ة لأهل البصرة، وتارة لأهل الكوفة، وقتل خلق كثير، وجم غفير، ولم تر وقعة أكثر من قطع الأيدي والأرجل فيها من هذه الوقعة‏.‏ 
وجعلت عائشة تحرض الناس على أولئك النفر من قتلة عثمان، ونظرت عن يمينها فقالت‏:‏ من هؤلاء القوم‏؟‏ 
فقالوا‏:‏ نحن بكر بن وائل‏.‏ 
فقالت لكم يقول القائل‏:‏ 
وجاؤوا إلينا بالحديد كأنهم * من الغرة القعساء بكر بن وائل 
ثم لجأ إليها بنو ناجية، ثم بنو ضبة، فقتل عنده منهم خلق كثير، ويقال‏:‏ إنه قطعت يد سبعين رجلاً وهي آخذة بخطام الجمل، فلما اثخنوا تقدم بنو عدي بن عبد مناف فقاتلوا قتالاً شديداً، ورفعوا رأس الجمل، وجعل أولئك يقصدون الجمل، وقالوا‏:‏ لا يزال الحرب قائماً ما دام هذا الجمل واقفاً، ورأس الجمل في يد عمرة بن يثربي، وقيل‏:‏ أخوه عمرو بن يثربي‏.‏ 
ثم صمد عليه علباء بن الهيثم وكان من الشجعان المذكورين، فتقدم إليه عمرو الجملي فقتله ابن يثربي، وقتل زيد بن صوحان، وأرتث صعصعة بن صوحان، فدعاه عمار إلى البراز، فبرز له فتجاولا بين الصفين وعماراً ابن تسعين سنة عليه فروة قد ربط وسطه بحبل ليف‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/271‏)‏ 
فقال الناس‏:‏ إنا لله وإنا إليه راجعون الآن يلحق عماراً بأصحابه، فضربه ابن يثربي بالسيف فاتقاه عمار بدرقته، فغصَّ فيها السيف ونشب، وضربه عمار فقطع رجليه، وأخذ أسيراً إلى بين يدي علي‏.‏ 
فقال‏:‏ استبقني يا أمير المؤمنين‏؟‏ 
فقال‏:‏ أبعد ثلاثة تقتلهم‏؟‏ ثم أمر به فقتل، واستمر زمام الجمل بعده بيد رجل كان قد استنابه فيه من بني عدي، فبرز إليه ربيعة العقيلي فتجاولا حتى قتل كل واحد صاحبه، وأخذ الزمام الحارث الضبي، فما رؤي أشد منه وجعل يقول‏:‏ 
نحن بنو ضبة أصحاب الجمل * نبارز القرن إذا القرن نزل 
ننعي ابن عفان بأطراف الأسل * الموت أحلى عندنا من العسل 
ردوا علينا شيخنا ثم بجسل 
وقيل‏:‏ إن هذه الأبيات لوسيم بن عمرو الضبي‏.‏ 
فكلما قتل واحد ممن يمسك الجمل يقوم غيره حتى قتل منهم أربعون رجلاً‏.‏ 
قالت عائشة‏:‏ ما زال جملي معتدلاً حتى فقدت أصوات بني ضبة، ثم أخذ الخطام سبعون رجلاً من قريش، وكل واحد يقتل بعد صاحبه، فكان منهم محمد بن طلحة المعروف‏:‏ بالسجاد‏.‏ 
فقال لعائشة‏:‏ مريني بأمرك يا أمه‏؟‏ 
فقالت‏:‏ آمرك أن تكون كخير ابني آدم، فامتنع أن ينصرف وثبت في مكانه، وجعل يقول‏:‏ حم لا ينصرون، فتقدم إليه نفر فحملوا عليه فقتلوه، وصار لكل واحد منهم بعد ذلك يدعي قتله، وقد طعنه بعضهم بحربة فأنفذه وقال‏:‏ 
وأشعث قوام بآيات ربه * قليل الأذى فيما ترى العين مسلمِ 
هتكتُ له بالريح جيبَ قميصه * فخر صريعاً لليدين وللفمِ 
يناشدني حم والمرح شاجن * فهلا تلا حم قبل التقدمِ 
على غير شيء غير أن ليس تابعاً * علياً ومن لا يتبع الحق يندمِ 
وأخذ الخطام عمرو بن الأشرف، فجعل لا يدنو منه أحد إلا حطّه بالسيف، فأقبل إليه الحارث بن زهير الأزدي وهو يقول‏:‏ 
يا أمنا يا خير أم نعلم * أما ترين كمَ شجاع يكلمُ 
وتجتلى هامته والمعصمُ 
‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 272‏)‏ 
واختلفا ضربتين فقتل كل واحد صاحبه، وأحدق أهل النجدات والشجاعة بعائشة، فكان لا يأخذ الراية ولا بخطام الجمل إلا شجاع معروف، فيقتل من قصده، ثم يقتل بعد ذلك، وقد فقأ بعضهم عين عدي بن حاتم ذلك اليوم‏.‏ 
ثم تقدم عبد الله بن الزبير فأخذ بخطام الجمل وهو لا يتكلم، فقيل لعائشة‏:‏ إنه ابنك ابن أختك، فقالت‏:‏ واثكل أسماء ‏!‏ 
وجاء مالك بن الحارث الأشتر النخعي فاقتتلا فضربه الأشتر على رأسه فجرحه جرحاً شديداً، وضربه عبد الله ضربة خفيفة، ثم اعتنقا وسقطا إلى الأرض يعتركان، فجعل عبد الله بن الزبير يقول‏:‏ 
اقتلوني ومالكاً * واقتلوا مالكاً معي 
فجعل الناس لا يعرفون مالكاً من هو، وإنما هو معروف بالأشتر، فحمل أصحاب علي وعائشة فخلصوهما، وقد جرح عبد الله بن الزبير يوم الجمل بهذه الجراحة سبعاً وثلاثين جراحة، وجرح مروان بن الحكم أيضاً‏.‏ 
ثم جاء رجل فضرب الجمل على قوائمه فعقره، وسقط إلى الأرض فسمع له عجيج ما سمع أشد ولا أنفذ منه، وآخر من كان الزمام بيده زفر بن الحارث فعقر الجمل وهو في يده‏.‏ 
ويقال‏:‏ إنه اتفق هو وبجير بن دلجة على عقره‏.‏ 
ويقال‏:‏ إن الذي أشار بعقر الجمل علي‏.‏ 
وقيل‏:‏ القعقاع بن عمرو لئلا تصاب أم المؤمنين، فإنها بقيت غرضاً للرماة، ومن يمسك بالزمام برجاساً للرماح، ولينفصل هذا الموقف الذي قد تفانى فيه الناس‏.‏ 
ولما سقط البعير إلى الأرض انهزم من حوله من الناس، وحمل هودج عائشة وإنه لكالقنفذ من السهام، ونادى منادي علي في الناس‏:‏ إنه لا يتبع مدبر، ولا يذفف على جريح، ولا يدخلوا الدور‏.‏ 
وأمر علي نفراً أن يحملوا الهودج من بين القتلى، وأمر محمد بن أبي بكر وعماراً أن يضربا عليها قبة، وجاء إليها أخوها محمد، فسألها هل وصل إليك شيء من الجراح ‏؟‏‏.‏ 
فقالت‏:‏ لا‏!‏ وما أنت ذاك يا ابن الخثعمية‏.‏ 
وسلم عليها عمّار فقال‏:‏ كيف أنت يا أم‏؟‏ 
فقالت‏:‏ ليس لك بأم‏.‏ 
قال‏:‏ بلى‏!‏ وإن كرهت‏.‏ 
وجاء إليها علي بن أبي طالب أمير المؤمنين مسلماً فقال‏:‏ كيف أنت يا أمه‏؟‏ 
قالت‏:‏ بخير‏.‏ 
فقال‏:‏ يغفر الله لك‏.‏ 
وجاء وجوه الناس من الأمراء والأعيان يسلمون على أم المؤمنين رضي الله عنها، ويقال‏:‏ إن أعين بن ضبيعة المجاشعي اطلع في الهودج، فقالت‏:‏ إليك لعنك الله‏.‏ 
فقال‏:‏ والله ما أرى إلا حميراء‏.‏ 
فقالت‏:‏ هتك الله سترك، وقطع يدك، وأبدى عورتك، فقتل بالبصرة وسلب وقطعت يده ورمي عرياناً في خربة من خرابات الأزد‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 273‏)‏ 
فلما كان الليل دخلت أم المؤمنين البصرة - ومعها أخوها محمد بن أبي بكر - فنزلت في دار عبد الله بن خلف الخزاعي وهي أعظم دار بالبصرة على صفية بنت الحارث بن أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار، وهي أم طلحة، الطلحات عبد الله بن خلف‏.‏ 
وتسلل الجرحى من بين القتلى فدخلوا البصرة، وقد طاف علي بين القتلى فجعل كلما مر برجل يعرفه ترحم عليه ويقول‏:‏ يعز علي أن أرى قريشاً صرعى‏.‏ 
وقد مر على ما ذكر على طلحة بن عبيد الله وهو مقتول، فقال‏:‏ لهفي عليك يا أبا محمد، إنا لله وإنا إليه راجعون، والله لقد كنت كما قال الشاعر‏:‏ 
فتى كان يدنيه الغنى من صديقه * إذا ما هو استغنى ويبعده الفقرُ 
وأقام علي بظاهر البصرة ثلاثاً، ثم صلى على القتلى من الفريقين، وخص قريشاً بصلاة من بينهم، ثم جمع ما وجد لأصحاب عائشة في المعسكر، وأمر به أن يحمل إلى مسجد البصرة، فمن عرف شيئاً هو لأهلهم فليأخذه، إلا سلاحاً كان في الخزائن عليه سمة السلطان‏.‏ 
وكان مجموع من قتل يوم الجمل من الفريقين عشرة آلاف، خمسة من هؤلاء وخمسة من هؤلاء، رحمهم الله، ورضي عن الصحابة منهم‏.‏ 
وقد سأل بعض أصحاب علي علياً أن يقسم فيهم أموال أصحاب طلحة والزبير، فأبى عليه فطعن فيه السبائية وقالوا‏:‏ كيف يحلُّ لنا دماؤهم ولا تحل لنا أموالهم‏؟‏ 
فبلغ ذلك علياً، فقال‏:‏ أيكم يحب أن تصير أم المؤمنين في سهمه‏؟‏ 
فسكت القوم، ولهذا لما دخل البصرة فضَّ في أصحابه أموال بيت المال، فنال كل رجل منهم خمسمائة، وقال‏:‏ لكم مثلها من الشام، فتكلم فيه السبائية أيضاً، ونالوا منه من وراء وراء‏.‏ 
  فصل فراغ علي رضي الله عنه من أمر الجمل 
ولما فرغ علي من أمر الجمل، أتاه وجوه الناس يسلمون عليه، فكان ممن جاءه الأحنف بن قيس في بني سعد - وكانوا قد اعتزلوا القتال - فقال له علي‏:‏ تربعت - يعني بنا - فقال‏:‏ ما كنت أراني إلا قد أحسنت وبأمرك كان ما كان يا أمير المؤمنين، فارفق فإن طريقك الذي سلكت بعيد، وأنت إلي غداً أحوج منك أمس، فاعرف إحساني، واستبق مودتي لغدٍ، ولا تقل مثل هذا فإني لم أزل لك ناصحاً‏.‏ 
قالوا‏:‏ ثم دخل علي البصرة يوم الاثنين فبايعه أهلها على راياتهم، حتى الجرحى والمستأمنة‏.‏ 
وجاءه عبد الرحمن بن أبي بكرة الثقفي فبايعه، فقال له علي‏:‏ أين المريض‏؟‏ - يعني‏:‏ أباه -‏.‏ 
فقال‏:‏ إنه والله مريض يا أمير المؤمنين، وإنه على مسرتك لحريص‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 274‏)‏ 
فقال‏:‏ امش أمامي، فمضى إليه فعاده، واعتذر إليه أبو بكر فعذره، وعرض عليه البصرة فامتنع‏.‏ 
وقال‏:‏ رجل من أهلك يسكن إليه الناس، وأشار عليه بابن عباس فولاه على البصرة، وجعل معه زياد بن أبيه على الخراج وبيت المال، وأمر ابن عباس أن يسمع من زياد، - وكان زياد معتزلاً -‏.‏ 
ثم جاء علي إلى الدار التي فيها أم المؤمنين عائشة فاستأذن ودخل، فسلم عليها ورحبت به، وإذا النساء في دار بني خلف يبكين على من قتل، منهم عبد الله وعثمان ابنا خلف، فعبد الله قتل مع عائشة، وعثمان قتل مع علي، فلما دخل علي قالت له‏:‏ صفية امرأة عبد الله، أم طلحة الطلحات‏:‏ أيتم الله منك أولادك كما أيتمت أولادي، فلم يرد عليها علي شيئاً، فلما خرج أعادت عليه المقالة أيضاً فسكت‏.‏ 
فقال له رجل‏:‏ يا أمير المؤمنين، أتسكت عن هذه المرأة وهي تقول ما تسمع‏؟‏ 
فقال‏:‏ ويحك‏!‏ إنا أمرنا أن نكف عن النساء وهن مشركات أفلا نكف عنهن وهن مسلمات‏؟‏‏.‏ 
فقال له رجل‏:‏ يا أمير المؤمنين إن على الباب رجلين ينالان من عائشة، فأمر علي القعقاع بن عمرو أن يجلد كل واحد منهما مائة، وأن يخرجهما من ثيابهما‏.‏ 
وقد سألت عائشة عمن قتل معها من المسلمين، ومن قتل من عسكر علي، فجعلت كلما ذكر لها واحد منهم ترحمت عليه ودعت له‏.‏ 
ولما أرادت أم المؤمنين عائشة الخروج من البصرة، بعث إليها علي رضي الله عنه بكل ما ينبغي من مركب وزاد ومتاع وغير ذلك، وأذن لمن نجا ممن جاء في الجيش معها أن يرجع إلا أن يحب المقام، واختار لها أربعين امرأة من نساء أهل البصرة المعروفات، وسير معها أخاها محمد بن أبي بكر‏.‏ 
فلما كان اليوم الذي ارتحلت فيه جاء علي فوقف على الباب وحضر الناس، وخرجت من الدار في الهودج فودعت الناس، ودعت لهم، وقالت‏:‏ يا بني لا يعتب بعضنا على بعض، إنه والله ما كان بيني وبين علي في القدم إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها، وإنه على معتبتي لمن الأخيار‏.‏ 
فقال علي‏:‏ صدقت، والله ما كان بيني وبينها إلا ذاك، وإنها لزوجة نبيكم صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة‏.‏ 
وسار علي معها ودعا ومشيعاً أميالاً، وسرح بنيه معها بقية ذلك اليوم - وكان يوم السبت مستهل رجب سنة ست وثلاثين - وقصدت في مسيرها ذلك إلى مكة فأقامت بها إلى أن حجت عامها ذلك، ثم رجعت إلى المدينة رضي الله عنها‏.‏ 
وأما مروان بن الحكم فإنه لما فر استجار بمالك بن مسمع فأجاره ووفى له، ولهذا كان بنو مروان يكرمون مالكاً ويشرفونه، ويقال‏:‏ إنه نزل دار بني خلف، فلما خرجت عائشة خرج معها، فلما سارت هي إلى مكة سار إلى المدينة‏.‏ 
قالوا‏:‏ وقد علم من بين مكة والمدينة والبصرة بالوقعة يوم الوقعة، وذلك مما كانت النسور تخطفه من الأيدي والأقدام فيسقط منها هنالك، حتى أن أهل المدينة علموا بذلك يوم الجمل قبل أن تغرب الشمس، وذلك أن نسراً مر بهم ومعه شيء فسقط، فإذا هو كف فيه خاتم نقشه عبد الرحمن بن عتاب‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 275‏)‏ 
هذا ملخص ما ذكره أبو جعفر بن جرير رحمه الله عن أئمة هذا الشأن، وليس فيما ذكره أهل الأهواء من الشيعة وغيرهم من الأحاديث المختلفة على الصحابة، والأخبار الموضوعة التي ينقلونها بما فيها‏.‏ وإذا دعوا إلى الحق الواضح اعرضوا عنه وقالوا‏:‏ لنا أخبارنا ولكم أخباركم، فنحن حينئذ نقول لهم‏:‏ سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين‏.‏ 

  فصل في ذكر أعيان من قتل يوم الجمل 
في ذكر أعيان من قتل يوم الجمل من السادة النجباء من الصحابة من الفريقين رضي الله عنهم أجمعين، وقد قدَّمنا أن عدة القتلى نحو من عشرة آلاف، وأما الجرحى فلا يحصون كثرة، فممن قتل يوم الجمل في المعركة‏:‏ 
طلحة بن عبيد الله 
ابن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة أبو محمد القرشي التيمي، ويعرف‏:‏ بطلحة الخير، وطلحة الفياض لكرمه ولكثرة جوده‏.‏ 
أسلم قديماً على يدي أبي بكر الصديق، فكان نوفل بن خويلد بن العدوية يشدهما في حبل واحد، ولا تستطيع بنو تميم أن تمنعهما منه، فلذلك كان يقال لطلحة وأبي بكر القرينان‏.‏ 
وقد هاجر وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين أبي أيوب الأنصاري، وشهد ال