على المسلمين فكانت أول حصن فتح قبل دمشق على ما سيأتي تفصيله‏.‏ 
وبعث أبو عبيدة جيشاً يكون بين دمشق وبين فلسطين، وبعث ذا الكلاع في جيش يكون بين دمشق وبين حمص، ليرد من يرد إليهم من المدد من جهة هرقل‏.‏ 
ثم سار أبو عبيدة من مرج الصفر قاصداً دمشق، وقد جعل خالد بن الوليد في القلب، وركب أبو عبيدة وعمرو بن العاص في المجنبتين، وعلى الخيل عياض بن غنم، وعلى الرجالة شرحبيل بن حسنة، فقدموا دمشق وعليها نسطاس بن نسطوس، فنزل خالد بن الوليد على الباب الشرقي وإليه كيسان أيضاً‏.‏ 
ونزل أبو عبيدة على باب الجابية الكبير، ونزل يزيد بن أبي سفيان على باب الجابية الصغير، ونزل عمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة على بقية أبواب البلد، ونصبوا المجانيق والدبابات، وقد أرصد أبو عبيدة أبا الدرداء على جيش ببرزة يكونون ردءا له، وكذا الذي بينه وبين حمص وحاصروها حصاراً شديداً سبعين ليلة، وقيل‏:‏ أربعة أشهر، وقيل‏:‏ ستة أشهر، وقيل‏:‏ أربعة عشر شهراً فالله أعلم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 25‏)‏ 
وأهل دمشق ممتنعون منهم غاية الامتناع، ويرسلون إلى ملكهم هرقل - وهو مقيم بحمص - يطلبون منه المدد فلا يمكن وصول المدد إليهم من ذي الكلاع، الذي قد أرصده أبو عبيدة رضي الله عنه بين دمشق وبين حمص - عن دمشق ليلة - فلما أيقن أهل دمشق أنه لا يصل إليهم مدد أبلسوا وفشلوا وضعفوا، وقوي المسلمون واشتد حصارهم، وجاء فصل الشتاء واشتد البرد وعسر الحال وعسر القتال، فقدر الله الكبير المتعال، ذو العزة والجلال، أن ولد لبطريق دمشق مولود في تلك الليالي فصنع لهم طعاماً وسقاهم بعده شراباً، وباتوا عنده في وليمته قد أكلوا وشربوا وتعبوا فناموا عن مواقفهم، واشتغلوا عن أماكنهم وفطن لذلك أمير الحرب خالد بن الوليد فإنه كان لا ينام ولا يترك أحداً ينام، بل مراصد لهم ليلاً ونهاراً وله عيون وقصاد يرفعون إليه أحوال المقاتلة صباحاً ومساءاً‏.‏ 
فلما رأى حمدة تلك الليلة، وأنه لا يقاتل على السور أحد كان قد أعد سلاليم من حبال فجاء هو وأصحابه من الصناديد الأبطال مثل‏:‏ القعقاع بن عمرو، ومذعور بن عدي، وقد أحضر جيشه عند الباب وقال لهم‏:‏ إذا سمعتم تكبيرنا فوق السور فارقوا إلينا‏.‏ 
ثم نهد هو وأصحابه فقطعوا الخندق سباحة بقرب في أعناقهم، فنصبوا تلك السلالم وأثبتوا أعاليها بالشرفات، وأكدوا أسافلها خارج الخندق، وصعدوا فيها، فلما استووا على السور رفعوا أصواتهم بالتكبير، وجاء المسلمون فصعدوا في تلك السلالم، وانحدر خالد وأصحابه الشجعان من السور إلى البوابين فقتلوهم وقطع خالد، وأصحابه أغاليق الباب بالسيوف، وفتحوا الباب عنوة، فدخل الجيش الخالدي من الباب الشرقي‏.‏ 
ولما سمع أهل البلد التكبير ثاروا، وذهب كل فريق إلى أماكنهم من السور لا يدرون ما الخبر، فجعل كلما قدم أحد من أصحاب الباب الشرقي قتله أصحاب خالد‏.‏ 
ودخل خالد البلدة عنوة، فقتل من وجده، وذهب أهل كل باب فسألوا من أميرهم الذي عند الباب من خارج الصلح - وقد كان المسلمون دعوهم إلى المشاطرة فيأبون عليهم - فلما دعوهم إلى ذلك أجابوهم‏.‏ 
ولم يعلم بقية الصحابة ما صنع خالد‏.‏ 
ودخل المسلمون من كل جانب وباب فوجدوا خالداً وهو يقتل من وجده، فقالوا له‏:‏ إنا قد أمناهم، فقال‏:‏ إني فتحتها عنوة‏.‏ 
والتقت الأمراء في وسط البلد عند كنيسة المقسلاط بالقرب من درب الريحان اليوم‏.‏ 
هكذا ذكره سيف بن عمرو وغيره وهو المشهور أن خالدا فتح الباب قسراً‏.‏ 
وقال آخرون‏:‏ بل الذي فتحها عنوة أبو عبيدة‏.‏ 
وقيل‏:‏ يزيد بن أبي سفيان، وخالد صالح أهل البلد فعكسوا المشهور المعروف‏.‏ والله أعلم‏.‏ 
‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 26‏)‏ 
وقد اختلف الصحابة فقال قائلون‏:‏ هي صلح - يعني على ما صالحهم الأمير في نفس الأمر وهو أبو عبيدة -‏.‏ 
وقال آخرون‏:‏ بل هي عنوة، لأن خالداً افتتحها بالسيف أولاً كما ذكرنا، فلما أحسوا بذلك ذهبوا إلى بقية الأمراء ومعهم أبو عبيدة فصالحوهم، فاتفقوا فيما بينهم على أن جعلوا نصفها صلحاً ونصفها عنوة، فملك أهلها نصف ما كان بأيديهم وأقروا عليه، واستقرت يد الصحابة على النصف‏.‏ 
ويقوي هذا ما ذكره سيف بن عمرو‏:‏ من أن الصحابة كانوا يطلبون إليهم أن يصالحوهم على المشاطرة فيأبون، فلما أحسوا باليأس أنابوا إلى ما كانت الصحابة دعوهم إليه فبادروا إلى إجابتهم‏.‏ 
ولم تعلم الصحابة بما كان من خالد إليهم والله أعلم‏.‏ 
ولهذا أخذ الصحابة نصف الكنيسة العظمى التي كانت بدمشق، تعرف‏:‏ بكنيسة يوحنا‏.‏ 
فاتخذوا الجانب الشرقي منها مسجداً، وأبقوا لهم النصف الغربي كنيسة، وقد أبقوا لهم مع ذلك أربع عشرة كنيسة أخرى مع نصف الكنيسة المعروفة‏:‏ بيوحنا وهي‏:‏ جامع دمشق اليوم، وقد كتب إليهم خالد بن الوليد كتاباً، وكتب فيه شهادته أبو عبيدة، وعمرو بن العاص، ويزيد بن أبي سفيان، وشرحبيل‏:‏ 
إحداها‏:‏ كنيسة المقسلاط التي اجتمع عندها أمراء الصحابة، وكانت مبنية على ظهر السوق الكبير، وهذه القناطر المشاهدة في سوق الصابونيين من بقية القناطر التي كانت تحتها، ثم بادت فيما بعد وأخذت حجارتها في العمارات‏.‏ 
الثانية‏:‏ كنيسة كانت في رأس درب القرشيين، وكانت صغيرة‏.‏ 
قال الحافظ ابن عساكر‏:‏ وبعضها باق إلى اليوم وقد تشعثت‏.‏ 
الثالثة‏:‏ كانت بدار البطيخ العتيقة‏.‏ 
قلت‏:‏ وهي داخل البلد بقرب الكوشك، وأظنها هي المسجد الذي قبل هذا المكان المذكور، فإنها خربت من دهر والله أعلم‏.‏ 
الرابعة‏:‏ كانت بدرب بني نصر بين درب الحبالين ودرب التميمي‏.‏ 
قال الحافظ ابن عساكر‏:‏ وقد أدركت بعض بنيانها، وقد خرب أكثرها‏.‏ 
الخامسة‏:‏ كنيسة بولص‏.‏ 
قال ابن عساكر‏:‏ وكانت غربي القيسارية الفخرية، وقد أدركت من بنيانها بعض أساس الحنية‏.‏ 
السادسة‏:‏ كانت في موضع دار الوكالة، وتعرف اليوم بكنيسة القلانسيين‏.‏ 
قلت‏:‏ والقلانسيين هي‏:‏ الحواحين اليوم‏.‏ 
السابعة‏:‏ التي بدرب السقيل اليوم، وتعرف‏:‏ بكنيسة حميد بن درة سابقاً، لأن هذا الدرب كان أقطاعاً له وهو‏:‏ حميد بن عمرو بن مساحق القرشي العامري، ودرة أمه، وهي‏:‏ درة ابنة هاشم بن عتبة بن ربيعة، فأبوها خال معاوية‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 27‏)‏ 
وكان قد أقطع هذا الدرب فنسبت هذه الكنيسة إليه، وكان مسلماً، ولم يبق لهم اليوم سواها، وقد خرب أكثرها، ولليعقوبية منهم كنيسة داخل باب توما بين رحبة وخالد - وهو‏:‏ خالد بن أسيد بن أبي العيص - وبين درب طلحة بن عمرو بن مرة الجهني، وهي‏:‏ الكنيسة الثامنة، وكان لليعقوبيين كنيسة أخرى فيما بين التنوى وسوق علي‏.‏ 
قال ابن عساكر‏:‏ قد بقي من بنائها بعضه، وقد خربت منذ دهر، وهي‏:‏ الكنيسة التاسعة‏.‏ 
وأما العاشرة‏:‏ فهي الكنيسة المصلبة‏.‏ 
قال الحافظ ابن عساكر‏:‏ وهي باقية إلى اليوم بين الباب الشرقي وباب توما بقرب النيبطن عند السور، والناس اليوم يقولون‏:‏ النيطون‏.‏ 
قال ابن عساكر‏:‏ وقد خرب أكثرها هكذا قال‏.‏ 
وقد خرجت هذه الكنيسة وهدمت في أيام صلاح الدين فاتح القدس بعد الثمانين وخمسمائة بعد موت الحافظ ابن عساكر رحمه الله‏.‏ 
الحادية عشرة‏:‏ كنيسة مريم داخل الباب الشرقي‏.‏ 
قال ابن عساكر‏:‏ وهي من أكبر ما بقي بأيديهم‏.‏ 
قلت‏:‏ ثم خربت بعد موته بدهر في أيام الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري على ما سيأتي بيانه‏.‏ 
الثانية عشرة‏:‏ كنيسة اليهود التي بأيديهم اليوم في حارتهم، ومحلها معروف بالقرب من الجبر، وتمسيه الناس اليوم بستان القط، وكانت لهم كنيسة في درب البلاغة لم تكن داخلة في العهد فهدمت فيما بعد وجعل مكانها المسجد المعروف‏:‏ بمسجد ابن السهروردي، والناس يقولون درب الشاذوري‏.‏ 
قلت‏:‏ وقد أخربت لهم كنيسة كانوا قد أحدثوها لم يذكرها أحد من علماء التاريخ ولا ابن عساكر ولا غيره، وكان إخرابها في حدود سنة سبع عشرة وسبعمائة، ولم يتعرض الحافظ ابن عساكر لذكر كنيسة السامرة بمرة‏.‏ 
ثم قال ابن عساكر‏:‏ ومما أحدث - يعني‏:‏ النصارى - كنيسة بناها أبو جعفر المنصور بنى قطيطا في الفريق عند قناة صالح قريباً من دازبها وأرمن اليوم‏.‏ 
قال‏:‏ ومما أحدث كنيستنا العباد، إحداهما‏:‏ عند دار ابن وقد أخربت فيما بعد وجعلت مسجداً، يعرف‏:‏ بمسجد الجنيق، وهو مسجد أبي اليمن الماشلي، وقد جعلت مسجداً، والأخرى التي في رأس درب النقاشين وقد جعلت مسجداً‏.‏ 
انتهى ما ذكره الحافظ ابن عساكر الدمشقي رحمه الله‏.‏ 
قلت‏:‏ وظاهر سياق سيف بن عمر يقتضي‏:‏ أن فتح دمشق وقع في سنة ثلاث عشرة، ولكن نص سيف على ما نص عليه الجمهور‏:‏ من أنها فتحت في نصف رجب سنة أربع عشرة‏.‏ 
كذا حكاه الحافظ ابن عساكر، من طريق محمد بن عائذ القرشي الدمشقي، عن الوليد بن مسلم، عن عثمان بن حصين بن غلاق، عن يزيد بن عبيدة قال‏:‏ فتحت دمشق سنة أربع عشرة‏.‏ 
ورواه دحيم عن الوليد قال‏:‏ سمعت أشياخاً يقولون‏:‏ إن دمشق فتحت سنة أربع عشرة‏.‏ 
وهكذا قال سعيد بن عبد العزيز، وأبو معشر، ومحمد بن إسحاق، ومعمر، والأموي، وحكاه عن مشايخه، وابن الكلبي، وخليفة بن خياط، وأبو عبيد القاسم بن سلام‏:‏ أن فتح دمشق كان في سنة أربع عشرة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 28‏)‏ 
وزاد سعيد بن عبد العزيز، وأبو معشر، والأموي‏:‏ وكانت اليرموك بعدها بسنة‏.‏ 
وقال بعضهم‏:‏ بل كان فتحها في شوال سنة أربع عشرة‏.‏ 
وقال خليفة‏:‏ حاصرهم أبو عبيدة في رجب وشعبان ورمضان وشوال، وتم الصلح في ذي القعدة‏.‏ 
وقال الأموي في مغازيه‏:‏ كانت وقعة أجنادين في جمادى الأولى، ووقعة فحل في ذي القعدة سنة ثلاث عشرة، - يعني‏:‏ ووقعة دمشق سنة أربع عشرة -‏.‏ 
وقال دحيم عن الوليد‏:‏ حدثني الأموي‏:‏ أن وقعة فحل وأجنادين كانت في خلافة أبي بكر، ثم مضى المسلمون إلى دمشق فنزلوا عليها في رجب سنة ثلاث عشرة، يعني‏:‏ ففتحوها في سنة أربع عشرة‏.‏ 
وكانت اليرموك سنة خمس عشرة، وقدم عمر إلى بيت المقدس سنة ست عشرة‏.‏ 

  فصل الاختلاف في فتح دمشق صلحاً أو عنوة‏.‏ 
واختلف العلماء في دمشق هل فتحت صلحاً أو عنوة‏؟‏ 
فأكثر العلماء على أنه استقر أمرها على الصلح، لأنهم شكوا في المتقدم على الآخر أفتحت عنوة، ثم عدل الروم إلى المصالحة، أو فتحت صلحاً، أو اتفق الاستيلاء من الجانب الآخر قسراً‏؟‏ فلما شكوا في ذلك جعلوها صلحاً احتياطاً‏.‏ 
وقيل‏:‏ بل جعل نصفها صلحاً، ونصفها عنوة، وهذا القول قد يظهر من صنع الصحابة في الكنيسة العظمى التي كانت أكبر معابدهم حين أخذوا نصفها وتركوا لهم نصفها‏.‏ والله أعلم‏.‏ 
ثم قيل‏:‏ أن أبا عبيدة هو الذي كتب لهم كتاب الصلح، وهذا هو الأنسب والأشهر، فإن خالداً كان قد عزل عن الإمرة‏.‏ 
وقيل‏:‏ بل الذي كتب لهم الصلح خالد بن الوليد، ولكن أقره على ذلك أبو عبيدة فالله أعلم‏.‏ 
وذكر أبو حذيفة إسحاق بن بشر‏:‏ أن الصديق توفي قبل فتح دمشق، وأن عمر كتب إلى أبي عبيدة يعزيه والمسلمين في الصديق، وأنه قد استنابه على من بالشام، وأمره أن يستشير خالداً في الحرب، فلما وصل الكتاب إلى أبي عبيدة كتمه من خالد حتى فتحت دمشق بنحو من عشرين ليلة‏.‏ 
فقال له خالد‏:‏ يرحمك الله ما منعك أن تعلمني حين جاءك‏؟‏ 
فقال‏:‏ إني كرهت أن أكسر عليك حربك، وما سلطان الدنيا أريد، ولا للدنيا أعمل، وما ترى سيصير إلى زوال وانقطاع، وإنما نحن إخوان، وما يضر الرجل أن يليه أخوه في دينه ودنياه‏.‏ 
ومن أعجب ما يذكر ههنا‏:‏ ما رواه يعقوب بن سفيان الفسوي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا عبد الملك بن محمد، حدثنا راشد بن داود الصنعاني، حدثني أبو عثمان الصنعاني شراحيل بن مرثد قال‏:‏ بعث أبو بكر خالد بن الوليد إلى أهل اليمامة، وبعث يزيد بن أبي سفيان إلى الشام، فذكر الراوي‏.‏ 
فقال خالد لأهل اليمامة إلى أن قال‏:‏ ومات أبو بكر واستخلف عمر، فبعث أبا عبيدة إلى الشام فقدم دمشق فاستمد أبو عبيدة عمر، فكتب عمر إلى خالد بن الوليد أن يسير إلى أبي عبيدة بالشام، فذكر مسير خالد من العراق إلى الشام كما تقدم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 29‏)‏ 
وهذا غريب جداً، فإن الذي لا يشك فيه أن الصديق هو الذي بعث أبا عبيدة وغيره من الأمراء إلى الشام، وهو الذي كتب إلى خالد بن الوليد أن يقدم من العراق إلى الشام ليكون مدداً لمن به، وأميراً عليهم ففتح الله تعالى عليه وعلى يديه جميع الشام على ما سن