ِ 
تبعناهم حتى أووا في شعابهم * فنقتلهم قتل الكلاب الجواحمِ 
كأنهم في واج روذ وجوه * ضئين أصابتها فروج المخارمِ 
  فتح الري 
استخلف نعيم بن مقرن على همذان يزيد بن قيس الهمداني، وسار بالجيوش حتى لحق الري فلقي هناك جمعاً كثيراً من المشركين، فاقتتلوا عند سفح جبل الري، فصبروا صبراً عظيماً ثم انهزموا، فقتل منهم النعيم بن مقرن مقتلة عظيمة، بحيث عدوا بالقصب فيها، وغنموا منهم غنيمة عظيمة قريباً مما غنم المسلمون من المدائن‏.‏ 
وصالح أبو الفرخان على الري، وكتب له أماناً بذلك، ثم كتب نعيم إلى عمر بالفتح ثم بالأخماس ولله الحمد والمنة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 138‏)‏ 
  فتح قومس 
ولما ورد البشير بفتح الري وأخماسها، كتب عمر إلى نعيم بن مقرن‏:‏ أن يبعث أخاه سويد بن مقرن إلى قومس‏.‏ فسار إليها سويد، فلم يقم له شيء حتى أخذها سلماً وعسكر بها وكتب لأهلها كتاب أمان وصلح‏.‏ 
  فتح جرجان 
لما عسر سويد بقومس بعث إليه أهل بلدان شتى منها جرجان وطبرستان وغيرها يسألونه الصلح على الجزية، فصالح الجميع وكتب لأهل كل بلدة كتاب أمان وصلح‏.‏ 
وحكى المدائني‏:‏ أن جرجان فتحت في سنة ثلاثين أيام عثمان فالله أعلم‏.‏ 
  وهذا فتح أذربيجان 
لما افتتح نعيم بن مقرن همذان ثم الري، وكان قد بعث بين يديه بكير بن عبد الله، من همذان إلى أذربيجان، وأردفه بسماك بن خرشة، فلقي أسفندياذ بن الفرخزاذ بكيراً وأصحابه، قبل أن يقدم عليهم سماك، فاقتتلوا فهزم الله المشركين، وأسر بكير أسفندياذ‏.‏ 
فقال له أسفندياذ‏:‏ الصلح أحب إليك أم الحرب‏؟‏ 
قال‏:‏ بل الصلح‏.‏ 
قال‏:‏ فأمسكني عندك، فأمسكه، ثم جعل يفتح بلداً بلداً، وعتبة بن فرقد أيضاً، يفتح معه بلداً بلداً في مقابلته من الجانب الآخر‏.‏ 
ثم جاء كتاب عمر بأن يتقد بكير إلى الباب وجعل سماك موضعه نائباً لعبته بن فرقد، وجمع عمر أذربيجان كلها لعتبة بن فرقد، وسلم إليه بكير أسفندياذ‏.‏ 
وسار كما أمره عمر إلى الباب‏.‏ 
قالوا‏:‏ وقد كان اعترض بهرام بن فرخزاذ لعتبة بن فرقد فهزمه عتبة وهرب بهرام، فلما بلغ ذلك أسفندياذ وهو في الأسر عند بكير قال‏:‏ الآن تم الصلح، وطفئت الحرب‏.‏ فصالحه فأجاب إلى ذلك كلهم‏.‏ وعادت أذربيجان سلماً‏.‏ 
وكتب بذلك عتبة وبكير إلى عمر، وبعثوا بالأخماس إليه، وكتب عتبة حين انتهت إمرة أذربيجان لأهلها كتاب أمان وصلح‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 139‏)‏ 
  فتح الباب 
قال ابن جرير‏:‏ وزعم سيف‏:‏ أنه كان في هذه السنة كتب عمر بن الخطاب كتاباً بالإمرة على هذه الغزوة لسراقة بن عمرو - الملقب‏:‏ بذي النور - وجعل على مقدمته عبد الرحمن بن ربيعة، - ويقال له‏:‏ ذو النور أيضاً - وجعل على إحدى المجنبتين حذيفة بن أسيد، وعلى الأخرى بكير بن عبد الله الليثي - وكان قد تقدمهم إلى الباب - وعلى المقاسم سلمان بن ربيعة‏.‏ 
فساروا كما أمرهم عمر وعلى تعبئته، فلما انتهى مقدم العساكر - وهو عبد الرحمن بن ربيعة - إلى الملك الذي هناك عند الباب وهو شهربراز ملك أرمينية، وهو من بيت الملك الذي قتل بني إسرائيل، وغزا الشام في قديم الزمان، فكتب شهربراز لعبد الرحمن واستأمنه، فأمنه عبد الرحمن بن ربيعة‏.‏ 
فقدم عليه الملك فأنهى إليه أنّ صغوه إلى المسلمين، وأنه مناصح للمسلمين‏.‏ فقال له‏:‏ إن فوقي رجلاً فاذهب إليه‏.‏ 
فبعثه إلى سراقة بن عمرو وأمير الجيش، فسأل من سراقة الأمان، فكتب إلى عمر فأجاز ما أعطاه من الأمان، واستحسنه، فكتب له سراقة كتاباً بذلك‏.‏ 
ثم بعث سراقة بكيراً، وحبيب بن مسلمة، وحذيفة بن أسيد، وسلمان بن ربيعة إلى أهل تلك الجبال المحيطة بأرمينية، جبال اللان وتفليس وموقان، فافتتح بكير موقان، وكتب لهم كتاب أمان، ومات في غضون ذلك أمير المسلمين هناك، وهو‏:‏ سراقة بن عمرو‏.‏ 
واستخلف بعده عبد الرحمن بن ربيعة، فلما بلغ عمر ذلك أقره على ذلك، وأمره بغزو الترك‏.‏ 
  أول غزو الترك 
وهو تصديق الحديث المتقدم الثابت في الصحيح عن أبي هريرة وعمر بن تغلب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوماً عراض الوجوه، دلف الأنوف، حمر الوجوه، كأن وجوهم المجان المطرقة‏)‏‏)‏‏.‏ 
وفي رواية‏:‏ ‏(‏‏(‏ينتلعون الشعر‏)‏‏)‏‏.‏ 
لما جاء كتاب عمر إلى عبد الرحمن بن ربيعة يأمره بأن يغزو الترك، سار حتى قطع الباب قاصداً لما أمره عمر، فقال له شهربراز‏:‏ أين تريد ‏؟‏‏.‏ 
قال‏:‏ أريد ملك الترك بلنجر‏.‏ 
فقال له شهربراز‏:‏ إنا لنرضى منهم الموادعة ونحن من وراء الباب‏.‏ 
فقال له عبد الرحمن‏:‏ إن الله بعث إلينا رسولاً، ووعدنا على لسانه بالنصر والظفر، ونحن لا نزال منصورين، فقاتل الترك وسار في بلاد بلنجر مائتي فرسخ، وغزا مرات متعددة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 140‏)‏ 
ثم كانت له وقائع هائلة في زمن عثمان كما سنورده في موضعه إن شاء الله تعالى‏.‏ 
وقال سيف بن عمر‏:‏ عن الغصن بن القاسم، عن رجل، عن سلمان بن ربيعة قال‏:‏ لما دخل عليهم عبد الرحمن بن ربيعة بلادهم، حال الله بين الترك والخروج عليه، وقالوا‏:‏ ما اجترأ علينا هذا الرجل إلا ومعهم الملائكة تمنعهم من الموت‏.‏ فتحصنوا منه، وهربوا بالغنم والظفر‏.‏ 
ثم إنه غزاهم غزوات في زمن عثمان فظفر بهم كما كان يظفر بغيرهم‏.‏ فلما ولي عثمان على الكوفة بعض من كان ارتد، غزاهم فتذامرت الترك، وقال بعضهم لبعض‏:‏ إنهم لا يموتون‏.‏ 
قال‏:‏ انظروا وفعلوا فاختفوا لهم في الغياض، فرمى رجل منهم رجلاً من المسلمين على غرةٍ فقتله وهرب عنه أصحابه، فخرجوا على المسلمين بعد ذلك حتى عرفوا أن المسلمين يموتون، فاقتتلوا قتالاً شديداً، ونادى مناد من الجو صبراً آل عبد الرحمن موعدكم الجنة‏.‏ 
فقاتل عبد الرحمن حتى قتل، وانكشف الناس وأخذ الراية سلمان بن ربيعة فقاتل بها، ونادى المنادي من الجو صبراً آل سلمان بن ربيعة، فقاتل قتالاً شديداً‏.‏ 
ثم تحيز سلمان، وأبو هريرة بالمسلمين، وفروا من كثرة الترك، ورميهم الشديد السديد على جيلان، فقطعوها إلى جرجان، واجترأت الترك بعدها، ومع هذا أخذت الترك عبد الرحمن بن ربيعة فدفنوه في بلادهم، فهم يستسقون بقبره إلى اليوم، وسيأتي تفصيل ذلك كله‏.‏ 
  قصة السد 
ذكر ابن جرير بسنده‏:‏ أن شهربراز قال لعبد الرحمن بن ربيعة لما قدم عليه حين وصل إلى الباب وأراه رجلاً فقال شهربراز‏:‏ أيها الأمير، إن هذا الرجل كنت بعثته نحو السد، وزودته مالاً جزيلاً وكتبت له إلى الملوك الذين يولوني، وبعثت لهم هدايا، وسألت منهم أن يكتبوا له إلى من يليهم من الملوك حتى ينتهي إلى سد ذي القرنين، فينظر إليه ويأتينا بخبره‏.‏ 
فسار حتى انتهى إلى الملك الذي السد في أرضه، فبعثه إلى عامله مما يلي السد، فبعث معه بازياره ومعه عقابه، فلما انتهوا إلى السد إذا جبلان بينهما سد مسدود، حتى ارتفع على الجبلين، وإذا دون السد خندق أشد سواداً من الليل لبعده، فنظر إلى ذلك كله وتفرس فيه، ثم لما هم بالانصراف، قال له البازيار‏:‏ على رسلك، ثم شرح بضعة لحم معه فألقاها في ذلك الهواء، وانقض عليها العقاب‏.‏ 
فقال‏:‏ إن أدركتها قبل أن تقع فلا شيء، وإن لم تدركها حتى تقع فذلك شيء‏.‏ 
قال‏:‏ فلم تدركها حتى وقعت في أسفله واتبعها العقاب فأخرجها، فإذا فيها ياقوتة وهي هذه، ثم ناولها الملك شهربراز لعبد الرحمن بن ربيعة فنظر إليها عبد الرحمن ثم ردها إليه، فلما ردها إليه فرح، وقال‏:‏ والله لهذه خير من مملكة هذه المدينة - يعني‏:‏ مدينة باب الأبواب التي هو فيها - وهي هذه خير من مملكة هذه المدينة - يعني‏:‏ مدينة باب الأبواب التي خبرها - ووالله لأنتم أحب إلي اليوم من مملكة آل كسرى، ولو كنت في سلطانهم وبلغهم خبرها لانتزعوها مني‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 141‏)‏ 
وأيم الله، لا يقوم لكم شيء ما وفيتم وفي ملككم، الأكبر‏.‏ 
ثم أقبل عبد الرحمن بن ربيعة على الرسول الذي ذهب على السد فقال‏:‏ ما حال هذا الردم‏؟‏ - يعني‏:‏ ما صفته - فأشار إلى ثوب في زرقه وحمرة فقال‏:‏ مثل هذا‏.‏ 
فقال رجل لعبد الرحمن‏:‏ صدق والله لقد نفذ ورأى‏.‏ 
فقال‏:‏ أجل وصف صفة الحديد والصفر‏.‏ 
قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 96‏]‏ وقد ذكرت صفة السد في التفسير، وفي أوائل هذا الكتاب‏.‏ 
وقد ذكر البخاري في صحيحه تعليقاً‏:‏ أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم رأيت السد‏.‏ 
فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏كيف رأيته ‏؟‏‏)‏‏)‏ 
قال‏:‏ مثل البرد المحبر رأيته‏.‏ 
قالوا‏:‏ ثم قال عبد الرحمن بن ربيعة لشهربراز‏:‏ كم كانت هديتك‏؟‏ 
قال‏:‏ قيمة مائة ألف في بلادي وثلاثة آلاف ألف في تلك البلدان‏.‏ 
بقية من خبر السد 
أورد شيخنا أبو عبد الله الذهبي الحافظ في هذه السنة ما ذكره صاحب كتاب ‏(‏مسالك الممالك‏)‏ عما أملاه عليه سلام الترجمان، حين بعثه الواثق بأمر الله بن المعتصم - وكان قد رأى في النوم كأن السد قد فتح -فأرسل سلاماً هذا، وكتب له إلى الملوك بالوصاة به، وبعث معه ألفي بغل تحمل طعاماً فساروا بين سامراً إلى إسحاق بتفليس، فكتب لهم إلى صاحب السرير، وكتب لهم صاحب السرير إلى ملك اللان، فكتب لهم إلى قبلان شاه، فكتب لهم إلى ملك الخزر، فوجه معه خمسة أولاد فساروا ستة وعشرين يوماً‏.‏ 
انتهوا إلى أرض سوداء منتنة حتى جعلوا يشمون الخل، فساروا فيها عشرة أيام، فانتهوا إلى مدائن خراب مدة سبعة وعشرين يوماً، وهي التي كانت يأجوج و مأجوج تطرقها فخربت من ذلك الحين و إلى الآن، ثم انتهوا إلى حصن قريب من السد، فوجدوا قوماً يعرفون بالعربية و بالفارسية و يحفظون القرآن، ولهم مكاتب و مساجد، فجعلوا يعجبون منهم و يسألونهم من أين أقبلوا‏؟‏ 
فذكروا لهم أنهم من جهة أمير المؤمنين الواثق، فلم يعرفوه بالكلية‏.‏ 
ثم انتهوا إلى جبل أملس ليس عليه خضراً، و إذا السد هنالك من لبن حديد مغيب في نحاس، و هو مرتفع جداً لا يكاد البصر ينتهي إليه، وله شرفات من حديد، وفي وسطه باب عظيم بمصراعين مغلقين، عرضهما مائة ذراع، في طول مائة ذراع، في ثخانة خمسة أذرع، و عليه قفل طوله سبعة أذرع في غلظ باع - وذكر أشياء كثيرة - و عند ذلك المكان حرس يضربون عند القفل في كل يوم فيسمعون بعد ذلك صوتاً عظيماً مزعجاً، ويقال‏:‏ أن وراء هذا الباب حرس وحفظة، وقريب من هذا الباب حصنان عظيمان بينهما عين ماء عذبة، وفي إحداهما بقايا العمارة من مغارف ولبن من حديد وغير ذلك، وإذا طول اللبنة ذراع ونصف في مثله، في سمك شبر‏.‏ 
وذكروا‏:‏ أنهم سألوا أهل تلك البلاد هل رأوا أحداً من يأجوج ومأجوج ‏؟‏ 
فأخبروهم أنهم رأوا منهم يوماً أشخاصاً فوق الشرفات فهبت الريح فألقتهم إليهم، فإذا طول الرجل منهم شبر أو نصف شبر‏.‏ والله أعلم‏.‏ 
قال الواقدي‏:‏ وفي هذه السنة غزا معاوية الصائفة من بلاد الروم، وكان معه حماد والصحابة فسار وغنم ورجع سالماً‏.‏ 
وفيها‏:‏ ولد يزيد بن معاوية، وعبد الملك بن مروان‏.‏ 
وفيها‏:‏ حج بالناس عمر بن الخطاب، وكان عماله فيها على البلاد، وهم الذين كانوا في السنة قبلها‏.‏ 
وذكر‏:‏ أن عمر عزل عماراً في هذه السنة عن الكوفة اشتكاه أهلها وقالوا‏:‏ لا يحسن السياسة، فعزله وولى أبا موسى الأشعري، فقال أهل الكوفة‏:‏ لا نريده، وشكوا من غلامه‏.‏ 
فقال‏:‏ دعوني حتى أنظر في أمري، وذهب إلى طائفة من المسجد ليفكر من يولي‏.‏ فنام من الهم، فجاءه المغيرة فجعل يحرسه حتى استيقظ‏.‏ 
فقال له‏:‏ إن هذا الأمر عظيم يا أمير المؤمنين الذي بلغ بك هذا‏.‏ 
قال‏:‏ وكيف وأهل الكوفة مائة ألف لا يرضون أمير المؤمنين، ولا يرضى عنهم أمير‏.‏ 
ثم جمع الصحابة واستشارهم هل يولي عليهم قوياً مشدداً أو ضعيفاً مسلماً‏؟‏ 
فقال له المغيرة بن شعبة‏:‏ يا أمير المؤمنين، إن القوي قوته لك وللمسلمين وتشديده لنفسه، وأما الضعيف المسلم فضعفه عليك وعلى المسلمين وإسلامه لنفسه‏.‏ 
فقال عمر للمغيرة - واستحسن ما قال له -‏:‏ اذهب فقد وليتك الكوفة‏.‏ 
فرده إليها بعد ما كان عزله عنها بسبب ما كان شهد عليه الذين تقدم حدهم بسبب قذفه، والعلم عند الله عز وجل‏.‏ 
وبعث أبا موسى الأشعري إلى البصرة فقيل لعمار‏:‏ أساءك العزل ‏؟‏ 
فقال‏:‏ وا