فوعدنا النصر في الدنيا، والخير في الآخرة، وما زلنا نتعرف من ربنا النصر منذ بعث الله رسوله إلينا، وقد جئناكم في بلادكم وإنا لن نرجع إلى ذلك الشقاء أبداً حتى نغلبكم على بلادكم وما في أيديكم أونقتل بأرضكم‏.‏ 
فقال‏:‏ أما والله إن الأعور لقد صدقكم ما في نفسه‏.‏ 
فلما طال على المسلمين هذا الحال واستمر، جمع النعمان بن مقرن أهل الرأي من الجيش، وتشاوروا في ذلك وكيف يكون من أمرهم، حتى يتواجهوا هم والمشركون في صعيد واحد، فتكلم عمرو بن أبي سلمة أولاً - وهو أسن من كان هناك - فقال‏:‏ إن بقاءهم على ما هم عليه أضر عليهم من الذي يطلبه منهم وأبقى على المسلمين‏.‏ 
فرد الجميع عليه وقالوا‏:‏ إنا لعلى يقين من إظهار ديننا، وإنجاز موعود الله لنا‏.‏ 
وتكلم عمرو بن معدي كرب، فقال‏:‏ ناهدهم وكاثرهم ولا تخفهم‏.‏ 
فردوا جميعاً عليه، وقالوا‏:‏ إنما تناطح بنا الجدران، والجدران أعوان لهم علينا‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/125‏)‏ 
وتكلم طليحة الأسدي، فقال‏:‏ إنهما لم يصيبا، وإني أرى أن تبعث سرية فتحدق بهم ويناوشوهم بالقتال ويحمشوهم، فإذا برزوا إليهم فليفروا إلينا هراباً فإذا استطردوا وراءهم وانتموا إلينا عزمنا أيضاً على الفرار كلنا، فإنهم حينئذ لا يشكون في الهزيمة فيخرجون من حصونهم عن بكرة أبيهم، فإذا تكامل خروجهم رجعنا إليهم فجالدناهم حتى يقضي الله بيننا‏.‏ 
فاستجاد الناس هذا الرأي، وأمر النعمان على المجردة القعقاع بن عمرو، وأمرهم أن يذهبوا إلى البلد فيحاصروهم وحدهم ويهربوا بين أيديهم إذا برزوا إليهم‏.‏ 
ففعل القعقاع ذلك، فلما برزوا من حصونهم نكص القعقاع بمن معه ثم نكص، ثم نكص، فاغتنمها الأعاجم ففعلوا ما ظن طليحة، وقالوا‏:‏ هي هي، فخرجوا بأجمعهم، ولم يبق بالبلد من المقاتلة إلا من يحفظ لهم الأبواب حتى انتهوا إلى الجيش، والنعمان بن مقرن على تعبئته، وذلك في صدر نهار جمعة، فعزم الناس على مصادمتهم فنهاهم النعمان وأمرهم أن لا يقاتلوا حتى تزول الشمس، وتهب الأرواح، وينزل النصر كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل‏.‏ 
وألح الناس على النعمان في الحملة فلم يفعل - وكان رجلاً ثابتاً - فلما حان الزوال صلى بالمسلمين، ثم ركب برذوناً له أحوى قريباً من الأرض، فجعل يقف على كل راية ويحثهم على الصبر ويأمرهم بالثبات، ويقدم إلى المسلمين أنه يكبر الأولى فيتأهب الناس للحملة، ويكبر الثانية فلا يبقى لأحد أهبة، ثم الثالثة ومعها الحملة الصادقة‏.‏ 
ثم رجع إلى موقفه‏.‏ وتعبئت الفرس تعبئة عظيمة واصطفوا صفوفاً هائلة في عَدَدٍ وعُدَدٍ لم ير مثله، وقد تغلغل كثير منهم بعضهم في بعض وألقوا حسك الحديد وراء ظهورهم حتى لا يمكنهم الهرب ولا الفرار، ولا التحيز‏.‏ 
ثم إن النعمان بن مقرن رضي الله عنه كبر الأولى وهز الراية فتأهب الناس للحملة، ثم كبر الثانية وهز الراية فتأهبوا أيضاً، ثم كبر الثالثة وحمل وحمل الناس على المشركين، وجعلت راية النعمان تنقض على الفرس كانقضاض العقاب على الفريسة، حتى تصافحوا بالسيوف فاقتتلوا قتالاً لم يعهد مثله في موقف من المواقف المتقدمة، ولا سمع السامعون بوقعة مثلها، قتل من المشركين ما بين الزوال إلى الظلام من القتلى ما طبق وجه الأرض دماً، بحيث أن الدواب كانت تطبع فيه، حتى قيل‏:‏ أن الأمير النعمان بن مقرن زلق به حصانه في ذلك الدم فوقع وجاءه سهم في خاصرته فقتله، ولم يشعر به أحد سوى أخيه سويد، وقيل‏:‏ نعيم، وقيل‏:‏ غطاه بثوبه وأخفى موته ودفع الراية إلى حذيفة بن اليمان، فأقام حذيفة أخاه نعيماً مكانه، وأمر بكتم موته حتى ينفصل الحال لئلا ينهزم الناس‏.‏ 
فلما أظلم الليل انهزم المشركون مدبرين، وتبعهم المسلمون، وكان الكفار قد قرنوا منهم ثلاثين ألفاً بالسلاسل وحفروا حولهم خندقاً، فلما انهزموا وقعوا في الخندق، وفي تلك الأودية نحو مائة ألف وجعلوا يتساقطون في أودية بلادهم فهلك منهم بشر كثير نحو مائة ألف أو يزيدون، سوى من قتل في المعركة، ولم يفلت منهم إلا الشريد‏.‏ 
وكان الفيرزان أميرهم قد صرع في المعركة، فانفلت وانهزم واتبعه نعيم بن مقرن، وقدم القعقاع بين يديه وقصد الفيرزان همدان، فلحقه القعقاع وأدركه عند ثنية همدان، وقد أقبل منها بغال كثير، وحمر تحمل عسلاً فلم يستطع الفيرزان صعودها منهم، وذلك لحينه فترجل وتعلق في الجبل فاتبعه القعقاع حتى قتله‏.‏ 
‏(‏ج/ص‏:‏ 7/126‏)‏ 
وقال المسلمون يومئذ‏:‏ إن لله جنوداً من عسل، ثم غنموا ذلك العسل وما خالطه من الأحمال، وسميت تلك الثنية‏:‏ ثنية العسل‏.‏ 
ثم لحق القعقاع بقية المنهزمين منهم إلى همدان وحاصرها وحوى ما حولها، فنزل إليه صاحبها - وهو خسرشنوم - فصالحه عليها‏.‏ 
ثم رجع القعقاع إلى حذيفة ومن معه من المسلمين، وقد دخلوا بعد الوقعة نهاوند عنوة، وقد جمعوا الأسلاب والمغانم إلى صاحب الأقباض وهو‏:‏ السائب بن الأقرع‏.‏ 
ولما سمع أهل ماه بخبر أهل همدان بعثوا إلى حذيفة وأخذوا لهم منه الأمان‏.‏ 
وجاء رجل يقال له‏:‏ الهرند - وهو صاحب نارهم - فسأل من حذيفة الأمان ويدفع إليهم وديعة عنده لكسرى، ادخرها لنوائب الزمان، فأمنه حذيفة وجاء ذلك الرجل بسفطين مملوءتين جوهراً ثميناً لا يقوم، غير أن المسلمين لم يعبأوا به‏.‏ 
واتفق رأيهم على بعثه لعمر خاصة، وأرسلوه صحبة الأخماس السائب بن الأرقع، وأرسل قبله بالفتح مع طريف بن سهم، ثم قسم حذيفة بقية الغنيمة في الغانمين، ورضخ ونفل لذوي النجدات، وقسم لمن كان قد أرصد من الجيوش لحفظ ظهور المسلمين من ورائهم، ومن كان رداءاً لهم، ومنسوباً إليهم‏.‏ 
وأما أمير المؤمنين فإنه كان يدعو الله ليلاً ونهاراً، لهم دعاء الحوامل المقربات، وابتهال ذوي الضرورات، وقد استبطأ الخبر عنهم فبينا رجل من المسلمين ظاهر المدينة إذا هو براكب فسأله‏:‏ من أين أقبل ‏؟‏‏.‏ 
فقال‏:‏ من نهاوند‏.‏ 
فقال‏:‏ ما فعل الناس ‏؟‏‏.‏ 
قال‏:‏ فتح الله عليهم وقتل الأمير، وغنم المسلمون غنيمةً عظيمةً أصاب الفارس ستة آلاف، والراجل ألفان‏.‏ 
ثم فاته وقدم ذلك الرجل المدينة فأخبره الناس وشاع الخبر حتى بلغ أمير المؤمنين، فطلبه فسأله عمن أخبره 
فقال‏:‏ راكب‏.‏ 
فقال‏:‏ إنه لم يجئني، وإنما هو رجل من الجن بريدهم، واسمه‏:‏ عثيم‏.‏ 
ثم قدم طريف بالفتح بعد ذلك بأيام، وليس معه سوى الفتح، فسأله عمن قتل النعمان فلم يكن معه علم حتى قدم الذين معهم الأخماس فأخبروا بالأمر على جليته، فإذا ذلك الجني قد شهد الوقعة، ورجع سريعاً إلى قومه نذيراً‏.‏ 
ولما أخبر عمر بمقتل النعمان بكى، وسأل السائب عمن قتل من المسلمين، فقال‏:‏ فلان، وفلان، وفلان لأعيان الناس وأشرافهم‏.‏ 
ثم قال‏:‏ وآخرون من أفناد الناس ممن لا يعرفهم أمير المؤمنين، فجعل يبكي ويقول‏:‏ وما ضرهم أن لا يعرفهم أمير المؤمنين‏؟‏ لكن الله يعرفهم وقد أكرمهم بالشهادة، وما يصنعون بمعرفة عمر‏.‏ 
ثم أمر بقسمة الخمس على عادته، وحملت ذانك السفطان إلى منزل عمر، ورجعت الرسل، فلما أصبح عمر طلبهم فلم يجدهم، فأرسل في إثرهم البُرُد فما لحقهم البريد إلا بالكوفة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 127‏)‏ 
قال السائب بن الأقرع‏:‏ فلما أنخت بعيري بالكوفة، أناخ البريد على عرقوب بعيري، وقال‏:‏ أجب أمير المؤمنين، فقلت‏:‏ لماذا‏؟‏ 
فقال‏:‏ لا أدري، فرجعنا على أثرنا حتى انتهيت إليه‏.‏ 
قال‏:‏ مالي ولك يا ابن أم السائب، بل ما لابن أم السائب ومالي ‏؟‏‏.‏ 
قال فقلت‏:‏ وما ذاك يا أمير المؤمنين ‏؟‏‏.‏ 
فقال‏:‏ ويحك، والله إن هو إلا أن نمت في الليلة التي خرجت فيها فباتت ملائكة الله تسحبني إلى ذينك السفطين وهما يشتعلان ناراً، ويقولون‏:‏ لنكوينك بهما‏.‏ 
فأقول‏:‏ إني سأقسمهما بين المسلمين‏.‏ فاذهب بهما لا أبالك فبعهما فاقسمهما في أعطية المسلمين وأرزاقهم، فإنهم لا يدرون ما وهبوا ولم تدر أنت معهم‏.‏ 
قال السائب‏:‏ فأخذتهما حتى جئت بهما مسجد الكوفة، وغشيتني التجار فابتاعهما مني عمرو بن حريث المخزومي بألفي ألف‏.‏ 
ثم خرج بهما إلى أرض الأعاجم فباعهما بأربعة آلاف ألف‏.‏ فما زال أكثر أهل الكوفة مالاً بعد ذلك‏.‏ 
قال سيف‏:‏ ثم قسم ثمنهما بين الغانمين، فنال كل فارس أربعة آلاف درهم من ثمن السفطين‏.‏ 
قال الشعبي‏:‏ وحصل للفارس من أصل الغنيمة ستة آلاف، وللراجل ألفان وكان المسلمون ثلاثين ألفاً‏.‏ 
قال‏:‏ وافتتحت نهاوند في أول سنة تسع عشرة لسبع سنين من إمارة عمر‏.‏ 
رواه سيف عن، عمرو بن محمد عنه‏.‏ 
وبه عن الشعبي قال‏:‏ لما قدم سبي نهاوند إلى المدينة جعل أبو لؤلؤة - فيروز غلام المغيرة بن شعبة - لا يلقى منهم صغيراً إلا مسح رأسه وبكى، وقال‏:‏ أكل عمر كبدي - وكان أصل أبي لؤلؤة من نهاوند فأسرته الروم أيام فارس وأسرته المسلمون بعد، فنسب إلى حيث سبى -‏.‏ 
قالوا‏:‏ ولم تقم للأعاجم بعد هذه الوقعة قائمة، وأتحف عمر الذين أبلوا فيها بألفين تشريفاً لهم، وإظهاراً لشأنهم‏.‏ 
وفي هذه السنة‏:‏ افتتح المسلمون أيضاً بعد نهاوند مدينة جَيّ، وهي - مدينة أصبهان - بعد قتال كثير وأمور طويلة، فصالحوا المسلمين، وكتب لهم عبد الله بن عبد الله كتاب أمان وصلح، وفر منهم ثلاثون نفراً إلى كرمان لم يصالحوا المسلمين‏.‏ 
وقيل‏:‏ إن الذي فتح أصبهان هو النعمان بن مقرن، وإنه قتل بها، ووقع أمير المجوس وهو ذو الحاجبين عن فرسه فانشق بطنه ومات، وانهزم أصحابه‏.‏ 
والصحيح‏:‏ أن الذي فتح أصبهان‏:‏ عبد الله بن عبد الله بن عتبان - الذي كان نائب الكوفة -‏.‏ 
وفيها‏:‏ افتتح أبو موسى قم وقاشان، وافتتح سهيل بن عدي مدينة كرمان‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 128‏)‏ 
وذكر ابن جرير عن الواقدي‏:‏ أن عمرو بن العاص سار في جيش معه إلى طرابلس قال‏:‏ وهي برقة فافتتحها صلحاً على ثلاثة عشر ألف دينار في كل سنة‏.‏ 
قال‏:‏ وفيها‏:‏ بعث عمرو بن العاص عقبة بن نافع الفهري إلى زويلة ففتحها بصلح، وصار ما بين بر