ار، وأنهم في صحراء وهناك جبل إن أسندوا إليه لم يؤتوا إلا من وجه واحد، فنادى من الغد الصلاة جامعة، حتى إذا كانت الساعة التي رأى أنهم اجتمعوا فيها، خرج إلى الناس وصعد المنبر، فخطب الناس وأخبرهم بصفة ما رأى، ثم قال‏:‏ يا سارية الجبلَ الجبلَ، ثم أقبل عليهم، وقال‏:‏ إن لله جنوداً ولعل بعضها أن يبلغهم‏.‏ 
قال‏:‏ ففعلوا ما قال عمر، فنصرهم الله على عدوهم، وفتحوا البلد‏.‏ 
وذكر سيف في رواية أخرى عن شيوخه‏:‏ أن عمر بينما هو يخطب يوم الجمعة إذ قال‏:‏ يا سارية بن زُنَيم، الجبلَ الجبلَ‏.‏ 
فلجأ المسلمون إلى جبل هناك فلم يقدر العدو عليهم إلا من جهة واحدة فأظفرهم الله بهم، وفتحوا البلد‏.‏ 
وغنموا شيئاً كثيراً، فكان من جملة ذلك سفط من جوهر فاستوهبه سارية من المسلمين لعمر، فلما وصل إليه مع الأخماس قدم الرسول بالخمس، فوجد عمر قائماً في يده عصا وهو يطعم المسلمين سماطهم، فلما رآه عمر قال له‏:‏ اجلس - ولم يعرفه - فجلس الرجل فأكل مع الناس، فلما فرغوا انطلق عمر إلى منزله واتبعه الرجل، فاستأذن فأذن له وإذا هو قد وضع له خبز وزيت وملح، فقال‏:‏ ادن فكل‏.‏ 
قال‏:‏ فجلست فجعل يقول لامرأته‏:‏ ألا تخرجين يا هذه فتأكلين‏؟‏ 
فقالت‏:‏ إني اسمع حس رجل عندك‏.‏ 
فقال‏:‏ أوما ترضين أن يقال أم كلثوم بنت عمر على وامرأة عمر‏.‏ 
فقالت‏:‏ ما أقل غناء ذلك عني‏.‏ 
ثم قال للرجل‏:‏ ادن فكل، فلو كانت راضية لكان أطيب مما ترى‏.‏ فـأكلا فلما فرغا قال‏:‏ أنا رسول سارية بن زنيم يا أمير المؤمنين‏.‏ 
فقال‏:‏ مرحباً وأهلاً، ثم أدناه حتى مست ركبته ركبته، ثم سأله عن المسلمين، ثم سأله عن سارية بن زنيم فأخبره، ثم ذكر له شأن السفط من الجوهر، فأبى أن يقبله، وأمر برده إلى الجند‏.‏ 
وقد سأل أهل المدينة رسول سارية عن الفتح فأخبرهم فسألوه‏:‏ هل سمعوا صوتاً يوم الوقعة‏؟‏ 
قال‏:‏ نعم‏.‏ سمعنا قائلاً يقول‏:‏ يا سارية الجبل، وقد كدنا نهلك فلجأنا إليه، ففتح الله‏.‏ 
ثم رواه سيف‏:‏ عن مجالد، عن الشعبي بنحو هذا‏.‏ 
وقال عبد الله بن وهب‏:‏ عن يحيى بن أيوب، عن ابن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر‏:‏ أن عمر وجه جيشاً، ورأس عليهم رجلاً يقال له‏:‏ سارية، قال‏:‏ فبينما عمر يخطب فجعل ينادي‏:‏ يا ساري الجبل يا ساري الجبل، ثلاثاً‏.‏ 
ثم قدم رسول الجيش فسأله عمر فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين هزمنا، فبينما نحن كذلك إذا سمعنا منادياً‏:‏ يا سارية الجبل ثلاثاً، فأسندنا ظهورنا بالجبل، فهزمهم الله‏.‏ 
قال‏:‏ فقيل لعمر‏:‏ إنك كنت تصيح بذلك‏.‏ 
وهذا إسناد جيد حسن‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 148‏)‏ 
وقال الواقدي‏:‏ حدثني نافع بن أبي نعيم، عن نافع مولى ابن عمر أن عمر قال على المنبر‏:‏ يا سارية بن زنيم الجبل، فلم يدر الناس ما يقول حتى قدم سارية بن زنيم المدينة على عمر فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين، كنا محاصري العدو فكنا نقيم الأيام لا يخرج علينا منهم أحد، نحن في خفض من الأرض وهم في حصن عال، فسمعت صائحاً ينادي بكذا وكذا‏:‏ يا سارية بن زنيم الجبل، فعلوت بأصحابي الجبل، فما كان إلا ساعة حتى فتح الله علينا‏.‏ 
وقد رواه الحافظ أبو القاسم اللالكائي‏:‏ من طريق مالك، عن نافع، عن ابن عمر بنحوه، وفي صحته من حديث مالك نظر‏.‏ 
وقال الواقدي‏:‏ حدثني أسامة بن زيد، عن أسلم، عن أبيه، وأبو سليمان، عن يعقوب بن زيد قالا‏:‏ خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوم الجمعة إلى الصلاة، فصعد المنبر ثم صاح‏:‏ يا سارية بن زنيم الجبل، يا سارية بن زنيم الجبل، ظلم من استرعى الذئب الغنم، ثم خطب حتى فرغ‏.‏ 
فجاء كتاب سارية إلى عمر‏:‏ أن الله قد فتح علينا يوم الجمعة ساعة كذا وكذا - لتلك الساعة التي خرج فيها عمر فتكلم على المنبر - قال سارية‏:‏ 
فسمعت صوتاً‏:‏ يا سارية بن زنيم الجبل، يا سارية بن زنيم الجبل، ظلم من استرعى الذئب الغنم، فعلوت بأصحابي الجبل، ونحن قبل ذلك في بطن واد، ونحن محاصروا العدو، ففتح الله علينا‏.‏ 
فقيل لعمر بن الخطاب‏:‏ ما ذلك الكلام ‏؟‏‏.‏ 
فقال‏:‏ والله ما ألقيت له إلا بشيء ألقي علي لساني‏.‏ 
فهذه طرق يشد بعضها بعضاً‏.‏ 
  فتح كرمان وسجستان ومكران 
ثم ذكر ابن جرير طريق سيف عن شيوخه فتح كرمان على يدي سهيل بن عدي، وأمده عبد الله بن عبد الله بن عتبان‏.‏ 
وقيل‏:‏ على يدي عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي، وذكر فتح سجستان على يدي عاصم بن عمرو، بعد قتال شديد وكانت ثغورها متسعة، وبلادها متنائية، ما بين السند إلى نهر بلخ، وكانوا يقاتلون القُنْدُهار، والترك من ثغورها وفروجها‏.‏ 
وذكر فتح مكران على يدي الحكم بن عمرو، وأمده بشهاب بن المخارق بن شهاب، وسهيل بن عدي، وعبد الله بن عبد الله، واقتتلوا مع ملك السند فهزم الله جموع السند، وغنم المسلمون منهم غنيمة كثيرة، وكتب الحكم بن عمرو بالفتح، وبعث بالأخماس مع صحار العبدي‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 149‏)‏ 
فلما قدم على عمر سأله عن أرض مكران فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين أرض سهلها جبل، وماؤها وشل، وثمرها دَقَلْ، وعدوها بطل، وخيرها قليل، وشرها طويل، والكثير بها قليل، والقليل بها ضائع، وماوراءها شر منها‏.‏ 
فقال عمر‏:‏ أسَجَّاعٌ أنت أم مخبر ‏؟‏‏.‏ 
فقال‏:‏ لا بل مخبر، فكتب عمر إلى الحكم بن عمرو أن لا يغزو بعد ذلك مكران، وليقتصروا على مادون النهر‏.‏ 
وقد قال الحكم بن عمر في ذلك‏:‏ 
لقد شبع الأرامل غير فخر * بفيء جاءهم من مكرانِ 
أتاهم بعد مسغبة وجهد * وقد صَفَر الشتاء من الدخانِ 
فإني لا يذم الجيش فعلي * ولا سيفي يذم ولا لساني 
غداة أدافع الأوباش دفعاً * إلى السند العريضة والمداني 
ومهران لنا فيما أردنا * مطيع غير مسترخي العناني 
فلولا ما نهى عنه أميري * قطعناه إلى البدد الزواني 
  غزة الأكراد 
ثم ذكر ابن جرير بسنده عن سيف، عن شيوخه‏:‏ أن جماعة من الأكراد، والتف إليهم طائفة من الفرس اجتمعوا، فلقيهم أبو موسى بمكان من أرض بيروذ قريب من نهر تيري، ثم سار عنهم أبو موسى إلى أصبهان، وقد استخلف على حربهم الربيع بن زياد بعد مقتل أخيه المهاجر بن زياد، فتسلم الحرب وحنق عليهم، فهزم الله العدو، وله الحمد والمنة، كما هي عادته المستمرة، وسنته المستقرة، في عباده المؤمنين، وحزبه المفلحين، من أتباع سيد المرسلين‏.‏ 
ثم خمست الغنيمة، وبعث بالفتح والخمس إلى عمر رضي الله عنه، وقد سار ضبة بن محصن العنزي فاشتكى أبا موسى إلى عمر، وذكر عنه أموراً لا ينقم عليه بسببها، فاستدعاه عمر فسأله عنها، فاعتذر منها بوجوه مقبولة فسمعها عمرو وقبلها، ورده إلى عمله، وعذر ضبه فيما تأوله، ومات عمر وأبو موسى على صلاة البصرة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 150‏)‏ 
  خبر سلمة بن قيس الأشجعي والأكراد 
بعثه عمر على سرية ووصاه بوصايا كثيرة بمضمون حديث بريدة في صحيح مسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏اغزوا بسم الله، قاتلوا من كفر بالله‏)‏‏)‏ الحديث إلى آخره‏.‏ 
فساروا فلقوا جمعاً من المشركين، فدعوهم إلى إحدى ثلاث خلال، فأبوا أن يقبلوا واحدة منها، فقاتلوهم فقتلوا مقاتلتهم، وسبوا ذراريهم، وغنموا أموالهم‏.‏ 
ثم بعث سلمة بن قيس رسولاً إلى عمر بالفتح وبالغنائم، فذكروا وروده على عمر، وهو يطعم الناس، وذهابه معه إلى منزله، كنحو ما تقدم من قصة أم كلثوم بنت علي، وطلبها الكسوة كما يكسي طلحة وغيرة أزواجهم‏.‏ 
فقال‏:‏ ألا يكفيك أن يقال‏:‏ بنت علي، وامرأة أمير المؤمنين، ثم ذكر طعامه الخشن وشرابه من سلت، ثم شرع يستعمله عن أخبار المهاجرين، وكيف طعامهم وأشعارهم، وهل يأكلون اللحم الذي هو شجرتهم، ولا بقاء للعرب دونه شجرتهم، وذكر عرضه عليه ذلك السفط من الجوهر، فأبى أن يأخذه، وأقسم على ذلك، وأمره بأن يرده فيقسم بين الغانمين‏.‏ 
وقد أورده ابن جرير مطولاً جداً‏.‏ 
  وقال ابن جرير‏:‏ وفي هذه السنة حج عمر بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وهي آخر حجة حجها رضي الله عنه‏.‏ 
قال‏:‏ وهي هذه السنة كانت وفاته، ثم ذكر صفة قتله مطولاً أيضاً، وقد ذكرت ذلك مستقصى في آخر سيرة عمر، فليكتب من هناك إلى هنا‏.‏ 
وهو‏:‏ عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رباح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان القرشي، أبو حفص العدوي، الملقب‏:‏ بالفاروق‏.‏ 
قيل‏:‏ لقبه بذلك أهل الكتاب، وأمه‏:‏ حنتمة بنت هشام أخت أبي جهل بن هشام‏.‏ 
أسلم عمر وعمره سبع وعشرين سنة، وشهد بدراً وأحداً والمشاهد كلها مع النبي صلى الله عليه وسلم، وخرج في عدة سرايا، وكان أميراً على بعضها، وهو أول من دعي أمير المؤمنين، وأول من كتب التاريخ، وجمع الناس على التراويح‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 151‏)‏ 
وأول من عس بالمدينة، وحمل الدرة وأدب بها، وجلد في الخمر ثمانين، وفتح الفتوح، ومصر الأمصار، وجند الأنجاد، ووضع الخراج، ودون الدواوين، وعرض الأعطية، واستقضى القضاة، وكور الكور، مثل‏:‏ السواد والآهواز والجبال وفارس وغيرها، وفتح الشام كله، والجزيرة، والموصل، وميافارقين، وأرمينية، ومصر، وإسكندرية‏.‏ 
ومات عساكره على بلاد الري‏.‏ فتح من الشام اليرموك وبصرى ودمشق والأردن وبيسان وطبرية والجابية، وفلسطين والرملة وعسقلان، وغزة، والسواحل، والقدس، وفتح مصر، وإسكندرية، وطرابلس الغرب، وبرقة‏.‏ 
ومن مدن الشام‏:‏ بعلبك وحمص وقنسرين وحلب وأنطاكية، وفتح الجزيرة وحران والرها والرقة ونصيبين ورأس عين وشمشاط وعين وردة وديار بكر وديار ربيعة وبلاد الموصل وأرمينية جميعها‏.‏ 
وبالعراق‏:‏ القادسية والحيرة ونهرسير وساباط ومدائن كسرى وكورة الفرات ودجلة والأبلة والبصرة والأهواز وفارس ونهاوند وهمذان والري وقومس وخراسان، واصطخر، وأصبهان، والسوس، ومرو، ونيسابور، وجرجان، وأذربيجان، وغير ذلك‏.‏ 
وقطعت جيوشه النهر مراراً، وكان متواضعاً في الله، خشن العيش، خشن المطعم، شديداً في ذات الله، يرقع الثوب بالأديم، ويحمل القربة على كتفه مع عظم هيبته، ويركب الحمار عرياً، والبعير مخطوماً بالليف، وكان قليل الضحك لا يمازح أحداً، وكان نقش خاتمه‏:‏ كفى بالموت واعظاً يا عمر‏.‏ 
وقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏أشد أمتي في دين الله عمر‏)‏‏)‏‏.‏ 
وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏إن لي وزيرين من أهل السماء، ووزيرين من أهل الأرض، فوزيراي من أهل السماء جبريل وميكائيل ووزيراي من أهل الأرض أبو بكر وعمر، وإنهما السمع والبصر‏)‏‏)‏‏.‏ 
وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏إن الشيطان يفرق من عمر‏)‏‏)‏‏.‏ 
وقال‏:‏ ‏(‏‏(‏أرحم أمتي أبو بكر، وأشدها في دين الله عمر‏)‏‏)‏‏.‏ 
وقيل لعمر‏:‏ إنك قضاء‏.‏ 
فقال‏:‏ الحمد لله الذي ملأ له قلبي رحماً، وملأ قلوبهم لي رعباً‏.‏ 
وقال عمر‏:‏ لا يحل لي من مال الله إلا حلتان‏:‏ حلة للشتاء وحلة للصيف، وقوت أهلي كرجل من قريش ليس بأغناهم، ثم أنا رجل من المسلمين‏.‏ 
وكان عمر إذا استعمل عاملاً‏:‏ كتب له عهداً وأشهد عليه رهطاً من المهاجرين، واشترط عليه أن لا يركب برذوناً، ولا يأكل نقياً، ولا يلبس رقيقاً، ولا يغلق بابه دون ذوي الحاجات‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 152‏)‏ 
فإن فعل شيئاً من ذلك، حملت عليه العقوبة‏.‏ 
وقيل‏:‏ أنه كان إذا حدثه الرجل بالحديث فيكذب فيه الكلمة والكلمتين فيقول عمر‏:‏ احبس هذه، احبس هذه، فيقول الرجل‏:‏ والله كلما حدثتك به حق غير ما أمرتني أن أحبسه‏.‏ 
وقال معاوية بن أبي سفيان‏:‏ أما أبو بكر فلم يرد الدنيا، وأما عمر فأرادته فلم يردها، وأما نحن فتمرغنا فيها ظهراً لبطن‏.‏ 
وعوتب عمر فقيل له‏:‏ لو أكلت طعاماً طيباً كان أقوى لك على الحق ‏؟‏‏.‏ 
فقال‏:‏ إني تركت صاحبي على جادة، فإن أدركت جادتهما فلم أدركهما في المنزل، وكان يلبس وهو خليفة جبة صوف مرقوعة بعضها بأدم، ويطوف بالأسواق على عاتقه الدرة يؤدب بها الناس، وإذا مر بالنوى وغيره يلتقطه ويرمي به في منازل الناس ينتفعون به‏.‏ 
قال أنس‏:‏ كان بين كتفي عمر أربع رقاع، وإزاره بأدم‏.‏ وخطب على المنبر وعليه إزار فيه اثني عشر رقعة، وأنفق في حجته ستة عشر ديناراً، وقال لابنه‏:‏ قد أسرفنا‏.‏ 
وكان لا يستظل بشيء غير أنه كان يلقي كساءه على الشجرة ويستظل تحته، وليس له خيمة ولا فسطاط‏.‏ 
ولما قدم 