طائفة بالأعوص، والجمهور بذي المروة، وهم على وجل من أهل المدينة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 195‏)‏ 
فبعثوا قصّاداً وعيوناً بين أيديهم ليخبروا الناس أنهم إنما جاؤا للحج لا لغيره، وليستعفوا هذا الوالي من بعض عماله، ما جئنا إلا لذلك، واستأذنوا للدخول فكل الناس أبى دخولهم ونهى عنه، فتجاسروا واقتربوا من المدينة وجاءت طائفة من المصريين إلى علي، وهو في عسكر عند أحجار الزيت، عليه حلة أصواف معتم بشقيقة حمراء يمانية، متقلداً السيف، وليس عليه قميص‏.‏ 
وقد أرسل ابنه الحسن إلى عثمان فيمن اجتمع إليه فسلم عليه المصريون، فصاح بهم وطردهم، وقال‏:‏ لقد علم الصالحون أن جيش ذي المروة وذي خشب ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم فارجعوا لا صبحكم الله‏.‏ قالوا‏:‏ نعم ‏!‏‏.‏ 
وانصرفوا من عنده على ذلك، وأتى البصريون طلحة وهو في جماعة أخرى إلى جنب علي - وقد أرسل ابنيه إلى عثمان - فسلموا عليه فصاح بهم وطردهم وقال لهم كما قال علي لأهل مصر، وكذلك كان رد الزبير على أهل الكوفة‏.‏ 
فرجع كل فريق منهم إلى قومهم، وأظهروا للناس أنهم راجعون إلى بلدانهم، وساروا أياماً راجعين، ثم كروا عائدين إلى المدينة فما كان غير قليل حتى سمع أهل المدينة التكبير، وإذا القوم قد زحفوا على المدينة، وأحاطوا بها، وجمهورهم عند دار عثمان بن عفان‏.‏ وقالوا للناس‏:‏ من كف يده فهو آمن، فكف الناس ولزموا بيوتهم، وأقام الناس على ذلك أياماً‏.‏ 
هذا كله ولا يدري الناس ما القوم صانعون، ولا على ما هم عازمون، وفي كل ذلك وأمير المؤمنين عثمان بن عفان يخرج من داره فيصلي بالناس فيصلي وراءه أهل المدينة، وأولئك الآخرون، وذهب الصحابة إلى هؤلاء يؤنبونهم ويعذلونهم على رجوعهم‏.‏ 
حتى قال علي لأهل مصر‏:‏ ما ردكم بعد ذهابكم ورجوعكم عن رأيكم ‏؟‏‏.‏ 
فقالوا‏:‏ وجدنا مع بريد كتاباً بقتلنا، وكذلك قال البصريون لطلحة، والكوفيون للزبير‏.‏ 
وقال أهل كل مصر‏:‏ إنما جئنا لننصر أصحابنا‏.‏ 
فقال لهم الصحابة‏:‏ كيف علمتم بذلك من أصحابكم وقد افترقتم وصار بينكم مراحل‏؟‏ إنما هذا أمر اتفقتم عليه‏.‏ 
فقالوا‏:‏ ضعوه على ما أردتم، لا حاجة لنا في هذا الرجل، ليعتزلنا ونحن نعتزله - يعنون‏:‏ أنه إن نزل عن الخلافة تركوه آمنا -‏.‏ 
وكان المصريون فيما ذكر، لما رجعوا إلى بلادهم وجدوا في الطريق بريداً يسير، فأخذوه ففتشوه، فإذا معه في إدواة كتاباً على لسان عثمان فيه الأمر بقتل طائفة منهم، وبصلب آخرين، وبقطع أيدي آخرين منهم وأرجلهم، وكان على الكتاب طابع بخاتم عثمان، والبريد أحد غلمان عثمان وعلى جمله‏.‏ 
فلما رجعوا جاؤوا بالكتاب وداروا به على الناس، فكلم الناس أمير المؤمنين في ذلك، فقال‏:‏ بينة علي بذلك، وإلا فوالله لا كتبت، ولا أمليت، ولا دريت بشيء من ذلك، والخاتم قد يزور على الخاتم، فصدقه الصادقون في ذلك، وكذبه الكاذبون‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 196‏)‏ 
ويقال‏:‏ إن أهل مصر كانوا قد سألوا من عثمان أن يعزل عنهم ابن أبي سرح، ويولي محمد بن أبي بكر‏.‏ 
فأجابهم إلى ذلك، فلما رجعوا وجدوا ذلك البريد ومعه الكتاب بقتل محمد بن أبي بكر وآخرين معه، فرجعوا وقد حنقوا عليه حنقاً شديداً، وطافوا بالكتاب على الناس، فدخل ذلك في أذهان كثير من الناس‏.‏ 
وروى ابن جرير‏:‏ من طريق محمد بن إسحاق، عن عمه عبد الرحمن بن يسار، أن الذي كان معه الرسالة من جهة عثمان إلى مصر أبو الأعور السلمي، على جمل لعثمان‏.‏ 
وذكر ابن جرير من هذه الطريق‏:‏ أن الصحابة كتبوا إلى الآفاق من المدينة يأمرون الناس بالقدوم على عثمان ليقاتلوه، وهذا كذب على الصحابة، وإنما كتبت كتب مزورة عليهم، كما كتبوا من جهة علي وطلحة والزبير إلى الخوارج كتباً مزورة عليهم أنكروها، وهكذا زور هذا الكتاب على عثمان أيضاً، فإنه لم يأمر به، ولم يعلم به أيضاً‏.‏ 
واستمر عثمان يصلي بالناس في تلك الأيام كلها، وهم أحقر في عينه من التراب، فلما كان في بعض الجمعات وقام على المنبر وفي يده العصا التي كان يعمد إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته، وكذلك أبو بكر وعمر رضي الله عنهما من بعده، فقام إليه رجل من أولئك فسبه ونال منه، وأنزله عن المنبر، فطمع الناس فيه من يومئذ‏.‏ 
كما قال الواقدي‏:‏ حدثني أسامة بن يزيد، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أبيه قال‏:‏ بينا أنا أنظر إلى عثمان على عصا النبي صلى الله عليه وسلم التي يخطب عليها وأبو بكر وعمر، فقال له‏:‏ جهجاه، قم يا نعثل فانزل عن هذا المنبر، وأخذ العصا فكسرها على ركبته اليمنى فدخلت شظية منها فيها فبقى الجرح حتى أصابته الأكلة، فرأيتها تدود، فنزل عثمان وحملوه، وأمر بالعصا فشدوها، فكانت مضببة، فما خرج بعد ذلك اليوم إلا خرجة أو خرجتين حتى حصر فقتل‏.‏ 
قال ابن جرير‏:‏ وحدثنا أحمد بن إبراهيم، ثنا عبد الله ابن إدريس، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع‏:‏ أن الجهجاه الغفاري أخذ عصا كانت في يد عثمان فكسرها على ركبته، فرمي في ذلك المكان بأكلة‏.‏ 
وقال الواقدي‏:‏ وحدثني ابن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن ابن أبي حبيبة قال‏:‏ خطب عثمان الناس في بعض أيامه‏.‏ 
فقال عمرو بن العاص‏:‏ يا أمير المؤمنين، إنك ركبت بهاتير، وركبناها معك، فتب نتب معك‏.‏ 
فاستقبل عثمان القبلة وشمر يديه، وقال ابن أبي حبيبة‏:‏ فلم أر يوماً أكثر باكياً ولا باكية من يومئذ‏.‏ 
‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 197‏)‏ 
ثم لما كان بعد ذلك خطب الناس، فقام إليه جهجاه الغفاري فصاح إليه‏:‏ يا عثمان ألا إن هذه شارف قد جئنا بها عليها عباءة وجامعة، فانزل فلندرجك في العباة ولنطرحك في الجامعة ولنحملك على الشارف ثم نطرحك في جبل الدخان‏.‏ 
فقال عثمان‏:‏ قبحك الله وقبح ما جئت به، ثم نزل عثمان‏.‏ 
قال ابن أبي حبيبة‏:‏ وكان آخر يوم رأيته فيه‏.‏ 
وقال الواقدي‏:‏ حدثني أبو بكر بن إسماعيل، عن أبيه، عن عامر بن سعد قال‏:‏ كان أول من اجترأ على عثمان بالنطق السيء جبلة بن عمرو الساعدي مر به عثمان وهو في نادي قومه، وفي يد جبلة جامعة، فلما مر عثمان سلم فرد القوم‏.‏ 
فقال جبلة‏:‏ لم تردون عليه‏؟‏ رجل قال كذا وكذا، ثم أقبل على عثمان فقال‏:‏ والله لأطرحن هذه الجامعة في عنقك، أو لتتركن بطانتك هذه‏.‏ 
فقال عثمان‏:‏ أي بطانة‏؟‏ فوالله لأتخير الناس، فقال مروان تخيرته، ومعاوية تخيرته، وعبد الله بن عامر بن كريز تخيرته، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح تخيرته، منهم من نزل القرآن بذمه، وأباح رسول الله صلى الله عليه وسلم دمه، قال‏:‏ فانصرف عثمان فما زال الناس مجترئين عليه إلى هذا اليوم‏.‏ 
قال الواقدي‏:‏ وحدثني محمد بن صالح، عن عبيد الله بن رافع بن نقاخة، عن عثمان بن الشريد‏.‏ 
قال‏:‏ مر عثمان على جبلة بن عمرو الساعدي وهو بفناء داره، ومعه جامعة، فقال‏:‏ يا نعثل‏!‏ والله لأقتلنك ولأحملنك على قلوص جرباء، ولأخرجنك إلى حرة النار‏.‏ 
ثم جاءه مرة أخرى وعثمان على المنبر فأنزله عنه‏.‏ 
وذكر سيف بن عمر‏:‏ أن عثمان بعد أن صلى بالناس يوم الجمعة، صعد المنبر فخطبهم أيضاً فقال في خطبته‏:‏ يا هؤلاء الغرباء‏!‏ الله الله، فوالله إن أهل المدينة ليعلمون أنكم ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم، فامحوا الخطأ بالصواب، فإن الله لا يمحو السيء إلا بالحسن‏.‏ 
فقام محمد بن مسلمة فقال‏:‏ أنا أشهد بذلك، فأخذه حُكَيم بن جبلة فأقعده، فقام زيد بن ثابت فقال‏:‏ إنه في الكتاب‏.‏ 
فثار إليه من ناحية أخرى محمد بن أبي مريرة فأقعده‏.‏ 
وقال‏:‏ يا نطع، وثار القوم بأجمعهم، فحصبوا الناس حتى أخرجوهم من المسجد، وحصبوا عثمان حتى صرع من المنبر مغشياً عليه، فاحتمل وأدخل داره‏.‏ 
وكان المصريون لا يطمعون في أحد من الناس أن يساعدهم إلا محمد بن أبي بكر، ومحمد بن جعفر، وعمار بن ياسر‏.‏ 
وأقبل علي وطلحة والزبير إلى عثمان في أناس يعودونه ويشكون إليه بثهم وما حل بالناس، ثم رجعوا إلى منازلهم، واستقبل جماعة من الصحابة، منهم أبو هريرة وابن عمر، وزيد بن ثابت في المحاربة عن عثمان، فبعث إليهم يقسم عليهم لما كفوا أيديهم وسكنوا حتى يقضى الله ما يشاء‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/198‏)‏ 
  ذكر حصر أمير المؤمنين عثمان بن عفان 
لما وقع ما وقع يوم الجمعة، وشج أمير المؤمنين عثمان، وهو في رأس المنبر، وسقط مغشياً عليه واحتمل إلى داره وتفاقم الأمر، وطمع فيه أولئك الأجلاف الأخلاط من الناس، وألجاؤه إلى داره، وضيقوا عليه، وأحاطوا بها محاصرين له، ولزم كثير من الصحابة بيوتهم‏.‏ 
وسار إليه جماعة من أبناء الصحابة عن أمر آبائهم، منهم‏:‏ الحسن والحسين، وعبد الله بن الزبير - وكان أمير الدار - وعبد الله بن عمرو، وصاروا يحاجون عنه، ويناضلون دونه أن يصل إليه أحد منهم، وأسلمه بعض الناس رجاء أن يجيب أولئك إلى واحدة مما سألوا، فإنهم كانوا قد طلبوا منه إما أن يعزل نفسه، أو يسلم إليهم مروان بن الحكم، ولم يقع في خلد أحد أن القتل كان في نفس الخارجين‏.‏ 
وانقطع عثمان عن المسجد فكان لا يخرج إلا قليلاً في أوائل الأمر، ثم انقطع بالكلية في آخره، وكان يصلي بالناس في هذه الأيام الغافقي بن حرب‏.‏ 
وقد استمر الحصر أكثر من شهر، وقيل‏:‏ أربعين يوماً حتى كان آخر ذلك أن قتل شهيداً رضي الله عنه، على ما سنبينه إن شاء الله تعالى‏.‏ 
والذي ذكره ابن جرير‏:‏ أن الذي كان يصلي بالناس في هذه المدة وعثمان محصور، طلحة بن عبيد الله‏.‏ 
وفي صحيح البخاري عن، وروى الواقدي‏:‏ أن علياً صلى أيضاً، وصلى أبو أيوب، وصلى بهم سهل بن حنيف، وكان يجمع بهم علي، وهو الذي صلى بهم بعد، وقد خاطب الناس في غبوب ذلك بأشياء، وجرت أمور سنورد منها ما تيسر‏.‏ وبالله المستعان‏.‏ 
قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا بهز، ثنا أبو عوانة، ثنا حصين عن عمرو بن جاوان قال‏:‏ قال الأحنف‏:‏ انطلقنا حجاجاً، فمررنا بالمدينة، فبينا نحن في منزلنا إذ جاءنا آت فقال‏:‏ الناس في المسجد، فانطلقت أنا وصاحبي، فإذا الناس مجتمعون على نفر في المسجد، قال‏:‏ فتخللتهم، حتى قمت عليهم، فإذا علي بن أبي طالب، والزبير، وطلحة، وسعد بن أبي وقاص، قال‏:‏ فلم يكن ذلك بأسرع من أن جاء عثمان يمشي‏.‏ 
فقال‏:‏ ههنا علي‏؟‏ 
قالوا‏:‏ نعم‏!‏ 
قال‏:‏ ههنا الزبير‏؟‏ 
قالوا‏:‏ نعم‏!‏ 
قال‏:‏ ههنا طلحة‏؟‏ 
قالوا‏:‏ نعم‏!‏ 
قال‏:‏ ههنا سعد بن أبي وقاص‏؟‏ 
قالوا‏:‏ نعم ‏!‏ 
فقال‏:‏ أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو، تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏من يبتاع مربد بني فلان غفر الله له‏)‏‏)‏ فابتعته، فأتيت رسول الله فقلت‏:‏ إني قد ابتعته، فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏اجعله في مسجدنا وأجره لك‏)‏‏)‏‏.‏ 
قالوا‏:‏ نعم‏!‏ 
قال‏:‏ أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو، تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏من يبتاع بئر رومة‏)‏‏)‏ فابتعتها بكذا وكذا‏.‏ 
فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت‏:‏ إني قد ابتعتها - يعني‏:‏ بئر رومة -‏.‏ 
قال‏:‏ ‏(‏‏(‏اجعلها سقاية للمسلمين، ولك أجرها‏)‏‏)‏‏.‏ 
قالوا‏:‏ نعم‏!‏ 
قال‏:‏ أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو، تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر في وجوه القوم يوم جيش العسرة، فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏من يجهز هؤلاء غفر الله له‏)‏‏)‏ فجهزتهم حتى ما يفقدون خطاماً ولا عقالاً‏؟‏ 
قالوا‏:‏ اللهم نعم‏!‏ 
فقال‏:‏ اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد، ثم انصرف‏.‏ 
ورواه النسائي من حديث حصين وعنده جاء رجل وعليه ملاءة صفراء‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/199‏)‏ 
طريق أخرى 
قال عبد الله بن أحمد‏:‏ حدثني عبد الله بن عمر القواريري، حدثني القاسم بن الحكم بن أوس الأنصاري، حدثني أبو عبادة الدرقي الأنصاري، من أهل الحديبية، عن زيد بن أسلم عن أبيه قال‏:‏ شهدت عثمان يوم حصر في موضع الجنائز، ولو ألقى حجر لم يقع إلا على رأس رجل، فرأيت عثمان أشرف من الخوخة التي تلي مقام جبريل، فقال‏:‏ أيها الناس‏!‏ أفيكم طلحة‏؟‏ فسكتوا، ثم قال‏:‏ أيها الناس، أفيكم طلحة‏؟‏ فسكتوا، ثم قال‏:‏ أيها الناس، أفيكم طلحة‏؟‏ 
فقام طلحة بن عبيد الله، فقال له عثمان‏:‏ ألا أراك ههنا، ما كنت أرى أنك تكون في جماعة قوم تسمع نداي إلى آخر ثلاث مرات، ثم لا تجيبني، أنشدك الله يا طلحة تذكر يوم كنت وأنا وأنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في موضع كذا وكذا، ليس معه أحد من أص