ذكره إن شاء الله تعالى‏.‏ 
وقال محمد بن عائذ‏:‏ قال الوليد بن مسلم‏:‏ أخبرني صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير‏:‏ أن المسلمين لما افتتحوا مدينة دمشق بعثوا أبا عبيدة بن الجراح وافداً إلى أبي بكر بشيراً بالفتح، فقدم المدينة فوجد أبا بكر قد توفي، واستخلف عمر بن الخطاب، فأعظم أن يتأمر أحد من الصحابة عليه، فولاه جماعة الناس فقدم عليهم، فقالوا‏:‏ مرحباً بمن بعثناه بريداً، فقدم علينا أميراً‏.‏ 
وقد روى الليث، وابن لهيعة، وحيوة بن شريح، ومفضل بن فضالة، وعمر بن الحارث، وغير واحد، عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الله بن الحكم، عن علي بن رباح، عن عقبة بن عامر‏:‏ أنه بعثه أبو عبيدة بريداً بفتح دمشق، قال‏:‏ فقدمت على عمر يوم الجمعة، فقال لي‏:‏ منذ كم لم تنزع خفيك‏؟‏ 
فقلت‏:‏ من يوم الجمعة، وهذا يوم الجمعة‏.‏ 
فقال‏:‏ أصبت السنة‏.‏ 
قال الليث‏:‏ وبه نأخذ، يعني‏:‏ أن المسح على الخفين للمسافر لا يتأقت بل له أن يمسح عليهما ما شاء، وإليه ذهب الشافعي في القديم‏.‏ 
وقد روى أحمد، وأبو داود، عن أبي بن عمارة مرفوعاً مثل هذا‏.‏ 
والجمهور على ما رواه مسلم، عن علي في تأقيت المسح للمسافر ثلاثة أيام بلياليهن، وللمقيم يوم وليلة‏.‏ 
ومن الناس من فصل بين البريد ومن في معناه وغيره، فقال في الأول‏:‏ لا يتأقت، وفيما عداه يتأقت لحديث عقبة وحديث علي والله أعلم‏.‏ 
  فصل بعث خالد بن الوليد إلى البقاع لفتحه 
ثم إن أبا عبيدة بعث خالد بن الوليد إلى البقاع ففتحه بالسيف، وبعث سرية فالتقوا مع الروم بعين ميسنون، وعلى الروم رجل يقال له‏:‏ سنان، تحدر على المسلمين من عقبة بيروت، فقتل من المسلمين يومئذ جماعة من الشهداء، فكانوا يسمون عين ميسنون عين الشهداء‏.‏ 
واستخلف أبو عبيدة على دمشق يزيد بن أبي سفيان كما وعده بها الصديق، وبعث يزيد دحية بن خليفة إلى تدمر في سرية ليمهدوا أمرها، وبعث أبا الزهراء القشيري إلى البثينة وحوران، فصالح أهلها‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/30‏)‏ 
قال أبو عبيدة القاسم بن سلام رحمه الله‏:‏ افتتح خالد دمشق صلحاً، وهكذا سائر مدن الشام كانت صلحاً دون أراضيها‏.‏ 
فعلى يدي يزيد بن أبي سفيان، وشرحبيل بن حسنة، وأبي عبيدة‏.‏ 
وقال الوليد بن مسلم‏:‏ أخبرني غير واحد من شيوخ دمشق بينما هم على حصار دمشق إذ أقبلت خيل من عقبة السلمية مخمرة بالحرير، فثار إليهم المسلمون فالتقوا فيما بين بيت لهيا والعقبة التي أقبلوا منها، فهزموهم وطردوهم إلى أبواب حمص، فلما رأى أهل حمص ذلك ظنوا أنهم قد فتحوا دمشق‏.‏ 
فقال لهم أهل حمص‏:‏ إنا نصالحكم على ما صالحتم عليه أهل دمشق ففعلوا‏.‏ 
وقال خليفة بن خياط‏:‏ حدثني عبد الله بن المغيرة، عن أبيه قال‏:‏ افتتح شرحبيل بن حسنة الأردن كلها عنوة ما خلا طبرية، فإن أهلها صالحوه‏.‏ 
وهكذا قال ابن الكلبي‏.‏ 
وقالا بعث أبو عبيدة خالداً فغلب على أرض البقاع، وصالحه أهل بعلبك، وكتب لهم كتاباً‏.‏ 
وقال ابن المغيرة، عن أبيه‏:‏ وصالحهم على أنصاف منازلهم، وكنائسهم، ووضع الخراج‏.‏ 
وقال ابن إسحاق وغيره‏:‏ وفي سنة أربع عشرة فتحت حمص وبعلبك صلحاً على يدي أبي عبيدة في ذي القعدة‏.‏ 
قال خليفة‏:‏ ويقال‏:‏ في سنة خمس عشرة‏.‏ 
  وقعة فِحل 
وقد ذكرها كثير من علماء السير قبل فتح دمشق، وإنما ذكرها الإمام أبو جعفر بن جرير بعد فتح دمشق، وتبع في ذلك سياق سيف بن عمر فيما رواه عن أبي عثمان يزيد بن أسيد الغساني، وأبي حارثة القيسي قالا‏:‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 31‏)‏ 
خلف الناس يزيد بن أبي سفيان في خيله في دمشق، وسار نحو فحل، وعلى الناس الذين هم بالغور شرحبيل بن حسنة، وسار أبو عبيدة، وقد جعل على المقدمة خالد بن الوليد، وأبو عبيدة على الميمنة، وعمرو بن العاص على الميسرة، وعلى الخيل ضرار بن الأزور، وعلى الرجالة عياض بن غنم، فوصلوا إلى فحل، وهي‏:‏ بلدة بالغور، وقد انحاز الروم إلى بيسان، وأرسلوا مياه تلك الأراضي على هنالك من الأراضي فحال بينهم وبين المسلمين، وأرسل المسلمون إلى عمر يخبرونه بما هم فيه من مصابرة عدوهم، وما صنعه الروم من تلك المكيدة، إلا أن المسلمين في عيش رغيد ومدد كبير وهم على أهبة من أمرهم‏.‏ 
وأمير هذا الحرب شرحبيل بن حسنة، وهو لا يبيت ولا يصبح إلا على تعبئة‏.‏ 
وظن الروم أن المسلمين على غرة فركبوا في بعض الليالي ليبيتوهم، وعلى الروم سقلاب بن مخراق، فهجموا على المسلمين فنهضوا إليهم نهضة رجل واحد كأنهم على أهبة دائماً فقاتلوهم حتى الصباح، وذلك اليوم بكماله إلى الليل‏.‏ 
فلما أظلم الليل فر الروم، وقتل أميرهم سقلاب، وركب المسلمون أكتافهم، وأسلمتهم هزيمتهم إلى ذلك الوحل الذي كانوا قد كادوا به المسلمين فغرقهم الله فيه، وقتل منهم المسلمين بأطراف الرماح ما قارب الثمانين ألفاً لم ينج منهم إلا الشريد، وغنموا منهم شيئاً كثيراً ومالاً جزيلاً‏.‏ 
وانصرف أبو عبيدة وخالد بمن معهم من الجيوش نحو حمص كما أمر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب‏.‏ 
واستخلف أبو عبيدة على الأردن شرحبيل بن حسنة، فسار شرحبيل ومعه عمرو بن العاص، فحاصر بيسان فخرجوا إليه فقتل منهم مقتلة عظيمة، ثم صالحوه على مثل ما صالحت عليه دمشق، وضرب عليهم الجزية والخراج على أراضيهم، وكذلك فعل أبو الأعور السلمي بأهل طبرية سواء‏.‏ 
  ما وقع بأرض العراق آنذاك من القتال 
وقد قدمنا أن المثنى بن حارثة لما سار خالد من العراق بمن صحبه إلى الشام، وقد قيل‏:‏ أنه سار بتسعة آلاف، وقيل‏:‏ بثلاثة آلاف، وقيل‏:‏ بسبعمائة، وقيل‏:‏ بأقل إلا أنهم صناديد جيش العراق‏.‏ 
فأقام المثنى بمن بقي فاستقل عددهم وخاف من سطوة الفرس لولا اشتغالهم بتبديل ملوكهم وملكاتهم، واستبطأ المثنى خبر الصديق فسار إلى المدينة فوجد الصديق في السياق، فأخبره بأمر العراق، فأوصى الصديق عمر أن يندب الناس لقتال أهل العراق‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 32‏)‏ 
فلما مات الصديق ودفن ليلة الثلاثاء أصبح عمر فندب الناس وحثهم على قتال أهل العراق، وحرضهم ورغبهم في الثواب على ذلك، فلم يقم أحد لأن الناس كانوا يكرهون قتال الفرس لقوة سطوتهم، وشدة قتالهم‏.‏ 
ثم ندبهم في اليوم الثاني والثالث فلم يقم أحد، وتكلم المثنى بن حارثة فأحسن، وأخبرهم بما فتح الله تعالى على يد خالد من معظم أرض العراق، ومالهم هنالك من الأموال، والأملاك، والأمتعة، والزاد، فلم يقم أحد في اليوم الثالث، فلما كان اليوم الرابع كان أول من انتدب من المسلمين أبو عبيدة بن مسعود الثقفي‏.‏ 
ثم تتابع الناس في الإجابة، أمر عمر طائفة من أهل المدينة وأمر على الجميع أبا عبيد، هذا ولم يكن صحابياً، فقيل لعمر‏:‏ هلا أمرت عليهم رجلاً من الصحابة‏؟‏ 
فقال‏:‏ إنما أومر أول من استجاب، إنكم إنما سبقتم الناس بنصرة هذا الدين، وإن هذا هو الذي استجاب قبلكم‏.‏ 
ثم دعاه فوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيراً، وأمره أن يستشير أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يستشير سليط بن قيس فإنه رجل باشر الحروب فسار المسلمون إلى أرض العراق، وهم سبعة آلاف رجل‏.‏ 
وكتب عمر إلى أبي عبيدة‏:‏ أن يرسل من كان بالعراق ممن قدم مع خالد إلى العراق، فجهز عشرة آلاف عليهم هاشم بن عتبة، وأرسل عمر جرير بن عبد الله البجلي في أربعة آلاف إلى العراق، فقدم الكوفة، ثم خرج منها فواقع هرقران المدار فقتله، وانهزم جيشه، وغرق أكثرهم في دجلة‏.‏ 
فلما وصل الناس إلى العراق وجدوا الفرس مضطربين في ملكهم، وآخر ما استقر عليه أمرهم أن ملكوا عليهم بوران بنت كسرى بعد ما قتلوا التي كانت قبلها آزرميدخت وفوضت بوران أمر الملك عشر سنين إلى رجل منهم يقال له‏:‏ رستم بن فرخزاذ على أن يقوم بأمر الحرب، ثم يصير الملك إلى آل كسرى، فقبل ذلك‏.‏ 
وكان رستم هذا منجماً يعرف النجوم وعلمها جيداً، فقيل له‏:‏ ما حملك على هذا‏؟‏ يعنون وأنت تعلم أن هذا الأمر لا يتم لك، فقال‏:‏ الطمع، وحب الشرف‏.‏ 
  وقعة النمارق 
بعث رستم أميراً يقال له‏:‏ جابان، وعلى مجنبته رجلان يقال لأحدهما‏:‏ حشنس ماه، ويقال للآخر‏:‏ مردانشاه وهو خصي أمير حاجب الفرس، فالتقوا مع أبي عبيد بمكان يقال له‏:‏ النمارق - بين الحيرة والقادسية - وعلى الخيل المثنى بن حارثة، وعلى الميسرة عمرو بن الهيثم، فاقتتلوا هنالك قتالاً شديداً، وهزم الله الفرس، وأسر جابان ومردانشاه‏.‏ 
فأما مردانشاه فإنه قتله الذي أسره‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 33‏)‏ 
وأما جابان فإنه خدع الذي أسره حتى أطلقه فأمسكه المسلمون وأبوا أن يطلقوه، وقالوا‏:‏ إن هذا هو الأمير وجاؤا به إلى أبي عبيد فقالوا‏:‏ قتله فإنه الأمير‏.‏ 
فقال‏:‏ وإن كان الأمير فإني لا أقتله‏.‏ 
وقد أمنه رجل من المسلمين ثم ركب أبو عبيد في آثار من انهزم منهم، وقد لجأوا إلى مدينة كسكر التي لابن خالة كسرى واسمه‏:‏ نرسي فوازرهم نرسي على قتال أبي عبيد، فقهرهم أبو عبيد، وغنم منهم شيئاً كثيراً وأطعمات كثيرة جداً، ولله الحمد‏.‏ 
وبعث بخمس ما غنم من المال والطعام إلى عمر بن الخطاب بالمدينة‏.‏ 
وقد قال في ذلك رجل من المسلمين‏:‏ 
لعمري وما عمري عليَّ بهين * لقد صبحت بالخزي أهل النمارق 
بأيدي رجال هاجروا نحو ربهم * يجوسونهم ما بين درنا وبارق 
قتلناهم ما بين مرج مسلح * وبين الهواني من طريق التدارق 
فالتقوا بمكان بين كسكر والسفاطية وعلى ميمنة نرسي وميسرته ابنا خاله بندويه وبيرويه أولاد نظام، وكان رستم قد جهز الجيوش مع الجالينوس، فلما بلغ أبو عبيد ذلك أعجل نرسي بالقتال قبل وصولهم، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزمت الفرس، وهرب نرسي والجالينوس إلى المدائن بعد وقعة جرت من أبي عبيد مع الجالينوس بمكان يقال له‏:‏ باروسما، فبعث أبو عبيد المثنى بن حارثة، وسرايا أخر إلى متاخم تلك الناحية كنهر جور ونحوها ففتحها صلحاً وقهراً، وضربوا الجزية والخراج، وغنموا الأموال الجزيلة ولله الحمد والمنة‏.‏ 
وكسروا الجالينوس الذي جاء لنصره جابان غنموا جيشه وأمواله، وكر هارباً إلى قومه حقيراً ذليلاً‏.‏ 
  وقعة جسر أبي عبيد ومقتل أمير المسلمين وخلق كثير منهم 
لما رجع الجالينوس هارباً مما لقي من المسلمين، تذامرت الفرس بينهم، واجتمعوا إلى رستم فأرسل جيشاً كثيفاً عليهم ذا الحاجب بهمس حادويه وأعطاه راية أفريدون وتسمى‏:‏ درفش كابيان، وكانت الفرس تتيمن بها‏.‏ 
وحملوا معهم راية كسرى، وكانت من جلود النمور عرضها ثمانية أذرع‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 34‏)‏ 
فوصلوا إلى المسلمين وبينهم النهر، وعليه جسر فأرسلوا‏:‏ إما أن تعبروا إلينا، وإما أن نعبر إليكم‏؟‏ 
فقال المسلمون لأميرهم أبي عبيد‏:‏ أأمرهم فليعبروا هم إلينا‏.‏ 
فقال‏:‏ ما هم بأجرأ على الموت منا، ثم اقتحم إليهم فاجتمعوا في مكان ضيق هنالك فاقتتلوا قتالاً شديداً لم يعهد مثله المسلمون في نحو من عشرة آلاف، وقد جاءت الفرس معهم بأفيلة كثيرة عليها الجلاجل، قائمة لتذعر خيول المسلمين فجعلوا كلما حملوا على المسلمين فرت خيولهم من الفيلة، ومما تسمع من الجلاجل التي عليها، ولا يثبت منها إلا القليل على قسر‏.‏ 
وإذا حمل المسلمون عليهم لا تقدم خيولهم على الفيلة ورشقتهم الفرس بالنبل، فنالوا منهم خلقاً كثيراً، وقتل المسلمون منه مع ذلك ستة آلاف‏.‏ 
وأمر أبو عبيد المسلمين أن يقتلوا الفيلة أولاً، فاحتوشوها فقتلوها عن آخرها، وقد قدمت الفرس بين أيديهم فيلاً عظيماً أبيض، فتقدم إليه أبو عبيد فضربه بالسيف فقطع ذلومه فحمى الفيل، وصاح صيحة هائلة وحمل فتخبطه برجليه فقتله ووقف فوقه فحمل على الفيل خليفة أبي عبيد الذي كان أوصى أن يكون أميراً بعده فقتل، ثم آخر ثم آخر حتى قتل سبعة من ثقيف كان قد نص أبو عبيد عليهم واحداً بعد واحد، ثم صارت إلى المثنى بن حارثة بمقتضى الوصية أيضاً‏.‏ 
وقد كانت دومة امرأة أبي عبيد رأت مناماً يدل على ما وقع سواء بسواء‏.‏ 
فلما رأى المسلمون ذلك وهنوا عند ذلك، ولم يكن بقي إلا الظفر بالفرس، وضعف أمرهم، وذهب ريحهم، وولوا مدبرين، وساقت الفرس خلفهم فقتلوا بشراً كثيراً وانكشف الناس فكان أمراً بليغاً، وجاؤا إلى الجسر فمر بعض الناس‏.‏ 
ثم انكسر الجسر فتحكم فيمن وراءه الفرس، فقتلوا من المسلمين وغرق في الفرات نحو من أربعة آلاف‏.‏ فإنا لله وإنا إليه راجعون‏.‏ 
وسار المثنى بن حارثة فوقف عند الجسر