وأموالاً كثيرة، وسبياً عظيماً، وذلك ببلد يقال له‏:‏ سبيطلة -على يومين من القيروان -، فكان هذا أول موقف اشتهر فيه أمر عبد الله بن الزبير رضي الله عنه، وعن أبيه، وأصحابهما أجمعين‏.‏ 
قال الواقدي‏:‏ وفي هذه السنة‏:‏ افتتحت اصطخر ثانية على يدي عثمان بن أبي العاص‏.‏ 
وفيها‏:‏ غزا معاوية قنسرين‏.‏ 
وفيها‏:‏ حج بالناس عثمان بن عفان‏.‏ 
قال ابن جرير‏:‏ قال بعضهم‏:‏ وفي هذه السنة غزا معاوية قبرص‏.‏ 
وقال الواقدي‏:‏ كان ذلك في سنة ثمان وعشرين‏.‏ 
وقال أبو معشر‏:‏ غزاها معاوية سنة ثلاث وثلاثين فالله أعلم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 172‏)‏ 
  ثم دخلت سنة ثمان وعشرين فتح قبرص 
ففيها‏:‏ ذكر ابن جرير فتح قبرص تبعاً للواقدي‏.‏ 
وهي‏:‏ جزيرة غربي بلاد الشام في البحر مخلصة وحدها، ولها ذنب مستطيل إلى نحو الساحل مما يلي دمشق، وغربيها أعرضها، وفيها فواكه كثيرة، ومعادن‏.‏ 
وهي بلد جيد، وكان فتحها على يدي معاوية بن أبي سفيان، ركب إليها في جيش كثيف من المسلمين ومعه عبادة بن الصامت، وزوجته أم حرام بنت ملحان التي تقدم حديثها في ذلك حين نام رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتها ثم استيقظ يضحك، فقالت‏:‏ ما أضحكك يا رسول الله‏؟‏ 
فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏ناس من أمتي عُرضوا عليَّ يركبون ثبج هذا البحر مثل الملوك على الأسرة‏.‏ 
فقالت‏:‏ يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم‏.‏ 
فقال‏:‏ أنت منهم‏.‏ 
ثم نام فاستيقظ وهو يضحك، فقال مثل ذلك، فقالت‏:‏ ادع الله أن يجعلني منهم‏.‏ 
فقال‏:‏ أنت من الأولين‏)‏‏)‏‏.‏ 
فكانت في هذه الغزوة، وماتت بها‏.‏ 
وكانت الثانية عبارة عن غزوة قسطنطينية بعد هذا كما سنذكره‏.‏ 
والمقصود‏:‏ أن معاوية ركب البحر في مراكب فقصد الجزيرة المعروفة بقبرص، ومعه جيش عظيم من المسلمين، وذلك بأمر من عثمان بن عفان رضي الله عنه، له في ذلك بعد سؤاله إياه‏.‏ 
وقد كان سأل في ذلك عمر بن الخطاب فأبى أن يمكنه من حمل المسلمين على هذا الخلق العظيم الذي لو اضطرب لهلكوا عن آخرهم، فلما كان عثمان لحَّ معاوية عليه في ذلك فأذن له فركب في المراكب فانتهى إليها، ووافاه عبد الله بن سعد بن أبي سرح إليها من الجانب الآخر، فالتقيا على أهلها فقتلوا خلقاً كثيراً، وسبوا سبايا كثيرة، وغنموا مالاً جزيلاً جداً‏.‏ 
ولما جيء بالأسارى جعل أبو الدرداء يبكي، فقال له جبير بن نفير‏:‏ أتبكي وهذا يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله ‏؟‏‏.‏ 
فقال‏:‏ ويحك، إن هذه كانت أمة قاهرة لهم ملك، فلما ضيعوا أمر الله صيرهم إلى ما ترى، سلط الله عليهم السبي، وإذا سلط على قوم السبي فليس لله فيهم حاجة‏.‏ 
وقال‏:‏ ما أهون العباد على الله تعالى إذا تركوا أمره ‏؟‏‏!‏ 
ثم صالحهم معاوية على سبعة آلاف دينار في كل سنة، وهادنهم، فلما أرادوا الخروج منها، قُدِمت لأم حرام بغلة لتركبها، فسقطت عنها، فاندقت عنقها فماتت هناك فقبرها هنالك يعظمونه ويستسقون به، ويقولون قبر المرأة الصالحة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 173‏)‏ 
قال الواقدي‏:‏ وفي هذه السنة غزا حبيب بن مسلمة سورية من أرض الروم‏.‏ 
وتزوج عثمان نائلة بنت الفرافصة الكلبية - وكانت نصرانية فأسلمت قبل أن يدخل بها -‏.‏ 
وفيها‏:‏ بنى عثمان داره بالمدينة الزوراء‏.‏ 
وفيها‏:‏ حج بالناس أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه‏.‏ 
  ثم دخلت سنة تسع وعشرين 
ففيها‏:‏ عزل عثمان بن عفان أبا موسى الأشعري عن البصرة بعد عمله ست سنين، وقيل‏:‏ ثلاث‏.‏ 
وأمر عليها عبد الله بن عامر بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، وهو ابن خال عثمان بن عفان، وجمع له بين جند أبي موسى وجند عثمان بن أبي العاص، وله من العمر خمس وعشرون سنة، فأقام بها ست سنين‏.‏ 
وفي هذه السنة‏:‏ افتتح عبد الله بن عامر فارس في قول الواقدي وأبي معشر‏.‏ 
زعم سيف‏:‏ أنه كان قبل هذه السنة‏.‏ فالله أعلم‏.‏ 
وفيها‏:‏ وسع عثمان بن عفان مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وبناه بالقَصَّة - وهي الكلس - كان يؤتى به من بطن نخل والحجارة المنقوشة، وجعل عمده حجارة مرصعة، وسقفه بالساج، وجعل طوله ستين ومائة ذراع، وعرضه خمسين ومائة ذراع، وجعل أبوابه ستة، على ما كانت عليه في زمان عمر بن الخطاب، ابتدأ بناءه في ربيع الأول منها‏.‏ 
وفيها‏:‏ حج بالناس عثمان بن عفان، وضرب له بمنى فسطاطاً، فكان أول فسطاط ضربه عثمان بمنى، وأتم الصلاة عامه هذا، فأنكر ذلك عليه غير واحد من الصحابة كعلي، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن مسعود، حتى قال ابن مسعود‏:‏ ليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان‏.‏ 
وقد ناظره عبد الرحمن بن عوف فيما فعله، فروى ابن جرير أنه قال‏:‏ تأهلت بمكة‏.‏ 
فقال له‏:‏ ولك أهل بالمدينة، وإنك تقوم حيث أهلك بالمدينة‏.‏ 
قال‏:‏ وإن لي مالاً بالطائف أريد أن أطلعه بعد الصدر‏.‏ 
قال‏:‏ إنك بينك وبين الطائف مسيرة ثلاث‏.‏ 
فقال‏:‏ وإن طائفة من أهل اليمن قالوا‏:‏ إن الصلاة بالحضر ركعتان، فربما رأوني أصلي ركعتين فيحتجون بي‏.‏ 
فقال له‏:‏ قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل عليه الوحي والناس يومئذ الإسلام فيهم قليل، وكان يصلي ههنا ركعتين، وكان أبو بكر يصلي ههنا ركعتين، وكذلك عمر بن الخطاب، وصليت أنت ركعتين صدراً من إمارتك‏.‏ 
قال‏:‏ فسكت عثمان، ثم قال‏:‏ إنما هو رأي رأيته‏.‏ 
  سنة ثلاثين من الهجرة النبوية 
فيها‏:‏ افتتح سعيد بن العاص طبرستان في قول الواقدي وأبي معشر والمدائني، وقال‏:‏ هو أول من غزاها‏.‏ 
‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 174‏)‏ 
وزعم سيف‏:‏ أنهم كانوا صالحوا سويد بن مقرن قبل ذلك على أن لا يغزوها، على مال بذله له أصبهبذها فالله أعلم‏.‏ 
فذكر المدائني‏:‏ أن سعيد بن العاص ركب في جيش فيه الحسن والحسين، والعبادلة الأربعة، وحذيفة بن اليمان، في خلق من الصحابة، فسار بهم فمر على بلدان شتى يصالحونه على أموال جزيلة، حتى انتهى إلى بلد معاملة جرجان، فقاتلوه حتى احتاجوا إلى صلاة الخوف، فسأل حذيفة كيف صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم‏؟‏ 
فأخبره، فصلى كما أخبره، ثم سأله أهل ذلك الحصن الأمان، فأعطاهم على أن لا يقتل منهم رجلاً واحداً، ففتحوا الحصن فقتلهم إلا رجلاً واحداً، وحوى ما كان في الحصن، فأصاب رجل من بني نهد سفطاً مقفولاً، فاستدعى به سعيد، ففتحوه، فإذا فيه خرقة سوداء مدرجة فنشروها، فإذا فيها خرفة حمراء فنشروها، وإذا داخلها خرقة صفراء، وفيها‏:‏ إيران كميت وورد‏.‏ 
فقال شاعر يهجو بهما بني نهد‏:‏ 
آبَ الكرام بالسبايا غنيمة * وفاز بنو نهد بأيرين في سفطْ 
كميتٍ ووردٍ وافرين كلاهما * فظنوهما غنماً فناهيك من غلطْ 
قالوا‏:‏ ثم نقض أهل جرجان ما كان صالحهم عليه سعيد بن العاص، وامتنعوا عن أداء المال الذي ضربه عليهم - وكان مائة ألف دينار، وقيل‏:‏ مائتي ألف دينار وقيل‏:‏ ثلاثمائة ألف دينار -، ثم وجه إليهم يزيد بن المهلب بعد ذلك، كما سنذكره إن شاء الله تعالى‏.‏ 
وفي هذه السنة‏:‏ عزل عثمان بن عفان الوليد بن عقبة عن الكوفة، وولى عليها سعيد بن العاص، وكان سبب عزلة أنه صلى بأهل الكوفة الصبح أربعاً، ثم التفت فقال‏:‏ أزيدكم ‏؟‏ 
فقال قائل‏:‏ مازلنا منك منذ اليوم في زيادة ‏.‏ 
ثم أنه تصدى له جماعة يقال‏:‏ كان بينهم وبينه شنآن، فشكوه إلى عثمان، وشهد بعضهم عليه أنه شرب الخمر، وشهد آخر أنه رآه يتقاياها، فأمر عثمان بإحضاره وأمر بجلده‏.‏ 
فيقال‏:‏ أن علياً نزع عنه حلته، وأن سعيد بن العاص جلده بين يدي عثمان بن عفان، وعزله وأمر مكانه على الكوفة سعيد بن العاص‏.‏ 
وفي هذه السنة‏:‏ سقط خاتم النبي صلى الله عليه وسلم من يد عثمان في بئر أريس، وهي على ميلين من المدينة، وهي من أقل الآبار ماء، فلم يدرك خبره بعد بذل مال جزيل، والاجتهاد في طلبه حتى الساعة، فاستخلف عثمان بعده خاتماً من فضة، ونقش عليه محمد رسول الله، فلما قتل عثمان ذهب الخاتم، فلم يدر من أخذه‏.‏ 
‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 175‏)‏ 
وقد روى ابن جرير هاهنا حديثاً طويلاً في اتخاذ النبي صلى الله عليه وسلم خاتماً من ذهب، ثم من فضة، وبعثه عمر بن الخطاب إلى كسرى، ثم دحية إلى قيصر، وأن الخاتم الذي كان في يد النبي صلى الله عليه وسلم، ثم في يد أبي بكر، ثم في يد عمر، ثم في يد عثمان ست سنين، ثم إنه وقع في بئر أريس، وقد تقدم بعض هذا في الصحيح‏.‏ 
وفي هذه السنة‏:‏ وقع بين معاوية وأبي ذر بالشام، وذلك أن أبا ذر أنكر على معاوية بعض الأمور، وكان ينكر على من يقتني مالاً من الأغنياء، ويمنع أن يدخر فوق القوت، ويوجب أن يتصدق بالفضل، ويتأول قول الله سبحانه وتعالى‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 34‏]‏ فينهاه معاوية عن إشاعة ذلك فلا يمتنع‏.‏ فبعث يشكوه إلى عثمان‏.‏ فكتب عثمان إلى أبي ذر‏:‏ أن يقدم عليه المدينة فقدمها، فلامه عثمان على بعض ما صدر منه واسترجعه، فلم يرجع، فأمره بالمقام بالربذة - وهي شرقي المدينة - ويقال‏:‏ أنه سأل عثمان أن يقيم بها‏.‏ 
وقال‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي‏:‏ ‏(‏‏(‏إذا بلغ البناء سلعاً فاخرج منها‏)‏‏)‏ وقد بلغ البناء سلعاً، فأذن له عثمان بالمقام بالربذة، وأمره أن يتعاهد المدينة في بعض الأحيان، حتى لا يرتد أعرابياً بعد هجرته‏.‏ ففعل فلم يزل مقيماً بها حتى مات على ما سنذكره رضي الله عنه‏.‏ 
وفي هذه السنة‏:‏ زاد عثمان النداء الثالث يوم الجمعة على الزوراء‏.‏ 
فصل 
ذكر الذهبي وفاة أبي بن كعب 
وممن ذكر شيخنا أبو عبد الله الذهبي‏:‏ أنه توفي في هذه السنة - أعني‏:‏ سنة ثلاثين - أبي بن كعب، فيما صححه الواقدي‏.‏ 
جبار بن صخر 
ابن أمية بن خنساء، أبو عبد الرحمن الأنصاري، عقبي بدري، وقد بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر خارصاً، وقد توفي عن ستين سنة‏.‏ 
حاطب بن أبي بلتعة 
ابن عمرو بن عمير اللخمي، حليف بني أسد بن عبد العزى‏.‏ 
شهد بدراً وما بعدها، وهو الذي كان كتب إلى المشركين يعلمهم بعزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على فتح مكة، فعذره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر به، ثم بعثه بعد ذلك برسالة إلى المقوقس ملك الإسكندرية‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 176‏)‏ 
الطفيل بن الحارث 
ابن المطلب، أخو عبيدة، وحصين، شهد بدراً‏.‏ 
قال سعيد بن عمير‏:‏ توفي في هذه السنة‏.‏ 
عبد الله بن كعب 
ابن عمر المازني، أبو الحارث، وقيل‏:‏ أبو يحيى الأنصاري، شهد بدراً، وكان على الخمس يومئذ‏.‏ 
عبد الله بن مظعون 
أخو عثمان بن مظعون، هاجر إلى الحبشة، وشهد بدراً‏.‏ 
عياض بن زهير 
ابن أبي شداد بن ربيعة بن هلال، أبو سعيد القرشي الفهري، شهد بدراً وما بعدها‏.‏ 
مسعود بن ربيعة 
وقيل‏:‏ ابن الربيع، أبو عمر القاري، شهد بدراً وما بعدها‏.‏ توفي عن نيف وستين سنة‏.‏ 
معمر بن أبي سرح 
ابن ربيعة بن هلال القرشي، أبو سعد الفهري‏.‏ 
وقيل‏:‏ اسمه عمرو، بدري قديم الصحبة‏.‏ 
أبو أسيد 
مالك بن ربيعة‏.‏ 
قال الفلاس‏:‏ مات في هذه السنة، و الأصح‏:‏ أنه مات سنة أربعين، و قيل‏:‏ سنة ستين فالله أعلم‏.‏ 
‏(‏ج/ص‏:‏ 7/177‏)‏ 
  ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين 
ففيها‏:‏ كانت غزوة الصواري، وغزوة الأساودة في البحر فيما ذكره الواقدي‏.‏ 
وقال أبو معشر‏:‏ كانت غزوة الصواري سنة أربع وثلاثين‏.‏ 
وملخص ذلك فيما ذكره الواقدي وسيف وغيرهما‏:‏ أن الشام كان قد جمعها لمعاوية بن أبي سفيان لسنتين مضتا من خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه، وقد أحرزه غاية الحفظ وحمى حوزته، ومع هذا له في كل سنة غزوة في بلاد الروم في زمن الصيف - ولهذا يسمون هذه الغزوة الصائفة - فيقتلون خلقاً، ويأسرون آخرين، ويفتحون حصوناً، ويغنمون أموالاً، ويرعبون الأعداء، فلما أصاب عبد الله بن سعد بن أبي سرح من أصاب من الفرنج والبربر، ببلاد إفريقية والأندلس، حميت الروم واجتمعت على قسطنطين بن هرقل، وساروا إلى المسلمين في جمع لم ير مثله منذ كان الإسلام، خرجوا في خمسمائة مركب، وقصدوا عبد الله بن أبي سرح في أصحابه من المسلمين الذين ببلاد المغرب‏.‏ 
فلما تراءى الجمعان، بات الروم يقسقسون ويصلبون، وبات المسلمون يقرأون ويصلون، فلما أصبحوا صف عبد الله بن سعد أصحابه صفوفاً في المراكب، وأمرهم بذكر الله وتلاوة