وفينا * نهابهم بأسياف رقاق 
قتلنا الروم حتى ما تساوى * على اليرموك معروق الوراق 
فضضنا جمعهم لما استجالوا * على الواقوص بالبتر الرقاق 
غداة تهافتوا فيها فصاروا * إلى أمر يعضل بالذواق 
وقال الأسود بن مقرن التميمي‏:‏ 
وكم قد أغرنا غارة بعد غارة *يوماً ويوماً قد كشفنا أهاوله 
ولولا رجال كان عشو غنيمة * لدى مأقط رجت علينا أوائله 
لقيناهم اليرموك لما تضايقت * بمن حل باليرموك منه حمائله 
فلا يعد من منا هرقل كتائباً * إذا رامها رام الذي لا يحاوله 
وقال عمرو بن العاص‏:‏ 
القوم لخم وجذام في الحرب * ونحن والروم بمرج نضطرب 
فإن يعودوا بها لا نصطحب * بل نعصب الفرار بالضرب الكرب 
وروى أحمد بن مروان المالكي في المجالسة‏:‏ حدثنا أبو إسماعيل الترمذي، حدثنا أبو معاوية بن عمرو، عن أبي إسحاق قال‏:‏ كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يثبت لهم العدو فواق ناقة عند اللقاء‏.‏ 
فقال هرقل وهو على أنطاكية لما قدمت منهزمة الروم‏:‏ ويلكم أخبروني عن هؤلاء القوم الذين يقاتلونكم أليسوا بشرا مثلكم‏؟‏ 
قالوا‏:‏ بلى‏.‏ 
قال‏:‏ فأنتم أكثر أم هم‏؟‏ 
قالوا‏:‏ بل نحن أكثر منهم أضعافاً في كل موطن‏.‏ 
قال‏:‏ فما بالكم تنهزمون‏؟‏ 
فقال شيخ من عظمائهم‏:‏ من أجل أنهم يقومون الليل ويصومون النهار، ويوفون بالعهد، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويتناصفون بينهم، ومن أجل أنا نشرب الخمر، ونزني، ونركب الحرام، وننقض العهد، ونغصب، ونظلم، ونأمر بالسخط وننهى عما يرضي الله، ونفسد في الأرض‏.‏ 
فقال‏:‏ أنت صدقتني‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 20‏)‏ 
وقال الوليد بن مسلم‏:‏ أخبرني من سمع يحيى بن يحيى الغساني يحدث عن رجلين من قومه قالا‏:‏ لما نزل المسلمون بناحية الأردن، تحدثنا بيننا أن دمشق ستحاصر فذهبنا نتسوق منها قبل ذلك، فبينا نحن فيها إذ أرسل إلينا بطريقها فجئناه‏.‏ 
فقال‏:‏ أنتما من العرب‏؟‏ 
قلنا‏:‏ نعم‏.‏ 
قال‏:‏ وعلى النصرانية‏؟‏ 
قلنا‏:‏ نعم‏.‏ 
فقال‏:‏ ليذهب أحدكما فليتجسس لنا عن هؤلاء القوم ورأيهم، وليثبت الآخر على متاع صاحبه‏.‏ 
ففعل ذلك أحدنا فلبث ملياً ثم جاءه فقال‏:‏ جئتك من عند رجال دقاق يركبون خيولاً عتاقاً، أما الليل فرهبان، وأما النهار ففرسان، يريشون النبل ويبرونها، ويثقفون القنا، لو حدثت جليسك حديثاً ما فهمه عنك لما علا من أصواتهم بالقرآن والذكر‏.‏ 
قال‏:‏ فالتفت إلى أصحابه، وقال‏:‏ آتاكم منهم ما لا طاقة لكم به‏.‏ 
  انتقال إمرة الشام من خالد إلى أبي عبيدة بعد وقعة اليرموك 
وصيرورة الإمرة بالشام إلى أبو عبيدة، فكان أبو عبيدة أول من سمي أمير الأمراء‏.‏ 
وقد تقدم أن البريد قدم بموت الصديق والمسلمون مصافو الروم يوم اليرموك، وأن خالداً كتم ذلك عن المسلمين لئلا يقع وهن، فلما أصبحوا أجلى لهم الأمر وقال ما قال، ثم شرع أبو عبيدة في جمع الغنيمة وتخميسها، وبعث بالفتح والخمس مع قباب بن أشيم إلى الحجاز، ثم نودي بالرحيل إلى دمشق، فساروا حتى نزلوا مرج الصفر، وبعث أبو عبيدة بين يديه طليعة أبا أمامة الباهلي ومعه رجلان من أصحابه‏.‏ 
قال أبو أمامة‏:‏ فسرت فلما كان ببعض الطريق أمرت الآخر فكمن هناك وسرت أنا وحدي حتى جئت باب البلد، وهو مغلق في الليل وليس هناك أحد فنزلت وغرزت رمحي بالأرض، ونزعت لجام فرسي، وعلقت عليه مخلاته ونمت فلما أصبح الصباح قمت فتوضأت وصليت الفجر، فإذا باب المدينة يقعقع فلما فتح حملت على البواب فطعنته بالرمح فقتلته‏.‏ 
ثم رجعت والطلب ورائي فلما انتهينا إلى الرجل الذي في الطريق من أصحابي ظنوا أنه كمين فرجعوا عني، ثم سرنا حتى أخذنا الآخر‏.‏ 
وجئت إلى أبو عبيدة فأخبرته بما رأيت فأقام أبو عبيدة ينتظر كتاب عمر فيما يعتمده من أمر دمشق‏.‏ 
فجاءه الكتاب يأمره بالمسير إليها، فساروا إليها حتى أحاطوا بها‏.‏ 
واستخلف أبو عبيدة على اليرموك بشير بن كعب في خيل هناك‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 21‏)‏ 
  وقعة جرت بالعراق بعد مجيء خالد إلى الشام 
وذلك أن أهل فارس اجتمعوا بعد مقتل ملكهم وابنه على تمليك شهريار بن أزدشير بن شهريار، واستغنموا غيبة خالد عنهم فبعثوا إلى نائبه المثنى بن حارثة جيشاً كثيفاً نحواً من عشرة آلاف عليهم هرمز بن حادويه، وكتب شهريار إلى المثنى‏:‏ إني قد بعثت إليك جنداً من وحش أهل فارس، إنما هم رعاة الدجاج والخنازير، ولست أقاتلك إلا بهم‏.‏ 
فكتب إليه المثنى‏:‏ من المثنى إلى شهريار إنما أنت أحد رجلين‏:‏ إما باغ لذلك شر لك وخير لنا، وإما كاذب فأعظم الكاذبين عقوبة وفضيحة عند الله في الناس الملوك، وأما الذي يدلنا عليه الرأي فإنكم إنما اضطررتم إليهم، فالحمد الله الذي رد كيدكم إلى رعاة الدجاج والخنازير‏.‏ 
قال‏:‏ فجزع أهل فارس من هذا الكتاب، ولاموا شهريار على كتابه إليه واستهجنوا رأيه‏.‏ 
وسار المثنى من الحرة إلى بابل، ولما التقى المثنى وجيشهم بمكان عند عدوة الصراة الأولى، اقتتلوا قتالاً شديداً جداً، وأرسل الفرس فيلاً بين صفوف الخيل ليفرق خيول المسلمين، فحمل عليه أمير المسلمين المثنى بن الحارثة فقتله، وأمر المسلمين فحملوا، فلم تكن إلا هزيمة الفرس فقتلوهم قتلاً ذريعاً، وغنموا منهم مالاً عظيماً، وفرت الفرس حتى انتهوا إلى المدائن في شر حالة، ووجدوا الملك قد مات فملكوا عليهم ابنة كسرى بوران بنت أبرويز فأقامت العدل، وأحسنت السيرة، فأقامت سنة وسبع شهور، ثم ماتت فملكوا عليهم أختها آزرميدخت زنان فلم ينتظم لهم أمر، فملكوا عليهم سابور بن شهريار وجعلوا أمره إلى الفرخزاذ بن البندوان فزوجه سابور بابنه كسرى آزرميدخت فكرهت ذلك وقالت‏:‏ إنما هذا عبد من عبيدنا فلما كان ليلة عرسها عليه هموا إليه فقتلوه، ثم ساروا إلى سابور فقتلوه أيضاً، وملكوا عليهم هذه المرأة وهي آزرمدخيت ابنة كسرى، ولعبت فارس بملكها لعباً كثيراً، وآخر ما استقر أمرهم عليه في هذه السنة أن ملكوا امرأة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ 
‏(‏‏(‏لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة‏)‏‏)‏‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 22‏)‏ 
وفي هذه الوقعة التي ذكرنا يقول عبدة بن الطبيب السعدي، وكان قد هاجر لمهاجرة حليلة له حتى شهد وقعة بابل هذه، فلما آيسته رجع إلى البادية وقال‏:‏ 
هل حبل خولة بعد البين موصول * أم أنت عنها بعيد الدار مشغول 
وللأحبة أيام تذكرها * وللنوى قبل يوم البين تأويل 
حلَّت خويلة في حي عهدتهم * دون المدينة فيها الديك والفيل 
يقارعون رؤس العجم ضاحية * منهم فوارس لا عزل ولا ميل 
وقد قال الفرزدق في شعره يذكر قتل المثنى ذلك الفيل‏:‏ 
وبيت المثنى قاتل الفيل عنوة * ببابل إذ في فارس ملك بابل 
ثم إن المثنى بن حارثة استبطأ أخبار الصديق لتشاغله بأهل الشام، وما فيه من حرب اليرموك المتقدم ذكره، فسار المثنى بنفسه إلى الصديق، واستناب على العراق بشير بن الخصاصية، وعلى المسالح سعيد بن مرة العجلي، فلما انتهى المثنى إلى المدينة وجد الصديق في آخر مرض الموت‏.‏ 
وقد عهد إلى عمر بن الخطاب، ولما رأى الصديق المثنى قال لعمر‏:‏ إذا أنا مت فلا تمسين حتى تندب الناس لحرب أهل العراق مع المثنى، وإذا فتح الله على أمرائنا بالشام فاردد أصحاب خالد إلى العراق فإنهم أعلم بحربه‏.‏ 
فلما مات الصديق ندب عمر المسلمين إلى الجهاد بأرض العراق لقلة من بقي فيه من المقاتلة بعد خالد بن الوليد، فانتدب خلقاً، وأمر عليهم أبا عبيدة بن مسعود، وكان شاباً شجاعاً خبيراً بالحرب والمكيدة، وهذا آخر ما يتعلق بخبر العراق إلى آخر أيام الصديق، وأول دولة الفاروق‏.‏ 
  خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه 
كانت وفاة الصديق رضي الله عنه في يوم الاثنين عشية، وقيل‏:‏ بعد المغرب، ودفن من ليلته، وذلك لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة بعد مرض خمسة عشر يوماً‏.‏ 
وكان عمر بن الخطاب يصلي عنه فيها بالمسلمين، وفي أثناء هذا المرض عهد بالأمر من بعده إلى عمر بن الخطاب، وكان الذي كتب العهد عثمان بن عفان، وقرىء على المسلمين فأقروا به وسمعوا له وأطاعوا‏.‏ 
فكانت خلافة الصديق سنتين وثلاثة أشهر، وكان عمره يوم توفي ثلاثاً وستين سنة، للسن الذي توفي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جمع الله بينهما في التربة، كما جمع بينهما في الحياة، فرضي الله عنه وأرضاه‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 23‏)‏ 
قال محمد بن سعد، عن أبي قطن عمرو بن الهيثم، عن ربيع بن حسان الصائغ قال‏:‏ كان نقش خاتم أبي بكر ‏(‏نعم القادر الله‏)‏‏.‏ 
وهذا غريب‏.‏ 
وقد ذكرنا ترجمة الصديق رضي الله عنه، وسيرته وأيامه وما روي من الأحاديث، وما روي عنه من الأحكام في مجلد ولله الحمد والمنة‏.‏ 
فقام بالأمر من بعده أتم القيام الفاروق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه‏.‏ 
وهو أول من سمي بأمير المؤمنين‏.‏ 
وكان أول من حياه بها المغيرة بن شعبة، وقيل‏:‏ غيره كما بسطنا ذلك في ترجمة عمر بن الخطاب وسيرته التي أفردناها في مجلد، ومسنده والآثار المروية مرتباً على الأبواب في مجلد آخر ولله الحمد‏.‏ 
وقد كتب بوفاة الصديق إلى أمراء الشام مع شداد بن أوس، ومحمد بن جريح، فوصلا والناس مصافون وجيوش الروم يوم اليرموك كما قدمنا، وقد أمر عمر على الجيوش أبا عبيدة حين ولاه وعزل خالد بن الوليد‏.‏ 
وذكر سلمة عن محمد بن إسحاق‏:‏ أن عمر إنما عزل خالد لكلام بلغه عنه، ولما كان من أمر مالك بن نويرة، وما كان يعتمده في حربه‏.‏ 
فلما ولي عمر كان أول ما تكلم به أن عزل خالداً، وقال‏:‏ لا يلي لي عملاً أبداً‏.‏ 
وكتب عمر إلى أبي عبيدة‏:‏ إن أكذب خالد نفسه فهو أمير على ما كان عليه، وإن لم يكذب نفسه فهو معزول، فأنزع عمامته عن رأسه وقاسمه ماله نصفين‏.‏ 
فلما قال أبو عبيدة ذلك لخالد قال له خالد‏:‏ أمهلني حتى استشير أختي، فذهب إلى أخته فاطمة - وكانت تحت الحارث بن هشام - فاستشارها في ذلك، فقالت له‏:‏ إن عمر لا يحبك أبداً، وإنه سيعزلك وإن كذبت نفسك‏.‏ 
فقال لها‏:‏ صدقت والله، فقاسمه أبو عبيدة حتى أخذ إحدى نعليه وترك له الآخرة، وخالد يقول‏:‏ سمعاً وطاعة لأمير المؤمنين‏.‏ 
وقد روى ابن جرير عن صالح بن كيسان أنه قال‏:‏ أول كتاب كتبه عمر إلى أبي عبيدة حين ولاه وعزل خالداً أن قال‏:‏ وأوصيك بتقوى الله الذي يبقى ويفنى ما سواه، الذي هدانا من الضلالة، وأخرجنا من الظلمات إلى النور، وقد استعملتك على جند خالد بن الوليد فقم بأمرهم الذي يحق عليك، ولا تقدم المسلمين إلى هلكة رجاء غنيمة، ولا تنزلهم منزلاً قبل أن تستريده لهم وتعلم كيف ماتاه، ولا تبعث سرية إلا في كثف من الناس، وإياك وإلقاء المسلمين في الهلكة، وقد أبلاك الله بي وأبلاني بك، فغض بصرك عن الدنيا، وأله قلبك عنها، وإياك أن تهلكك كما أهلكت من كان قبلك، فقد رأيت مصارعهم‏.‏ 
وأمرهم بالمسير إلى دمشق، وكان بعدما بلغه الخبر بفتح اليرموك وجاءته به البشارة، وحمل الخمس إليه‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 24‏)‏ 
وقد ذكر ابن إسحاق أن الصحابة قاتلوا بعد اليرموك أجنادين، ثم بفحل من أرض الغور قريباً من بيسان بمكان يقال له‏:‏ الردغة سمي بذلك لكثرة ما لقوا من الأوحال فيها، فأغلقوها عليهم، وأحاط بها الصحابة‏.‏ 
قال‏:‏ وحينئذ جاءت الإمارة لأبي عبيدة من جهة عمر وعزل خالد، وهذا الذي ذكره بن إسحاق من مجيء الإمارة لأبي عبيدة في حصار دمشق هو المشهور‏.‏ 
  فتح دمشق 
قال سيف بن عمر‏:‏ لما ارتحل أبو عبيدة من اليرموك فنزل بالجنود على مرج الصفر وهو عازم على حصار دمشق إذ أتاه الخبر بقدوم مددهم من حمص، وجاءه الخبر بأنه قد اجتمع طائفة كبيرة من الروم بفحل من أرض فلسطين وهو لا يدري بأي الأمرين يبدأ‏.‏ 
فكتب إلى عمر في ذلك، فجاء الجواب‏:‏ أن ابدأ بدمشق فإنها حصن الشام وبيت مملكتهم، فانهد لها واشغلوا عنكم أهل فحل بخيول تكون تلقاءهم، فإن فتحها الله قبل دمشق فذلك الذي نحب، وإن فتحت دمشق قبلها فسر أنت ومن معك واستخلف على دمشق، فإذا فتح الله عليكم فحل فسر أنت وخالد إلى حمص واترك عمراً وشرحبيل على الأردن وفلسطين‏.‏ 
قال فسرح أبو عبيدة إلى فحل عشرة أمراء مع كل أمير خمسة أمراء وعلى الجميع عمارة بن مخشى الصحابي، فساروا من مرج الصفر إلى فحل، فوجدوا الروم هنالك قريباً من ثمانين ألفاً، وقد أرسلوا المياه حولهم حتى أردغت الأرض فسموا ذلك الموضع الردغة‏.‏ 
وفتحها الله 