 وأعطاهم شاة وقدراً، ولم يعلمهم بما جرى له، فأصبح فمات فدفنوه‏.‏ 
ذكره ابن عبد البر وابن الأثير في ‏(‏أسماء الصحابة‏)‏‏.‏ 
والظاهر‏:‏ أنه ليست له وفادة، وإنما أسلم في حياة النبي فهو مخضرم والله أعلم‏.‏ 
أبو ليلى عبد الرحمن 
ابن كعب بن عمرو الأنصاري شهد أحداً وما بعدها، إلا تبوك فإنه تخلف لعذر الفقر، وهو أحد البكائين المذكورين‏.‏ 
سودة بنت زمعة 
القرشية العامرية أم المؤمنين، أول من دخل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد خديجة رضي الله عنها، وكانت صوامة قوامة‏.‏ 
ويقال‏:‏ كان في خلقها حدة، وقد كبرت، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفارقها - ويقال‏:‏ بل فارقها - فقالت‏:‏ يا رسول الله لا تفارقني وأنا أجعل يومي لعائشة، فتركها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصالحها على ذلك‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 163‏)‏ 
وفي ذلك أنزل الله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ‏}‏ الآية ‏[‏النساء‏:‏ 128‏]‏‏.‏ 
قالت عائشة‏:‏ نزلت في سودة بنت زمعة‏.‏ توفيت في خلافة عمر بن الخطاب‏.‏ 
هند بنت عتبة 
يقال‏:‏ ماتت في خلافة عمر‏.‏ 
وقيل‏:‏ توفيت قبل ذلك كما تقدم فالله أعلم‏.‏ 
  خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان ثم استهلت سنة أربع وعشرين 
ففي أول يوم منها‏:‏ دفن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وذلك يوم الأحد في قول، وبعد ثلاث أيام بويع أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه‏.‏ 
كان عمر رضي الله عنه قد جعل الأمر بعده شورى بين ستة نفر، وهم‏:‏ عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم، وتحرج أن يجعلها لواحد من هؤلاء على التعيين‏.‏ 
وقال‏:‏ لا أتحمل أمرهم حياً وميتاً، وإن يرد الله بكم خيراً يجمعكم على خير هؤلاء، كما جمعكم على خيركم بعد نبيكم صلى الله عليه وسلم‏.‏ 
ومن تمام ورعة لم يذكر في الشورى سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل لأنه ابن عمه، خشي أن يراعى فيولى لكونه ابن عمه، فلذلك تركه‏.‏ 
وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، بل جاء في رواية المدائني عن شيوخه‏:‏ أنه استثناه من بينهم، وقال‏:‏ لست مدخله فيهم‏.‏ 
وقال لأهل الشورى‏:‏ يحضركم عبد الله - يعني‏:‏ ابنه - وليس إليه من الأمر شيء - يعني‏:‏ بل يحضر الشورى ويشير بالنصح ولا يولي شيئاً - وأوصى أن يصلي بالناس صهيب بن سنان الرومي ثلاثة أيام حتى تنقضي الشورى، وأن يجتمع أهل الشورى ويوكل بهم أناس حتى ينبرم الأمر، ووكل بهم خمسين رجلاً من المسلمين، وجعل عليهم مستحثاً أبا طلحة الأنصاري، والمقداد بن الأسود الكندي‏.‏ 
وقد قال عمر بن الخطاب‏:‏ ما أظن الناس يعدلون بعثمان وعلي أحداً، إنهما كانا يكتبان الوحي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بما ينزل به جبريل عليه‏.‏ 
قالوا‏:‏ فلما مات عمر رضي الله عنه، وأحضرت جنازته تبادر إليها علي وعثمان أيهما يصلي عليه، فقال لهما عبد الرحمن بن عوف‏:‏ لستما من هذا في شيء، إنما هذا إلى صهيب الذي أمره عمر أن يصلي بالناس‏.‏ 
‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 164‏)‏ 
فتقدم صهيب وصلى عليه، ونزل في قبره مع ابنه عبد الله أهل الشورى سوى طلحة فإنه كان غائباً، فلما فرغ من شأن عمر جمعهم المقداد بن الأسود في بيت المسور بن مخرمة‏.‏ 
وقيل‏:‏ في حجرة عائشة‏.‏ 
وقيل‏:‏ في بيت المال‏.‏ 
وقيل‏:‏ في بيت فاطمة بنت قيس أخت الضحاك بن قيس، والأول أشبه والله أعلم‏.‏ 
فجلسوا في البيت وقام أبو طلحة يحجبهم، وجاء عمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة فجلسا من وراء الباب، فحصبهم سعد بن أبي وقاص وطردهما، وقال‏:‏ جئتما لتقولا حضرنا أمر الشورى ‏؟‏ 
رواه المدائني عن مشايخه والله أعلم بصحته‏.‏ 
والمقصود‏:‏ أن القوم خلصوا من الناس في بيت يتشاورون في أمرهم فكثر القول وعلت الأصوات، وقال أبو طلحة‏:‏ إني كنت أظن أن تدافعوها ولم أكن أظن أن تنافسوها، ثم صار الأمر بعد حضور طلحة إلى أن فوض ثلاثة منهم مالهم في ذلك إلى ثلاثة، ففوض الزبير ما يستحقه من الإمارة إلى علي، وفوض سعد ماله في ذلك إلى عبد الرحمن بن عوف، وترك طلحة حقه إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه‏.‏ 
فقال عبد الرحمن لعلي وعثمان‏:‏ أيكما يبرأ من هذا الأمر فنفوض الأمر إليه والله عليه والإسلام ليولين أفضل الرجلين الباقيين‏.‏ 
فأسكت الشيخان علي وعثمان، فقال عبد الرحمن‏:‏ إني أترك حقي من ذلك والله علي الإسلام أن أجتهد فأولي أولاكما بالحق، فقالا‏:‏ نعم ‏!‏‏.‏ 
ثم خاطب كل واحد منهما بما فيه من الفضل، وأخذ عليه العهد والميثاق لئن ولاه ليعدلن ولئن ولي عليه ليسمعن وليطيعن‏.‏ 
فقال كل منهما‏:‏ نعم ‏!‏‏.‏ ثم تفرقوا‏.‏ 
ويروى‏:‏ أن أهل الشورى جعلوا الأمر إلى عبد الرحمن ليجتهد للمسلمين في أفضلهم ليوليه، فيذكر أنه سأل من يمكنه سؤاله من أهل الشورى وغيرهم فلا يشير إلا بعثمان بن عفان، حتى أنه قال لعلي‏:‏ أرأيت إن لم أولك بمن تشير به عليَّ ‏؟‏‏.‏ 
قال‏:‏ بعثمان‏.‏ 
وقال لعثمان‏:‏ أرأيت إن لم أولك بمن تشير به ‏؟‏‏.‏ 
قال‏:‏ بعلي بن أبي طالب‏.‏ 
والظاهر‏:‏ أن هذا كان قبل أن ينحصر الأمر في ثلاثة، وينخلع عبد الرحمن منها ينظر الأفضل، والله عليه والإسلام ليجتهدن في أفضل الرجلين فيوليه‏.‏ 
ثم نهض عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه يستشير الناس فيهما، ويجمع رأي المسلمين برأي رؤس الناس وأقيادهم جميعاً وأشتاتاً مثنى وفرادى ومجتمعين، سراً وجهراً، حتى خلص إلى النساء المخدرات في حجابهن، وحتى سأل الولدان في المكاتب‏.‏ 
وحتى سأل من يرد بمن الركبان والأعراب إلى المدينة في مدة ثلاثة أيام بلياليها، فلم يجد اثنين يختلفان في تقدم عثمان بن عفان إلا ما ينقل عن عمار والمقداد أنهما أشارا بعلي بن أبي طالب، ثم بايعا مع الناس على ما سنذكره‏.‏ 
فسعى في ذلك عبد الرحمن ثلاثة أيام بلياليها لا يغتمض بكثير نوم إلا صلاة ودعاءاً واستخارةً، وسؤالاً من ذوي الرأي عنهم، فلم يجداً أحداً يعدل بعثمان بن عفان رضي الله عنه، فلما كانت الليلة يسفر صباحها عن اليوم الرابع من موت عمر بن الخطاب، جاء إلى منزل ابن أخته المسور بن مخرمة فقال‏:‏ أنائم يا مسور، والله لم أغتمض بكثير نوم منذ ثلاث اذهب فادع إليَّ علياً وعثمان‏.‏ 
قال المسور‏:‏ فقلت‏:‏ بأيهما أبدأ‏؟‏ 
فقال‏:‏ بأيهما شئت‏.‏ 
قال‏:‏ فذهبت إلى علي فقلت‏:‏ أجب خالي، فقال‏:‏ أمرك أن تدعو معي أحداً‏؟‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 165‏)‏ 
قلت‏:‏ نعم ‏!‏‏.‏ 
قال‏:‏ من ‏؟‏ 
قلت‏:‏ عثمان بن عفان‏.‏ 
قال‏:‏ بأينا بدأ‏؟‏ 
قلت‏:‏ لم يأمرني بذلك، بل قال‏:‏ ادع لي أيهما شئت أولاً، فجئت إليك، قال‏:‏ فخرج معي فلما مررنا بدار عثمان بن عفان جلس عليَّ حتى دخلت فوجدته يوتر مع الفجر، فقال لي كما قال لي علي سواء، ثم خرج فدخلت بهما على خالي وهو قائم يصلي، فلما انصرف أقبل على علي وعثمان، فقال‏:‏ إني قد سألت الناس عنكما، فلم أجد أحداً يعدل بكما أحداً، ثم أخذ العهد على كل منهما أيضاً لئن ولاه ليعدلن، ولئن ولي عليه ليسمعن وليطيعن، ثم خرج بهما إلى المسجد وقد لبس عبد الرحمن العمامة التي عمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقلد سيفاً، وبعث إلى وجوه الناس من المهاجرين والأنصار، ونودي في الناس عامة الصلاة جامعة، فامتلأ المسجد حتى غص بالناس، وتراص الناس وتراصوا حتى لم يبق لعثمان موضع يجلس إلا في أخريات الناس - وكان رجلاً حيياً رضي الله عنه -‏.‏ 
ثم صعد عبد الرحمن بن عوف منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقف وقوفاً طويلاً، ودعا دعاءً طويلاً لم يسمعه الناس ثم تكلم فقال‏:‏ أيها الناس، إني سألتكم سراً وجهراً بأمانيكم، فلم أجدكم تعدلون بأحد هذين الرجلين، إما علي وأما عثمان، فقم إلي يا علي فقام إليه فوقف تحت المنبر، فأخذ عبد الرحمن بيده، فقال‏:‏ هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وفعل أبي بكر وعمر‏؟‏ 
قال‏:‏ اللهم لا ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي، قال‏:‏ فأرسل يده، وقال‏:‏ قم إلي يا عثمان، فأخذ بيده فقال‏:‏ هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وفعل أبي بكر وعمر‏؟‏ 
قال‏:‏ اللهم نعم‏!‏ 
قال‏:‏ فرفع رأسه إلى سقف المسجد ويده في يد عثمان فقال‏:‏ اللهم اسمع واشهد، اللهم اسمع واشهد، اللهم اسمع واشهد، اللهم إني قد خلعت ما في رقبتي من ذلك في رقبة عثمان‏.‏ 
قال‏:‏ وازدحم الناس يبايعون عثمان حتى غشوه تحت المنبر، قال‏:‏ فقعد عبد الرحمن مقعد النبي صلى الله عليه وسلم وأجلس عثمان تحته على الدرجة الثانية وجاء إليه الناس يبايعونه، وبايعه علي بن أبي طالب أولاً، ويقال‏:‏ آخراً‏.‏ 
وما يذكره كثير من المؤرخين كابن جرير وغيره عن رجال لا يعرفون أن علياً قال لعبد الرحمن‏:‏ خدعتني، وإنك إنما وليته لأنه صهرك وليشاورك كل يوم في شأنه، وأنه تلكأ حتى قال له عبد الرحمن‏:‏ ‏{‏فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً‏}‏ إلى غير ذلك من الأخبار المخالفة لما ثبت في الصحاح، فهي مردودة على قائليها وناقلها والله أعلم‏.‏ 
والمظنون بالصحابة خلاف ما يتوهم كثير من الرافضة وأغبياء القصاص الذين لا تميز عندهم بين صحيح الأخبار وضعيفها، ومستقيمها وسقيمها، ومبادها وقويمها، والله الموفق للصواب‏.‏ 
وقد اختلف علماء السير في اليوم الذي بويع فيه لعثمان بن عفان رضي الله عنه، فروى الواقدي عن شيوخه‏:‏ أنه بويع يوم الاثنين لليلة بقيت من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، واستقبل بخلافته المحرم سنة أربع وعشرين، وهذا غريب جداً‏.‏ 
وقد روى الواقدي أيضاً، عن ابن جرير، عن ابن أبي مليكة قال‏:‏ بويع لعثمان بن عفان لعشر خلون من المحرم بعد مقتل عمر بثلاث ليال، وهذا أغرب من الذي قبله‏.‏ 
‏(‏ج/ص‏:‏ 7/166‏)‏ 
وكذا روى سيف بن عمر، عن عامر الشعبي أنه قال‏:‏ اجتمع أهل الشورى على عثمان لثلاث خلون من المحرم سنة أربع وعشرين، وقد دخل وقت العصر، وقد أذن مؤذن صهيب، واجتمع الناس بين الأذان والإقامة فخرج فصلى بهم العصر‏.‏ 
وقال سيف‏:‏ عن خليفة بن زفر ومجالد قالا‏:‏ استخلف عثمان لثلاث خلون من المحرم سنة ثلاث وعشرين فخرج فصلى بالناس العصر، وزاد الناس - يعني‏:‏ في أعطياتهم مائة - ووفد أهل الأمصار، وهو أول من صنع ذلك‏.‏ 
قلت‏:‏ ظاهر ما ذكرناه من سياق بيعته يقتضي أن ذلك كان قبل الزوال، لكنه لما بايعه الناس في المسجد ذهب به إلى دار الشورى على ما تقدم فيها من الخلاف، فبايعه بقية الناس، وكأنه لم يتم البيعة إلا بعد الظهر وصلى صهيب يومئذ الظهر في المسجد النبوي وكان أول صلاة صلاها الخليفة أمير المؤمنين عثمان بن عفان بالمسلمين صلاة العصر، كما ذكره الشعبي وغيره‏.‏ 
وأما أول خطبة خطبها بالمسلمين، فروى سيف بن عمر، عن بدر بن عثمان، عن عمه قال‏:‏ لما بايع أهل الشورى عثمان خرج وهو أشدهم كآبه، فأتى منبر النبي صلى الله عليه وسلم فخطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم وقال‏:‏ إنكم في دار قلعة وفي بقية أعمار، فبادروا آجالكم بخير ما تقدرون عليه، فلقد أتيتم صبحتم أو مسيتم، ألا وإن الدنيا طويت على الغرور فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور، واعتبروا بمن مضى ثم جدوا ولا تغفلوا فإنه لا يغفل عنكم‏.‏ 
أين أبناء الدنيا وإخوانها الذين أثاروها وعمروها ومتعوا بها طويلاً‏؟‏ ألم تلفظهم‏؟‏ ارموا بالدنيا حيث رمى الله بها، واطلبوا الآخرة فإن الله قد ضرب لها مثلاً، بالذي هو خير، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً * الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 45-46‏]‏‏.‏ 
قال‏:‏ وأقبل الناس يبايعونه‏.‏ 
قلت‏:‏ وهذه الخطبة‏:‏ إما بعد صلاة العصر يومئذٍ، أو قبل الزوال