، وعبد الرحمن بن عوف جالس في رأس المنبر وهو الأشبه والله أعلم‏.‏ 
وما يذكره بعض الناس من أن عثمان لما خطب أول خطبة ارتج عليه فلم يدر ما يقول حتى قال‏:‏ أيها الناس، إن أول مركب صعب، وإن بعد اليوم أياماً، وإن أعش فستأتيكم الخطبة على وجهها‏.‏ 
فهو شيء يذكره صاحب ‏(‏العقد‏)‏ وغيره، ممن يذكر طرف الفوائد، ولكن لم أر هذا بإسناد تسكن النفس إليه والله أعلم‏.‏ 
وأما قول الشعبي‏:‏ إنه زاد الناس مائة مائة - يعني‏:‏ في عطاء كل واحد من جند المسلمين - زاده على ما فرض له عمر مائة درهم من بيت المال، وكان عمر قد جعل لكل نفس من المسلمين في كل ليلة من رمضان درهماً من بيت المال يفطر عليه، ولأمهات المؤمنين درهمين درهمين، فلما ولي عثمان أقر ذلك وزاده، واتخذ سماطاً في المسجد أيضاً للمتعبدين، والمعتكفين، وأبناء السبيل، والفقراء، والمساكين رضي الله عنه‏.‏ 
‏(‏ج/ص‏:‏ 7/167‏)‏ 
وقد كان أبو بكر إذا خطب يقوم على الدرجة التي تحت الدرجة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقف عليها، فلما ولي عمر نزل درجة أخرى عن درجة أبي بكر رضي الله عنهما، فلما ولي عثمان قال‏:‏ إن هذا يطول فصعد إلى الدرجة التي كان يخطب عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزاد الأذان الأول يوم الجمعة، قبل الأذان الذي كان يؤذن به بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس على المنبر‏.‏ 
وأما أول حكومة حكم فيها، فقضية عبيد الله بن عمر، وذلك أنه غدا على ابنة أبي لؤلؤة قاتل عمر فقتلها، وضرب رجلاً نصرانياً يقال له‏:‏ جفينة بالسيف فقتله، وضرب الهرمزان الذي كان صاحب تستر فقتله، وكان قد قيل‏:‏ إنهما مالآ أبا لؤلؤة على قتل عمر‏.‏ فالله أعلم‏.‏ 
وقد كان عمر قد أمر بسجنه ليحكم فيه الخليفة من بعده، فلما ولي عثمان وجلس للناس كان أول ما تحوكم إليه في شأن عبيد الله، فقال علي‏:‏ ما من العدل تركه، وأمر بقتله‏.‏ 
وقال بعض المهاجرين‏:‏ أيقتل أبوه بالأمس، ويقتل هو اليوم‏؟‏ 
فقال عمرو بن العاص‏:‏ يا أمير المؤمنين قد برأك الله من ذلك، قضية لم تكن في أيامك فدعها عنك، فودى عثمان رضي الله عنه أولئك القتلى من ماله، لأن أمرهم إليه، إذ لا وارث لهم إلا بيت المال، والإمام يرى الأصلح في ذلك، وخلى سبيل عبيد الله‏.‏ 
قالوا‏:‏ فكان زياد بن لبيد البياضي إذا رأى عبيد الله بن عمر يقول‏:‏ 
ألا يا عبيد الله مالك مهرب * ولا ملجأ من ابن أروى ولا خفر 
أصبت دماً والله في غير حله * حراماً وقتل الهرمزان له خطر 
على غير شيء غير أن قال قائل * أتتهمون الهرمزان على عمر 
فقال سفيه والحوادث جمة * نعم اتهمه قد أشار وقد أمر 
وكان سلاح العبد في جوف بيته * يقلبها والأمر بالأمر يعتبر 
قال‏:‏ فشكا عبيد الله بن عمر زياداً إلى عثمان فاستدعى عثمان زياد بن لبيد، فأنشأ زياد يقول في عثمان‏:‏ 
أبا عمرو عبيد الله رهن * فلا تشكك بقتل الهرمزان 
أتعفوا إذ عفوت بغير حق * فمالك بالذي يخلى يدان 
قال‏:‏ فنهاه عثمان عن ذلك وزبره فسكت زياد بن لبيد عما يقول‏.‏ 
ثم كتب عثمان بن عفان إلى عماله على الأمصار أمراء الحرب، والأئمة على الصلوات، والأمناء على بيوت المال يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحثهم على طاعة الله وطاعة رسوله، ويحرضهم على الاتباع وترك الابتداع‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/168‏)‏ 
قال ابن جرير‏:‏ وفي هذه السنة عزل عثمان المغيرة بن شعبة عن الكوفة، وولى عليها سعد بن أبي وقاص فكان أول عامل ولاه لأن عمر قال‏:‏ فإن أصابت الإمرة سعداً فذاك، وإلا فليستعن به أيكم ولي، فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة‏.‏ 
فاستعمل سعداً عليها سنة وبعض أخرى، ثم رواه ابن جرير من طريق سيف، عن مجالد، عن الشعبي‏.‏ 
وقال الواقدي فيما ذكره‏:‏ عن زيد بن أسلم، عن أبيه‏:‏ أن عمر أوصى أن تقرَّ عماله سنة، فلما ولي عثمان أقر المغيرة بن شعبة على الكوفة سنة، ثم عزله واستعمل سعداً، ثم عزله وولى الوليد بن عقبة بن أبي معيط‏.‏ 
قال ابن جرير‏:‏ فعلى ما ذكره الواقدي تكون ولاية سعد على الكوفة سنة خمس وعشرين‏.‏ 
قال ابن جرير‏:‏ وفي هذه السنة - أعني‏:‏ سنة أربع وعشرين - غزا الوليد بن عقبة أذربيجان وأرمينية حين منع أهلها ما كانوا صالحوا عليه أهل الإسلام في أيام عمر بن الخطاب، وهذا في رواية أبي مخنف‏.‏ 
وأما في رواية غيره فإن ذلك كان في سنة ست وعشرين، ثم ذكر ابن جرير ههنا هذه الوقعة وملخصها‏:‏ أن الوليد بن عقبة سار بجيش الكوفة نحو أذربيجان وأرمينية حين نقضوا العهد، فوطئ بلادهم وأغار بأراضي تلك الناحية فغنم وسبى وأخذ أموالاً جزيلة، فلما أيقنوا بالهلكة صالحهم أهلها على ما كانوا صالحوا عليه حذيفة بن اليمان ثمانمائة ألف درهم في كل سنة، فقبض منهم جزية سنة ثم رجع سالماً غانماً إلى الكوفة، فمر بالموصل‏.‏ 
وجاءه كتاب عثمان وهو بها يأمره أن يمد أهل الشام على حرب أهل الروم‏.‏ 
قال ابن جرير‏:‏ وفي هذه السنة جاشت الروم حتى خاف أهل الشام، وبعثوا إلى عثمان رضي الله عنه يستمدونه فكتب إلى الوليد بن عقبة‏:‏ أن إذا جاءك كتابي هذا فابعث رجلاً أميناً كريماً شجاعاً في ثمانية آلاف أو تسعة آلاف أو عشرة آلاف إلى إخوانكم بالشام‏.‏ 
فقام الوليد بن عقبة في الناس خطيباً حين وصل إليه كتاب عثمان فأخبرهم بما أمر به أمير المؤمنين، وندب الناس وحثهم على الجهاد ومعاونة معاوية وأهل الشام، وأمَّرَ سلمان بن ربيعة على الناس الذين يخرجون إلى الشام، فانتدب في ثلاثة أيام ثمانية آلاف فبعثهم إلى الشام، وعلى جند المسلمين حبيب بن مسلم الفهري، فلما اجتمع الجيشان شنوا الغارات على بلاد الروم فغنموا وسبوا شيئاً كثيراً وفتحوا حصوناً كثيرة ولله الحمد‏.‏ 
وزعم الواقدي‏:‏ أن الذي أمد أهل الشام بسلمان بن ربيعة إنما هو سعيد بن العاص عن كتاب عثمان رضي الله عنه، فبعث سعيد بن العاص سلمان بن ربيعة في ستة آلاف فارس حتى انتهى إلى حبيب بن مسلمة، وقد أقبل إليه الموريان الرومي في ثمانين ألفاً من الروم والترك، وكان حبيب بن مسلمة شجاعاً شهماً فعزم على أن يبيت جيش الروم، فسمعته امرأته يقول للأمراء ذلك، فقالت له‏:‏ فأين موعدي معك‏؟‏ - تعني‏:‏ أين اجتمع بك غداً‏؟‏ -، فقال لها‏:‏ موعدك سرادق الموريان، أو الجنة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/169‏)‏ 
ثم نهض إليهم في ذلك الليل بمن معه من المسلمين فقتل من أشرف له وسبقته امرأته إلى سرادق الموريان فكانت أول امرأة من العرب ضرب عليها سرادق وقد مات عنها حبيب بن مسلمة بعد ذلك، فخلف عليها بعده الضحاك بن قيس الفهري، فهي أم ولده‏.‏ 
قال ابن جرير‏:‏ واختلف فيمن حج بالناس في هذه السنة، فقال الواقدي، وأبو معشر‏:‏ حج بهم عبد الرحمن بن عوف بأمر عثمان‏.‏ 
وقال آخرون‏:‏ حج بالناس عثمان بن عفان رضي الله عنه‏.‏ 
والأول هو الأشهر فإن عثمان لم يتمكن من الحج في هذه السنة لأجل رعاف أصابه مع الناس في هذه السنة حتى خشي عليه، وكان يقال لهذه السنة‏:‏ سنة الرعاف‏.‏ 
وفيها‏:‏ افتتح أبو موسى الأشعري الري بعد ما نقضوا العهد الذي كان واثقهم عليه حذيفة بن اليمان رضي الله عنه‏.‏ 
وفيها‏:‏ توفي سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي ويكنى‏:‏ بأبي سفيان، وكان ينزل قديداً وهو الذي اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبا بكر، وعامر بن فهيرة، وعبد الله بن أريقط الديلي حين خرجوا من غار ثور قاصدين المدينة فأراد أن يردهم على أهل مكة لما جعلوا في كل واحد من النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر مائة مائة من الإبل، فطمع أن يفوز بهذا الجعل فلم يسلطه الله عليهم، بل لما اقترب منهم وسمع قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم ساخت قوائم فرسه في الأرض حتى ناداهم بالأمان فأعطوه الأمان، وكتب له أبو بكر كتاب أمان عن إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قدم به بعد غزوة الطائف فأسلم وأكرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو القائل‏:‏ يا رسول الله أعمرتنا هذه لعامنا هذا أم للأبد‏؟‏ 
فقال له‏:‏ ‏(‏‏(‏بل لأبد الأبد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة‏)‏‏)‏‏.‏ 

  ثم دخلت سنة خمس وعشرين 
فيها نقض أهل الإسكندرية العهد، وذلك أن ملك الروم بعث إليهم معويل الخصي في مراكب من البحر، فطمعوا في النصرة، ونقضوا ذمتهم، فغزاهم عمرو بن العاص في ربيع الأول، فافتتح الأرض عنوة، وافتتح المدينة صلحاً‏.‏ 
وفيها‏:‏ حج بالناس عثمان بن عفان رضي الله عنه‏.‏ 
وفيها‏:‏ في قول سيف عزل عثمان سعداً عن الكوفة وولي الوليد بن عقبة بن أبي معيط مكانه، فكان هذا مما نقم على عثمان‏.‏ 
وفيها‏:‏ وجه عمرو بن العاص عبد الله بن سعد بن أبي سرح لغزو بلاد المغرب، واستأذنه ابن أبي سرح في غزو إفريقية فأذن له، ويقال فيها أيضاً‏:‏ عزل عثمان عمرو بن العاص عن مصر وولى عليها عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وقيل‏:‏ بل كان هذا في سنة سبع وعشرين، كما سيأتي والله أعلم‏.‏ 
وفيها‏:‏ فتح معاوية الحصون‏.‏ 
وفيها‏:‏ ولد ابنه يزيد بن معاوية‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/170‏)‏ 
  ثم دخلت سنة ست وعشرين 
قال الواقدي‏:‏ فيها أمر عثمان بتجديد أنصاب الحرم‏.‏ 
وفيها‏:‏ وسع المسجد الحرام‏.‏ 
وفيها‏:‏ عزل سعداً عن الكوفة، وولاها الوليد بن عقبة، وكان سبب عزل سعد أنه اقترض من ابن مسعود مالاً من بيت المال، فلما تقاضاه به ابن مسعود ولم يتيسر قضاؤه تقاولا، وجرت بينهما خصومة شديدة، فغضب عليهما عثمان فعزل سعداً واستعمل الوليد بن عقبة - وكان عاملاً لعمر على عرب الجزيرة - فلما قدمها أقبل عليه أهلها فأقام بها خمس سنين، وليس على داره باب، وكان فيه رفق برعيته‏.‏ 
قال الواقدي‏:‏ وفيها‏:‏ حج بالناس عثمان بن عفان رضي الله عنه‏.‏ 
وقال غيره‏:‏ وفيها‏:‏ افتتح عثمان بن أبي العاص سابور صلحاً على ثلاثة آلاف ألف وثلاثمائة ألف‏.‏ 
  ثم دخلت سنة سبع وعشرين 
قال الواقدي، وأبو معشر‏:‏ وفيها‏:‏ عزل عثمان عمرو بن العاص عن مصر وولى عليها عبد الله بن سعد بن أبي سرح - وكان أخا عثمان لأمه - وهو الذي شفع له يوم الفتح حين كان أهدر رسول الله صلى الله عليه وسلم دمه‏.‏ 
  غزوة إفريقية 
أمر عثمان عبد الله بن أبي سرح أن يغزو بلاد إفريقية، فإذا افتتحها الله عليه فله خمس الخمس من الغنيمة نفلاً، فسار إليها في عشرة آلاف، فافتتحها سهلها وجبلها، وقتل خلقاً كثيراً من أهلها، ثم اجتمعوا على الطاعة والإسلام، وحسن إسلامهم‏.‏ 
وأخذ عبد الله بن سعد خمس الخمس من الغنيمة، وبعث بأربعة أخماسه إلى عثمان، وقسم أربعة أخماس الغنيمة بين الجيش، فأصاب الفارس ثلاثة آلاف دينار، والراجل ألف دينار‏.‏ 
قال الواقدي‏:‏ وصالحه بطريقها على ألفي ألف دينار، وعشرين ألف دينار، فأطلقها كلها عثمان في يوم واحد لآل الحكم، ويقال‏:‏ لآل مروان‏.‏ 
‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 171‏)‏ 
لما افتتحت إفريقية بعث عثمان إلى عبد الله بن نافع بن عبد قيس، وعبد الله بن نافع بن الحصين الفهريين من فورهما إلى الأندلس، فأتياها من قبل البحر، وكتب عثمان إلى الذين خرجوا إليها يقول‏:‏ إن القسطنطينية إنما تفتح من قبل البحر، وأنتم إذا فتحتم الأندلس فأنتم شركاء لمن يفتتح قسطنطينية في الأجر آخر الزمان والسلام‏.‏ 
  غزوة الأندلس 
قال‏:‏ فساروا إليها فافتتحوها، ولله الحمد والمنة‏.‏ 
  وقعة جرجير والبربر مع المسلمين 
لما قصد المسلمون وهم عشرون ألفاً إفريقية، وعليهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وفي جيشه عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، صمد إليهم ملك البربر جرجير في عشرين ومائة ألف، وقيل‏:‏ في مائتي ألف‏.‏ 
فلما تراءى الجمعان أمر جيشه فأحاطوا بالمسلمين هالة، فوقف المسلمون في موقف لم ير أشنع منه، ولا أخوف عليهم منه‏.‏ 
قال عبد الله بن الزبير‏:‏ فنظرت إلى الملك جرجير من وراء الصفوف، وهو راكب على برذون، وجاريتان تظلانه بريش الطواويس، فذهبت إلى عبد الله بن سعد بن أبي سرح فسألته‏:‏ أن يبعث معي من يحمي ظهري، وأقصد الملك، فجهز معي جماعة من الشجعان‏.‏ 
قال‏:‏ فأمر بهم فحموا ظهري، وذهبت حتى خرقت الصفوف إليه - وهم يظنون أني في رسالة إلى الملك - فلما اقتربت منه أحس مني الشر، ففر على برذونه، فلحقته فطعنته برمحي، وذففت عليه بسيفي، وأخذت رأسه فنصبته على رأس الرمح وكبرت‏.‏ 
فلما رأى ذلك البربر فرقوا وفروا كفرار القطا، واتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون فغنموا غنائم جمة 