 القرآن‏.‏ 
قال بعض من حضر ذلك‏:‏ فأقبلوا إلينا في أمر لم ير مثله من كثرة المراكب، وعقدوا صواريها، وكانت الريح لهم وعلينا فأرسينا، ثم سكنت الريح عنا، فقلنا لهم‏:‏ إن شئتم خرجنا نحن وأنتم إلى البر، فمات الأعجل منا ومنكم‏.‏ 
قال‏:‏ فنخروا نخرة رجل واحد، وقالوا‏:‏ الماء الماء‏.‏ 
قال‏:‏ فدنونا منهم، وربطنا سفننا بسفنهم، ثم اجتلدنا وإياهم بالسيوف، يثب الرجال على الرجال بالسيوف والخناجر، وضربت الأمواج في عيون تلك السفن حتى ألجأتها إلى الساحل وألقت الأمواج جثث الرجال إلى الساحل حتى صارت مثل الجبل العظيم، وغلب الدم على لون الماء، وصبر المسلمون يومئذ صبراً لم يعهد مثله قط، وقتل منهم بشر كثير، ومن الروم أضعاف ذلك، ثم أنزل الله نصره على المسلمين فهرب قسطنطين وجيشه - وقد قلوا جداً - وبه جراحات شديدة مكينة، مكث حيناً يداوي منها بعد ذلك، وأقام عبد الله بن سعد بذات الصواري أياماً، ثم رجع مؤيداً منصوراً مظفراً‏.‏ 
قال الواقدي‏:‏ فحدثني معمر، عن الزهري قال‏:‏ كان في هذه الغزوة محمد بن أبي حذيفة، ومحمد بن أبي بكر، فأظهرا عيب عثمان وما غير وما خالف أبا بكر وعمر، ويقولان‏:‏ دمه حلال لأنه استعمل عبد الله بن سعد - وكان قد ارتد - وكفر بالقرآن العظيم وأباح رسول الله صلى الله عليه وسلم دمه، وأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم أقواماً واستعملهم عثمان، ونزع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستعمل سعيد بن العاص، وعبد الله بن عامر‏.‏ 
فبلغ ذلك عبد الله بن سعد فقال‏:‏ لا تركبا معنا، فركبا في مركب ما فيه أحد من المسلمين ولقوا العدو فكانا أنكل المسلمين قتالاً، فقيل لهما في ذلك فقالا‏:‏ كيف نقاتل مع رجل لا ينبغي لنا أن نحكمه‏؟‏ 
فأرسل إليهما عبد الله بن سعد فنهاهما أشد النهي، وقال‏:‏ والله لولا لا أدري ما يوافق أمير المؤمنين لعاقبتكما وحبستكما‏.‏ 
قال الواقدي‏:‏ وفي هذه السنة فتحت أرمينية على يدي حبيب بن مسلمة‏.‏ 
  وفي هذه السنة قتل كسرى ملك الفرس‏.‏ 
‏(‏ج/ص‏:‏ 7/178‏)‏ 
كيفية قتل كسرى ملك الفرس وهو يزدجرد 
قال ابن إسحاق‏:‏ هرب يزدجرد من كرمان في جماعة يسيرة إلى مرو، فسأل من بعض أهلها مالاً فمنعوه وخافوه على أنفسهم، فبعثوا إلى الترك يستفزونهم عليه، فأتوه فقتلوا أصحابه وهرب هو حتى أتى منزل رجل ينقر الأرحية على شط، فأوى إليه ليلاً، فلما نام قتله‏.‏ 
وقال المدائني‏:‏ لما هرب بعد قتل أصحابه انطلق ماشياً عليه تاجه ومنطقته وسيفه، فانتهى إلى منزل هذا الرجل الذي ينقر على الأرحية، فجلس عنده فاستغفله وقتله وأخذ ما كان عليه، وجاءت الترك في طلبه فوجدوه وقد قتله، وأخذ حاصله فقتلوا ذلك الرجل وأهل بيته وأخذوا ما كان مع كسرى، ووضعوا كسرى في تابوت وحملوه إلى اصطخر‏.‏ 
وقد كان يزدجرد وطئ امرأة من أهل مرو قبل أن يقتل فحملت منه ووضعت بعد قتله غلاماً ذاهب الشق، وسمى ذلك‏:‏ الغلام المخدج‏.‏ 
وكان له نسل وعقب في خراسان، وقد سبى قتيبة بن مسلم في بعض غزواته بتلك البلاد جاريتان من نسله، فبعث بإحداهما إلى الحجاج، فبعث بها إلى الوليد بن عبد الملك فولدت له ابنه يزيد بن الوليد الملقب‏:‏ بالناقص‏.‏ 
وقال المدائني وفي رواية عن بعض شيوخه‏:‏ أن يزدجرد لما انهزم عنه أصحابه عقر جواده وذهب ماشياً حتى دخل رحى على شط نهر يقال له‏:‏ المرغاب، فمكث فيه ليلتين والعدو في طلبه فلم يدر أين هو، ثم جاء صاحب الرحى فرأى كسرى وعليه أبهته، فقال له‏:‏ ما أنت‏؟‏ إنسي أم جني‏؟‏ 
قال‏:‏ إنسي، فهل عندك طعام‏؟‏ 
قال‏:‏ نعم‏!‏ فأتاه بطعام‏.‏ 
فقال‏:‏ إني مزمزم، فأتني بما أزمزم به‏.‏ 
قال‏:‏ فذهب الطحان إلى أسوار من الأساورة فطلب منه ما يزمزم به، قال‏:‏ وما تصنع به‏؟‏ 
قال‏:‏ عندي رجل لم أر مثله قط وقد طلب مني هذا، فذهب به الأسوار إلى ملك البلد - مرو واسمه ماهويه بن باباه - فأخبره خبره، فقال‏:‏ هو يزدجرد، اذهبوا فجيئوني برأسه، فذهبوا مع الطحان، فلما دنوا من دار الرحى، هابوا أن يقتلوه وتدافعوا، وقالوا للطحان‏:‏ ادخل أنت فاقتله، فدخل فوجده نائماً، فأخذ حجراً فشدخ به رأسه، ثم احتزه فدفعه إليهم وألقى جسده في النهر، فخرجت العامة إلى الطحان فقتلوه‏.‏ 
وخرج أسقف فأخذ جسده من النهر وجعله في تابوت، وحمله إلى اصطخر فوضعه في ناووس، ويروى أنه مكث في منزل ذلك الطحان ثلاثة أيام لا يأكل حتى رق له، وقال له‏:‏ ويحك يا مسكين ألا تأكل، وأتاه بطعام‏.‏ 
فقال‏:‏ إني لا أستطيع أن آكل إلا بزمزمة‏.‏ 
فقال له‏:‏ كل وأنا أزمزم لك، فسأل أن يأتيه بمزمزم، فلما ذهب يطلب له من بعض الأساورة شموا رائحة المسك من ذلك الرجل، فأنكروا رائحة المسك منه، فسألوه فأخبرهم‏.‏ 
فقال‏:‏ إن عندي رجلاً من صفته كيت وكيت‏.‏ 
‏(‏ج/ص‏:‏ 7/179‏)‏ 
فعرفوه وقصدوه مع الطحان، وتقدم الطحان فدخل عليه وهم بالقبض عليه، فعرف يزدجرد ذلك، فقال له‏:‏ ويحك خذ خاتمي وسواري ومنطقتي ودعني أذهب من ههنا‏؟‏ 
فقال‏:‏ لا، أعطني أربعة دراهم وأنا أطلقك فزاده إحدى قرطيه من أذنه فلم يقبل حتى يعطيه أربعة دراهم أخرى، فهم في ذلك إذ دهمهم الجند، فلما أحاطوا به أرادوا قتله، قال‏:‏ ويحكم، لا تقتلوني فإنا نجد في كتبنا أن من اجترأ على قتل الملوك عاقبه الله بالحريق في الدنيا مع ما هو قادم عليه، فلا تقتلوني واذهبوا بي إلى الملك أو إلى العرب فإنهم يستحيون من قتل الملوك، فأبوا عليه ذلك فسلبوه ما كان عليه من الحلي فجعلوه في جراب وخنقوه بوتر وألقوه في النهر فتعلق بعود، فأخذه أسقف - واسمه إيليا - فحن عليه مما كان من أسلافه من الإحسان إلى النصارى الذين كانوا ببلادهم، فوضعه في تابوت، ودفنه في ناووس، ثم حمل ما كان عليه من الحلي إلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان، ففقد قرط من حليه فبعث إلى دهقان تلك البلاد فأغرمه ذلك‏.‏ 
وكان ملك يزدجرد عشرين سنة، منها أربع سنين في دعة، وباقي ذلك هارباً من بلد إلى بلد، خوفاً من الإسلام وأهله، وهو آخر ملوك الفرس في الدنيا على الإطلاق لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده والذي نفسي بيده لتنفق كنوزهما في سبيل الله‏)‏‏)‏ رواه البخاري‏.‏ 
وثبت في الحديث الصحيح‏:‏ أنه لما جاء كتاب النبي صلى الله عليه وسلم مزقه، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم عليه أن يمزق كل ممزق، فوقع الأمر كذلك‏.‏ 
وفي هذه السنة فتح ابن عامر فتوحات كثيرة كان قد نقض أهلها ما كان لهم من الصلح، فمن ذلك ما فتح عنوة، ومن ذلك ما فتح صلحاً، فكان في جملة ما صالح عليه بعض المدائن وهي مرو على ألفي ألف ومائتي ألف‏.‏ 
وقيل‏:‏ على ستة آلاف ألف ومائتي ألف‏.‏ 
وفي هذه السنة‏:‏ حج بالناس عثمان بن عفان رضي الله عنه‏.‏ 
  ثم دخلت سنة ثنتين وثلاثين 
وفيها‏:‏ غزا معاوية بلاد الروم، حتى بلغ المضيق - مضيق القسطنطينية - ومعه زوجته عاتكة، ويقال‏:‏ فاطمة بنت قرظة بن عبد عمرو بن نوفل بن عبد مناف‏.‏ 
قاله أبو معشر والواقدي‏.‏ 
وفيها‏:‏ استعمل سعيد بن العاص سلمان بن ربيعة على جيش وأمره أن يغزو الباب، وكتب إلى عبد الرحمن بن ربيعة نائب تلك الناحية بمساعدته، فسار حتى بلغ بلنجر فحصروها ونصبت عليها المجانيق والعرادات‏.‏ 
ثم أن أهل بلنجر خرجوا إليهم وعاونهم الترك فاقتتلوا قتالاً شديداً - وكانت الترك تهاب قتال المسلمين ويظنون أنهم لا يموتون - حتى اجترأوا عليهم بعد ذلك، فلما كان هذا اليوم التقوا معهم فاقتتلوا، فقتل يومئذ عبد الرحمن بن ربيعة - وكان يقال له ذو النون - وانهزم المسلمون فافترقوا فرقتين، ففرقة ذهبت إلى بلاد الخزر، وفرقة سلكوا ناحية جيلان وجرجان، وفي هؤلاء أبو هريرة، وسلمان الفارسي‏.‏ 
‏(‏ج/ص‏:‏ 7/180‏)‏ 
وأخذت الترك جسد عبد الرحمن بن ربيعة - وكان من سادات المسلمين وشجعانهم - ودفنوه في بلادهم، فهم يستسقون عنده إلى اليوم‏.‏ 
ولما قتل عبد الرحمن بن ربيعة استعمل سعيد بن العاص على ذلك الفرع سلمان بن ربيعة، وأمدهم عثمان بأهل الشام عليهم حبيب بن مسلمة، فتنازع حبيب وسلمان في الإمرة حتى اختلفا، فكان أول اختلاف وقع بين أهل الكوفة وأهل الشام، حتى قال في ذلك رجل من أهل الكوفة وهو أوس‏:‏ 
فإن تضربوا سلمان نضرب حبيبكم * وإن ترحلوا نحو ابن عفان نرحل 
وإن تقسطوا فالثغر ثغر أميرنا * وهذا أمير في الكتائب مقبل 
ونحن ولاة الثغر كنا حماته * ليالي نرمي كل ثغر وننكل 
وفيها‏:‏ فتح ابن عامر مرو الروذ والطالقان والفارياب والجوزجان وطخارستان‏.‏ 
فأما مرو الروذ، فبعث إليهم ابن عامر الأحنف بن قيس فحصرها فخرجوا إليه فقاتلهم حتى كسرهم فاضطرهم إلى حصنهم، ثم صالحوه على مال جزيل وعلى أن يضرب على أراضي الرعية الخراج، ويدع الأرض التي كان اقتطعها كسرى لوالد المرزبان، صاحب مرو، حين قتل الحية التي كانت تقطع الطريق على الناس وتأكلهم، فصالحهم الأحنف على ذلك، وكتب لهم كتاب صلح بذلك‏.‏ 
ثم بعث الأحنف الأقرع بن حابس إلى الجوزجان ففتحها بعد قتال وقع بينهم، قتل فيه خلق من شجعان المسلمين، ثم نصروا فقال في ذلك أبو كثير النهشلي قصيدة طويلة فيها‏:‏ 
سقى مزن السحاب إذا استهلت * مصارع فتية بالجوزجان 
إلى القصرين من رستاق خوط * أبادهم هناك الأقرعان 
ثم سار الأحنف من مرو الروذ إلى بلخ فحاصرهم حتى صالحوه على أربعمائة ألف، واستناب ابن عمه أسيد بن المشمس على قبض المال، ثم ارتحل يريد الجهاد، وداهمه الشتاء فقال لأصحابه ما تشاؤون‏؟‏ 
فقالوا‏:‏ قد قال عمرو بن معد يكرب‏:‏ 
إذا لم تستطع شيئاً فدعه * وجاوزه إلى ما تستطيع 
فأمر الأحنف بالرحيل إلى بلخ فأقام بها مدة الشتاء، ثم عاد إلى عامر فقيل لابن عامر‏:‏ ما فتح على أحد ما فتح عليك، فارس وكرمان وسجستان وعامر خراسان ‏.‏ 
فقال‏:‏ لا جرم لأجعلن شكري لله على ذلك أن أحرم بعمرة من موقفي هذا مشمراً، فأحرم بعمرة من نيسابور، فلما قدم على عثمان لأمه على إحرامه من خراسان‏.‏ 
‏(‏ج/ص‏:‏ 7/181‏)‏ 
وفيها‏:‏ أقبل قارن في أربعين ألفاً فالتقاه عبد الله بن خازم في أربعة آلاف، وجعل لهم مقدمة ستمائة رجل، وأمر كلا منهم أن يحمل على رأس رمحه ناراً، وأقبلوا إليهم في وسط الليل فبيتوهم، فثاروا إليهم فناوشتهم المقدمة فاشتغلوا بهم، وأقبل عبد الله بن خازم بمن معه من المسلمين فاتفقوا هم وإياهم، فولى المشركون مدبرين، واتبعهم المسلمون يقتلون من شاؤوا كيف شاؤوا، وغنموا سبياً كثيراً وأموالاً جزيلة‏.‏ 
ثم بعث عبد الله بن خازم بالفتح إلى ابن عامر فرضي عنه وأقره على خراسان - وكان قد عزله عنها - فاستمر بها عبد الله بن خازم إلى ما بعد ذلك‏.‏ 
  ذكر من توفي من الأعيان في هذا السنة 
العباس بن عبد المطلب 
ابن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي أبو الفضل المكي عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ووالد الخلفاء العباسيين، وكان أسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنتين أو ثلاث، أسر يوم بدر، فافتدى نفسه بمال، وافتدى ابني أخويه عقيل بن أبي طالب، ونوفل بن الحارث‏.‏ 
وقد ذكرنا أنه لما أسر وشد في الوثاق وأمسى الناس، أرق رسول صلى الله عليه وسلم، فقيل‏:‏ ‏(‏‏(‏يا رسول الله، مالك‏؟‏ 
فقال‏:‏ إني أسمع أنين العباس في وثاقه فلا أنام‏)‏‏)‏‏.‏ 
فقام رجل من المسلمين فحل من وثاق العباس حتى سكن أنينه فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أسلم عام الفتح، وتلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الجحفة، فرجع معه وشهد الفتح، ويقال‏:‏ أنه أسلم قبل ذلك، ولكنه أقام بمكة بإذن النبي صلى الله عليه وسلم له في ذلك، كما ورد به الحديث فالله أعلم‏.‏ 
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجله ويعظمه، وينزله منزلة الوالد من الولد، ويقول‏:‏ ‏(‏‏(‏هذا بقية آبائي‏)‏‏)‏ وكان من أوصل الناس لقريش، وأشفقهم عليهم، وكان ذا رأي وعقل تام واف، وكان طويلاً جميلاً، أبيض بضاً ذا طفرتين، وكان له من الولد‏:‏ عشرة ذكور، سوى الإناث، وهم تمام - وكان أصغرهم - والحارث، وعبد الله، وعبيد الله، وعبد الرحمن، وعون، والفضل، وقثم، وكثير، ومعبد‏.‏ 
وأعتق سبعين مملوكاً من غلمانه‏.‏ 
وقال الإمام أحمد‏:‏ ثنا علي بن عبد الله قال‏:‏ حدثني محمد بن طلحة التميمي من أهل المدينة، حدثني أبو سهيل نافع بن مالك، عن سعيد بن المسيب، عن سعد بن أب