مية لأيتام وأرامل، فأحببت أن أذكره بها، فكذبوها في ذلك، ونالها منهم شدة عظيمة، وقطعوا حزام البغلة وندَّت بها وكادت أو سقطت عنها، وكادت تقتل لولا تلاحق بها الناس فأمسكوا بدابتها، ووقع أمر كبير جداً‏.‏ 
ولم يبق يحصل لعثمان وأهله من الماء إلا ما يوصله إليهم آل عمرو بن حزم في الخفية ليلاً، فإنا لله وإنا إليه راجعون‏.‏ 
ولما وقع هذا أعظمه الناس جداً، ولزم أكثر الناس بيوتهم، وجاء وقت الحج فخرجت أم المؤمنين عائشة في هذه السنة إلى الحج، فقيل لها‏:‏ إنك لو أقمت كان أصلح، لعل هؤلاء القوم يهابونك‏.‏ 
فقالت‏:‏ إني أخشى أن أشير عليهم برأي فينالني منهم من الأذية ما نال أم حبيبة، فعزمت على الخروج‏.‏ 
واستخلف عثمان رضي الله عنه في هذه السنة على الحج عبد الله بن عباس‏.‏ 
فقال له عبد الله بن عباس‏:‏ إن مقامي على بابك أحاجف عنك أفضل من الحج، فعزم عليه فخرج بالناس إلى الحج، واستمر الحصار بالدار حتى مضت أيام التشريق، ورجع اليسير من الحج، فأُخبر بسلامة الناس، وأخبر أولئك بأن أهل الموسم عازمون على الرجوع إلى المدينة ليكفوكم عن أمير المؤمنين‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 210‏)‏ 
وبلغتهم أيضاً‏:‏ أن معاوية قد بعث جيشاً مع حبيب بن مسلمة، وأن عبد الله بن سعد بن أبي سرح قد نفذ آخر مع معاوية بن خديج، وأن أهل الكوفة قد بعثوا القعقاع بن عمرو في جيش، وأن أهل البصرة بعثوا مجاشعاً في جيش‏.‏ 
فعند ذلك صمموا على أمرهم وبالغوا فيه وانتهزوا الفرصة بقلة الناس وغيبتهم في الحج، وأحاطوا بالدار، وجدوا في الحصار، وأحرقوا الباب، وتسوروا من الدار المتاخمة للدار كدار عمرو بن حزم وغيرها، وحاجف الناس عن عثمان أشد المحاجفة، واقتتلوا على الباب قتالاً شديداً، وتبارزوا وتراجزوا بالشعر في مبارزتهم‏.‏ 
وجعل أبو هريرة يقول‏:‏ هذا يوم طاب في الضراب فيه‏.‏ 
وقتل طائفة من أهل الدار، وآخرين من أولئك الفجار، وجرح عبد الله بن الزبير جراحات كثيرة، وكذلك جرح الحسن بن علي، ومروان بن الحكم فقطع إحدى علباويه، فعاش أوقص حتى مات‏.‏ 
ومن أعيان من قتل من أصحاب عثمان‏:‏ زياد بن نعيم الفهري، والمغيرة بن الأخنس بن شريق، ونيار بن عبد الله الأسلمي، في أناس وقت المعركة‏.‏ 
ويقال‏:‏ إنه انهزم أصحاب عثمان ثم رجعوا‏.‏ 
ولما رأى عثمان ذلك عزم على الناس لينصرفوا إلى بيوتهم، فانصرفوا كما تقدم، فلم يبق عنده أحد سوى أهله، فدخلوا عليه من الباب، ومن الجدران، وفزع عثمان إلى الصلاة، وافتتح سورة طه - وكان سريع القراءة - فقرأها والناس في غلبة عظيمة، قد احترق الباب والسقيفة التي عنده، وخافوا أن يصل الحريق إلى بيت المال، ثم فرغ عثمان من صلاته، وجلس وبين يديه المصحف وجعل يتلو هذه الآية‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 173‏]‏‏.‏ 
فكان أول من دخل عليه رجل يقال له‏:‏ الموت الأسود، فخنقه خنقاً شديداً حتى غشي عليه، وجعلت نفسه تتردد في حلقه فتركه، وهو يظن أنه قد قتله، ودخل ابن أبي بكر فمسك بلحيته ثم ند وخرج، ثم دخل عليه آخر ومعه سيف فضربه به فاتقاه بيده فقطعها، فقيل‏:‏ إنه أبانها‏.‏ 
وقيل‏:‏ بل قطعها ولم يبنها، إلا أن عثمان قال‏:‏ والله إنها أول يد كتبت المفصل، فكان أول قطرة دم منها سقطت على هذه الآية‏:‏ ‏{‏فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 137‏]‏‏.‏ 
ثم جاء آخر شاهراً سيفه، فاستقبلته نائلة بنت الفرافصة لتمنعه منه، وأخذت السيف فانتزعه منها فقطع أصابعها، ثم إنه تقدم إليه فوضع السيف في بطنه فتحامل عليه، رضي الله عن عثمان‏.‏ 
وفي رواية‏:‏ أن الغافقي بن حرب تقدم إليه بعد محمد بن أبي بكر فضربه بحديدة في فيه، ورفس المصحف الذي بين يديه برجله، فاستدار المصحف، ثم استقر بين يدي عثمان رضي الله عنه، وسالت عليه الدماء‏.‏ 
ثم تقدم سودان بن حمران بالسيف فما نعته نائلة فقطع أصابعها فولت، فضرب عجيزتها بيده، وقال‏:‏ إنها لكبيرة العجيزة، وضرب عثمان فقتله، فجاء غلام عثمان فضرب سودان فقتله، فضرب الغلام رجل يقال له‏:‏ قترة فقتله‏.‏ 
وذكر ابن جرير‏:‏ أنهم أرادوا حز رأسه بعد قتله، فصاح النساء، وضربن وجوههن، فيهن امرأتاه‏:‏ نائلة وأم البنين، وبناته‏.‏ 
فقال ابن عديس‏:‏ اتركوه، فتركوه‏.‏ 
‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 211‏)‏ 
ثم مال هؤلاء الفجرة على ما في البيت فنهبوه، وذلك أنه نادى مناد منهم‏:‏ أيحل لنا دمه، ولا يحل لنا ماله، فانتهبوه، ثم خرجوا فأغلقوا الباب على عثمان وقتيلين معه‏.‏ 
فلما خرجوا إلى صحن الدار، وثب غلام لعثمان على قترة فقتله، وجعلوا لا يمرون على شيء إلا أخذوه حتى استلب رجل يقال له‏:‏ كلثوم التجيبي، ملاءة نائلة، فضربه غلام لعثمان فقتله، وقتل الغلام أيضاً‏.‏ 
ثم تنادى القوم أن أدركوا بيت المال لا تستبقوا إليه، فسمعهم حفظه بيت المال فقالوا‏:‏ 
يا قوم النجا النجا، فإن هؤلاء القوم لم يصدقوا فيما قالوا من أن قصدهم قيام الحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك مما ادعوا أنهم إنما قاموا لأجله، وكذبوا إنما قصدهم الدنيا، فانهزموا، وجاء الخوارج فأخذوا مال بيت المال، وكان فيه شيء كثير جداً‏.‏ 

  فصل من مناقبه رضي الله عنه‏.‏ 
قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا هشيم، ثنا محمد بن قيس الأسدي، عن موسى بن طلحة‏.‏ قال‏:‏ سمعت عثمان بن عفان وهو على المنبر والمؤذن يقيم الصلاة وهو يستخبر الناس يسألهم عن أخبارهم، وأسفارهم‏.‏ 
وقال أحمد‏:‏ حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، ثنا يونس - يعني‏:‏ ابن عبيد -، حدثني عطاء بن فروخ مولى القرشيين أن عثمان اشترى من رجل أرضاً، فأبطأ عليه فلقيه، فقال‏:‏ ما منعك من قبض مالك ‏؟‏‏.‏ 
قال‏:‏ إنك غبنتني، فما ألقى من الناس أحداً إلا وهو يلومني‏.‏ 
قال‏:‏ أذلك يمنعك‏؟‏ 
قال‏:‏ نعم ‏!‏‏.‏ 
قال‏:‏ فاختر بين أرضك ومالك، ثم قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏أدخَلِ الله الجنة رجلاً كان سهلاً مشترياً وبائعاً وقاضياً ومقتضياً‏)‏‏)‏‏.‏ 
وروى ابن جرير‏:‏ أن طلحة لقي عثمان وهو خارج إلى المسجد فقال له طلحة‏:‏ إن الخمسين ألفاً التي تلك عندي قد حصلت فأرسل من يقبضها‏.‏ 
فقال له عثمان‏:‏ إنا قد وهبناكها لمروءتك‏.‏ 
وقال الأصمعي‏:‏ استعمل ابن عامر قطن بن عوف الهلالي على كرمان، فأقبل جيش من المسلمين - أربعة آلاف - وجرى الوادي فقطعهم عن طريقهم، وخشي قطن الفوت‏.‏ 
فقال‏:‏ من جاز الوادي‏؟‏ فله ألف درهم، فحملوا أنفسهم على العوم، فكان إذا جاز الرجل منهم قال‏:‏ قطن أعطوه جائزته، حتى جازوا جميعاً، وأعطاهم أربعة آلاف ألف درهم، فأبى ابن عامر أن يحسبها له، فكتب بذلك إلى عثمان بن عفان، فكتب عثمان‏:‏ أن احسبها له فإنه إنما أعان المسلمين في سبيل الله، فمن ذلك اليوم سميت الجوائز لإجازة الوادي‏.‏ 
فقال الكناني ذلك‏:‏ 
فَدىً للأكرمين بني هلال * على عِلاتهم أهلي ومالي 
همَّوا سنَّوا الجوائز في معدٍّ * فعادت سنَّةً أخرى الليالي 
رماحهمُ تزيد على ثمان * وعشرٍ قبل تركيب النصالِ 
‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 243‏)‏ 
فصل ومن مناقبه أيضاً‏.‏ 
ومن مناقبة الكبار وحسناته العظيمة‏:‏ أنه جمع الناس على قراءة واحدة، وكتب المصحف على الفرضة الأخيرة، التي درسها جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر سني حياته‏.‏ 
وكان سبب ذلك‏:‏ أن حذيفة بن اليمان كان في بعض الغزوات، وقد اجتمع فيها خلق من أهل الشام ممن يقرأ على قراءة المقداد بن الأسود، وأبي الدرداء، وجماعة من أهل العراق، ممن يقرأ على قراءة عبد الله بن مسعود، وأبي موسى، وجعل من لا يعلم بسوغان القراءة على سبعة أحرف يفضل قراءته على قراءة غيره، وربما خطّأ الآخر أو كفره‏.‏ 
فأدى ذلك إلى اختلاف شديد، وانتشار في الكلام السيء بين الناس، فركب حذيفة إلى عثمان فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن تختلف في كتابها كاختلاف اليهود والنصارى في كتبهم‏.‏ 
وذكر له ما شاهد من اختلاف الناس في القراءة، فعند ذلك جمع عثمان الصحابة وشاورهم في ذلك، ورأى أن يكتب المصحف على حرف واحد، وأن يجمع الناس في سائر الأقاليم على القراءة به، دون ما سواه، لما رأى في ذلك من مصلحة كف المنازعة ودفع الاختلاف، فاستدعى بالصحف التي كان الصديق أمر زيد بن ثابت يجمعها، فكانت عند الصديق أيام حياته، ثم كانت عند عمر‏.‏ 
فلما توفي صارت إلى حفصة أم المؤمنين، فاستدعى بها عثمان، وأمر زيد بن ثابت الأنصاري أن يكتب، وأن يملي عليه سعيد بن العاص الأموي بحضرة عبد الله بن الزبير الأسدي، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، وأمرهم إذا اختلفوا في شيء أن يكتبوه بلغة قريش‏.‏ 
فكتب لأهل الشام مصحفاً، ولأهل مصر آخر، بعث إلى البصرة مصحفاً، وإلى الكوفة بآخر، وأرسل إلى مكة مصحفاً، وإلى اليمين مثله، وأقر بالمدينة مصحفاً‏.‏ 
ويقال لهذه المصاحف‏:‏ الأئمة، وليست كلها بخط عثمان بل ولا واحد منها، وإنما هي بخط زيد بن ثابت‏.‏ 
وإنما يقال لها المصاحف‏:‏ العثمانية، نسبة إلى أمره وزمانه وإمارته، كما يقال‏:‏ دينار هرقلي، أي‏:‏ ضرب في زمانه ودولته‏.‏ 
قال الواقدي‏:‏ حدثنا ابن أبي سبرة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة‏.‏ 
ورواه غيره من وجه آخر‏:‏ عن أبي هريرة قال‏:‏ ‏(‏‏(‏لما نسخ عثمان المصاحف دخل عليه أبو هريرة فقال‏:‏ أصبت ووفقت، أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ إن أشد أمتي حبَّاً لي، قوم يأتون من بعدي يؤمنون ولم يروني، يعملون بما في الورق المعلق‏.‏ 
فقلت‏:‏ أي ورق‏؟‏ 
حتى رأيت المصاحف، قال‏:‏ فأعجب ذلك عثمان، وأمر لأبي هريرة بعشرة آلاف، وقال‏:‏ والله ما علمت أنك لتحبس علينا حديث نبينا صلى الله عليه وسلم‏)‏‏)‏‏.‏ 
ثم عمد إلى بقية المصاحف التي بأيدي الناس مما يخالف ما كتبه فحرقه، لئلا يقع بسببه اختلاف‏.‏ 
فقال أبو بكر بن أبي داود في ‏(‏كتاب المصاحف‏)‏‏:‏ حدثنا محمد بن بشار، ثنا محمد بن جعفر وعبد الرحمن قالا‏:‏ ثنا شعبة، عن علقمة بن مرثد، عن رجل، عن سويد بن غفلة‏.‏ قال‏:‏ قال لي علي حين حرق عثمان المصاحف‏:‏ لو لم يصنعه هو لصنعته‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 244‏)‏ 
وهكذا رواه أبو داود الطيالسي‏:‏ وعمرو بن مرزوق عن شعبة مثله‏.‏ 
وقد رواه البيهقي وغيره من حديث محمد بن أبان - زوج أخت حسين -، عن علقمة بن مرثد قال‏:‏ سمعت العيزار بن جرول، سمعت سويد بن غفلة قال‏:‏ 
قال علي‏:‏ أيها الناس‏!‏ إياكم والغلو في عثمان، تقولون حرق المصاحف، والله ما حرقها إلا عن ملأٍ من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ولو وليت مثل ما ولي لفعلت مثل الذي فعل‏.‏ 
وقد رُوي عن ابن مسعود‏:‏ أنه تعتب لما أخذ منه مصحفه فحرق، وتكلم في تقدم إسلامه على زيد بن ثابت الذي كتب المصاحف، وأمر أصحابه أن يغلوا مصاحفهم، وتلا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 161‏]‏‏.‏ 
فكتب إليه عثمان رضي الله عنه يدعوه إلى إتباع الصحابة فيما أجمعوا عليه من المصلحة في ذلك، وجمع الكلمة، وعدم الاختلاف، فأناب وأجاب إلى المتابعة، وترك المخالفة رضي الله عنهم أجمعين‏.‏ 
وقد قال أبو إسحاق‏:‏ عن عبد الرحمن بن يزيد‏:‏ أن عبد الله بن مسعود دخل مسجد منى فقال‏:‏ كم صلى أمير المؤمنين الظهر ‏؟‏‏.‏ 
قالوا‏:‏ أربعاً‏.‏ 
فصلى ابن مسعود أربعاً‏.‏ 
فقالوا‏:‏ ألم تحدثنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر صلوا ركعتين ‏؟‏‏.‏ 
فقال‏:‏ نعم، وأنا أحدثكموه الآن، ولكني أكره الاختلاف‏.‏ 
وفي الصحيح‏:‏ أن ابن مسعود قال‏:‏ ليت حظي من أربع ركعات ركعتين متقبلتين‏.‏ 
وقال الأعمش‏:‏ حدثني معاوية بن قرة - بواسط -، عن أشياخه قالوا‏:‏ صلى عثمان الظهر بمنى أربعاً، فبلغ ذلك ابن مسعود فعاب عليه، ثم صلى بأصحابه العصر في رحله أربعاً، فقيل له‏:‏ عتبتَ على عثمان وصليت أربعاً‏؟‏ فقال‏:‏ إني أكره الخلاف‏.‏ وفي رواية‏:‏ الخلاف شر‏.‏ 
فإذا كان هذا متابعة من ابن مسعود إلى عثمان في هذا الفرغ، فكيف بمتابعته إياه في أصل القرآن‏؟‏ والاقتداء به في التلاوة التي عزم على الناس أن يقرؤا بها لا بغيرها ‏؟‏‏.‏ 
وقد حكى 