
ثم سار إلى مصر قيس بن سعد بن عبادة بولاية من علي، فدخل مصر في سبعة نفر، فرقي المنبر وقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب‏:‏ 
بسم الله الرحمن الرحيم‏!‏ من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى من بلغه كتابي هذا من المؤمنين والمسلمين‏.‏ 
سلام عليكم، فإني أحمد الله كثيراً الذي لا إله إلا هو‏.‏ 
أما بعد، فإن الله بحسن صنيعه وتقديره وتدبيره اختار الإسلام ديناً لنفسه وملائكته ورسله، وبعث به الرسل إلى عباده، وخص به من انتخب من خلقه‏.‏ 
فكان مما أكرم الله به هذه الآمة، وخصهم به من الفضيلة أن بعث محمداً صلى الله عليه وسلم يعلمهم الكتاب والحكمة والفرائض والسنة، لكيما يهتدوا، وجمعهم لكيما يتفرقوا، وزكاهم لكي يتطهروا، ووفقهم لكيلا يجوروا‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 280‏)‏ 
فلما قضى من ذلك ما عليه قبضه الله إليه، صلوات الله وسلامه عليه وبركاته ورحمته، ثم إن المسلمين استخلفوا بعده أميرين صالحين، عملاً بالكتاب و السنة، وأحسنا السيرة ولم يعدوا السنة، ثم توفاهما الله فرحمهما الله‏.‏ 
ثم ولى بعدهما والٍ أحدث أحداثاً، فوجدت الأمة عليه مقالاً فقالوا، ثم نقموا عليه فغيروا صلى الله عليه وسلم ثم جاؤوني فبايعوني، فأستهدي الله بهداه، وأستعينه على التقوى، ألا وإن لكم علينا العمل بكتاب الله وسنة رسول الله، والقيام عليكم بحقه والنصح لكم بالغيب، والله المستعان، وحسبنا الله ونعم الوكيل‏.‏ 
وقد بعثت إليكم قيس بن سعد بن عبادة أميراً فوازروه، وكاتفوه، وأعينوه على الحق، وقد أمرته بالإحسان على محسنكم، والشدة على مريبكم، والرفق بعوامكم وخواصكم‏.‏ 
وهو ممن أرضى هديه، وأرجو صلاحه ونصيحته، أسأل الله لنا ولكم عملاً زاكياً وثواباً جزيلاً ورحمة واسعة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته‏.‏ 
وكتب عبد الله بن أبي رافع في صفر سنة ست وثلاثين قال‏:‏ ثم قام قيس بن سعد فخطب الناس ودعاهم إلى البيعة لعلي، فقام الناس فبايعوه‏.‏ 
واستقامت له طاعة بلاد مصر سوى قرية منها يقال لها‏:‏ خربتا، فيها ناس قد أعظموا قتل عثمان - وكانوا سادة الناس ووجوههم، وكانوا في نحو من عشرة آلاف وعليهم رجل يقال له‏:‏ يزيد بن الحارث المدلجي -‏.‏ 
وبعثوا إلى قيس بن سعد فوادعهم، وكذلك مسلمة بن مدلج الأنصاري تأخر عن البيعة فتركه قيس بن سعد ووادعه، ثم كتب معاوية بن أبي سفيان - وقد استوثق له أمر الشام بحذافيره - إلى أقصى بلاد الروم والسواحل، وجزيرة قبرص أيضاً تحت حكمه، وبعض بلاد الجزيرة كالرها وحران وقرقيسيا وغيرها، وقد ضوى إليها الذين هربوا يوم الجمل من العثمانية، وقد أراد الأشتر انتزاع هذه البلاد من يد نواب معاوية، فبعث إليه عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ففر منه الأشتر‏.‏ 
واستقر أمر معاوية على تلك البلاد، فكتب إلى قيس بن سعد يدعوه إلى القيام بطلب دم عثمان، وأن يكون مؤازراً له على ما هو بصدده من القيام في ذلك، ووعده أن يكون نائبه على العراقين إذا تم له الأمر ما دام سلطاناً‏.‏ 
فلما بلغه الكتاب - وكان قيس رجلاً حازماً - لم يخالفه ولم يوافقه، بل بعث يلاطف معه الأمر وذلك لبعده عن علي، وقربه من بلاد الشام وما مع معاوية من الجنود، فسالمه قيس وتاركه ولم يواقعه على ما دعاه إليه ولا وافقه عليه‏.‏ 
فكتب إليه معاوية‏:‏ إنه لا يسعك معي تسويتك بي وخديعتك لي، ولا بد أن أعلم أنك سلم أو عدو - وكان معاوية حازماً أيضاً - فكتب إليه بما صمم عليه‏:‏ إني مع علي إذ هو أحق بالأمر منك، فلما بلغ ذلك معاوية بن أبي سفيان يئس منه ورجع، ثم أشاع بعض أهل الشام أن قيس بن سعد يكاتبهم في الباطن ويمالئهم على أهل العراق‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 281‏)‏ 
وروى ابن جرير‏:‏ أنه جاء من جهته كتاب مزور بمبايعته معاوية، والله أعلم بصحته‏.‏ 
ولما بلغ ذلك علياً فاتهمه وكتب له أن يغزو أهل خربتا الذين تخلفوا عن البيعة، فبعث إليه يعتذر إليه بأنهم عدد كثير، وهم وجوه الناس‏.‏ 
وكتب إليه‏:‏ إن كنت إنما أمرتني بهذا لتختبرني لأنك اتهمتني، فابعث على عملك بمصر غيري، فبعث علي على إمرة مصر الأشتر النخعي، فسار إليها الأشتر النخعي‏.‏ 
فلما بلغ القلزم شرب شربة من عسل فكان فيها حتفه، فبلغ ذلك أهل الشام فقالوا‏:‏ إن لله جنداً من عسل، فلما بلغ علياً مهلك الأشتر، بعث محمد بن أبي بكر على إمرة مصر‏.‏ 
وقد قيل وهو الأصح‏:‏ إن علياً ولى محمد بن أبي بكر بعد قيس بن سعد، فارتحل قيس إلى المدينة، ثم ركب هو وسهل بن حنيف إلى علي فاعتذر إليه قيس بن سعد فعذره علي، وشهدا معه صفين كما سنذكره، فلم يزل محمد بن أبي بكر بمصر قائم الأمر مهيباً بالديار المصرية حتى كانت وقعة صفين‏.‏ 
وبلغ أهل مصر خبر معاوية ومن معه من أهل الشام على قتال أهل العراق، وصاروا إلى التحكيم، فطمع أهل مصر في محمد بن أبي بكر واجترأوا عليه وبارزوه بالعداوة، فكان من أمره ما سنذكره‏.‏ 
وكان عمر بن العاص قد بايع معاوية على القيام بطلب دم عثمان، وكان قد خرج من المدينة حين أرادوا حصره لئلا يشهد مهلكه، مع أنه كان متعتباً عليه بسبب عزله له عن ديار مصر، وتوليته بدله عليها عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فتسرح عن المدينة علي تغضب فنزل قريباً من الأردن، فلما قتل عثمان صار إلى معاوية فبايعه على ما ذكرنا‏.‏ 
  فصل في وقعة صفين بين أهل العراق وبين أهل الشام 
قد تقدم ما رواه الإمام أحمد‏:‏ عن إسماعيل بن علية، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، أنه قال‏:‏ هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرات الألوف، فلم يحضرها منهم مائة بل لم يبلغوا ثلاثين‏.‏ 
وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا أمية بن خلد، قال لشعبة‏:‏ إن أبا شيبة روى عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال‏:‏ شهد صفين من أهل بدر سبعون رجلاً، فقال كذب أبو شيبة، والله لقد ذاكرنا الحكم في ذلك فما وجدناه شهد صفين من أهل بدر غير خزيمة بن ثابت ‏؟‏‏.‏ 
وقد قيل‏:‏ أنه شهدها من أهل بدر سهل بن حنيف، وكذا أبو أيوب الأنصاري‏.‏ 
قاله شيخنا العلامة ابن تيمية في كتاب ‏(‏الرد على الرافضة‏)‏‏.‏ 
وروى ابن بطة بإسناده‏:‏ عن بكير بن الأشج أنه قال‏:‏ أما إن رجالاً من أهل بدر لزموا بيوتهم بعد قتل عثمان، فلم يخرجوا إلا إلى قبورهم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 282‏)‏ 
وأما علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فإنه لما فرغ من وقعة الجمل، ودخل البصرة، وشيع أم المؤمنين عائشة لما أرادت الرجوع إلى مكة، سار من البصرة إلى الكوفة‏.‏ 
قال أبو الكنود عبد الرحمن بن عبيد‏:‏ فدخلها علي يوم الاثنين لثنتي عشرة ليلة خلت من رجب سنة ست وثلاثين‏.‏ 
فقيل له‏:‏ انزل بالقصر الأبيض‏.‏ 
فقال‏:‏ لا‏!‏ إن عمر بن الخطاب كان يكره نزوله، فأنا أكرهه لذلك‏.‏ 
فنزل في الرحبة، وصلى في الجامع الأعظم ركعتين، ثم خطب الناس فحثهم على الخير، ونهاهم عن الشر، ومدح أهل الكوفة في خطبته هذه‏.‏ 
ثم بعث إلى جرير بن عبد الله - وكان على همذان ممن زمان عثمان - وإلى الأشعث بن قيس - وهو على نيابة أذربيجان من زمان عثمان - أن يأخذا البيعة على من هنالك من الرعايا ثم يقبلا إليه، ففعلا ذلك‏.‏ 
فلما أراد علي رضي الله عنه أن يبعث إلى معاوية رضي الله عنه يدعوه إلى بيعته قال جرير بن عبد الله‏:‏ أنا أذهب إليه يا أمير المؤمنين، فإن بيني وبينه ودَّاً، فآخذ لك منه البيعة‏.‏ 
فقال الأشتر‏:‏ لا تبعثه يا أمير المؤمنين، فإني أخشى أن يكون هواه معه‏.‏ 
فقال علي‏:‏ دعه، وبعثه وكتب معه كتاباً إلى معاوية يعلمه باجتماع المهاجرين والأنصار على بيعته، ويخبره بما كان في وقعة الجمل، ويدعوه إلى الدخول فيما دخل فيه الناس‏.‏ 
فلما انتهى إليه جرير بن عبد الله أعطاه الكتاب، فطلب معاوية عمرو بن العاص ورؤوس أهل الشام، فاستشارهم، فأبوا أن يبايعوا حتى يقتل قتلة عثمان، أو أن يُسلم إليهم قتلة عثمان، وإن لم يفعل قاتلوه ولم يبايعوه حتى يقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه‏.‏ 
فرجع جرير إلى علي فأخبره بما قالوا، فقال الأشتر‏:‏ يا أمير المؤمنين ألم أنهك أن تبعث جريراً، فلو كنت بعثتني لما فتح معاوية باباً إلا أغلقته‏.‏ 
فقال له جرير‏:‏ لو كنت ثَمَّ لقتلوك بدم عثمان‏.‏ 
فقال الأشتر‏:‏ والله لو بعثني لم يعيني جواب معاوية، ولأعجلنه عن الفكرة، ولو أطاعني قبل لحبسك وأمثالك حتى يستقيم أمر هذه الأمة‏.‏ 
فقام جرير مُغضباً، وأقام بقرقيسيا، وكتب إلى معاوية يخبره بما قال وما قيل له‏.‏ 
فكتب إليه معاوية يأمره بالقدوم عليه، وخرج أمير المؤمنين علي بن أبي طالب من الكوفة عازماً على الدخول إلى الشام، فعسكر بالنخيلة، واستخلف على الكوفة أبا مسعود عقبة بن عامر البدري الأنصاري، وكان قد أشار عليه جماعة بأن يقيم بالكوفة، ويبعث الجنود، وأشار آخرون أن يخرج فيهم بنفسه‏.‏ 
وبلغ معاوية أن علياً قد خرج بنفسه، فاستشار عمرو بن العاص فقال له‏:‏ اخرج أنت أيضاً بنفسك‏.‏ 
وقام عمرو بن العاص في الناس فقال‏:‏ إن صناديد أهل الكوفة والبصرة قد تفانوا يوم الجمل، ولم يبق مع علي إلا شرذمةٌ قليلةٌ من الناس ممن قتل‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 283‏)‏ 
وقد قتل الخليفة أمير المؤمنين عثمان بن عفان، فالله الله في حقكم أن تضيعوه، وفي دمكم أن تطلبوه، وكتب إلى أجناد الشام فحضروا، وعقدت الألوية والرايات للأمراء، وتهيأ أهل الشام وتأهبوا، وخرجوا أيضاً إلى نحو الفرات من ناحية صفين - حيث يكون مقدم علي بن أبي طالب رضي الله عنه - وسار علي رضي الله عنه بمن معه من الجنود من النخيلة قاصداً أرض الشام‏.‏ 
قال أبو إسرائيل عن الحكم بن عيينة‏:‏ وكان في جيشه ثمانون بدرياً ومائة وخمسون ممن بايع تحت الشجرة‏.‏ رواه ابن ديزيل‏.‏ 
وقد اجتاز في طريقه براهب فكان من أمره ما ذكره الحسين بن ويزيل في كتابه فيما رواه عن يحيى بن عبد الله الكرابيسي عن نصر بن مزاحم، عن عمر بن سعد، حدثني مسلم الأعور، عن حبة العرني قال‏:‏ لما أتى علي الرقة نزل بمكان يقال له البلبخ على جانب الفرات، فنزل إليه راهب من صومعته فقال لعلي‏:‏ إن عندنا كتاباً توارثناه عن آبائنا، كتبه أصحاب عيسى بن مريم عليهما السلام أعرضه عليك‏؟‏ 
فقال علي‏:‏ نعم‏!‏ فقرأ الراهب الكتاب‏:‏ 
بسم الله الرحمن الرحيم الذي قضى فيما قضى وسطر فيما سطر، وكتب فيما كتب أنه باعث في الأميين رسولاً منهم يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم ويدلهم على سبيل الله، لا فظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، أمته الحمادون الذين يحمدون الله على كل شرف، وفي كل صعود وهبوط، تذل ألسنتهم بالتهليل والتكبير، وينصره الله على كل من ناوأه، فإذا توفاه الله اختلفت أمته، ثم اجتمعت، فلبثت بذلك ما شاء الله، ثم اختلفت ثم يمر رجل من أمته بشاطئ هذا الفرات يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويقضي بالحق، ولا ينكس الحكم‏.‏ 
الدنيا أهون عليه من الرماد أو قال التراب - في يوم عصفت فيه الريح - والموت أهون عليه من شرب الماء، يخاف الله في السر، وينصح في العلانية، ولا يخاف في الله لومة لائم، فمن أدرك ذلك النبي من أهل البلاد فآمن به كان ثوابه رضواني والجنة، ومن أدرك ذلك العبد الصالح فلينصره فإن القتل معه شهادة‏.‏ 
ثم قال لعلي‏:‏ فأنا أصاحبك فلا أفارقك حتى يصيبني ما أصابك‏.‏ 
فبكى علي ثم قال‏:‏ الحمد لله الذي لم يجعلني عنده نسياً منسياً، والحمد لله الذي ذكرني عنده في كتب الأبرار‏.‏ 
فمضى الراهب معه وأسلم، فكان مع علي حتى أصيب يوم صفين، فلما خرج الناس يطلبون قتلاهم قال علي‏:‏ اطلبوا الراهب، فوجدوه قتيلاً، فلما وجدوه صلّى عليه ودفنه واستغفر له‏.‏ 
وقد بعث علي بين يديه زياد بن النضر الحارثي طليعة في ثمانية آلاف، ومعه شريح بن هانئ، في أربعة آلاف، فساروا في طريق بين يديه غير طريقه، وجاء علي فقطع دجلة من جسر منبج وسارت المقدمتان‏.‏ 
فبلغهم أن معاوية ركب في أهل الشام ليلتقي أمير المؤمنين علياً فهموا بلقياه فخافوا من قلة عددهم بالنسبة إليه، فعدلوا عن طريقهم وجاؤا ليعبروا من عانات فمنعهم أهل عانات فساروا فعبروا من هيت ثم لحقوا علياً - وقد سبقهم - فقال علي‏:‏ مقدمتي تأتي من ورائي‏؟‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/284‏)‏ 
فاعتذروا إليه بما جرى لهم، فعذرهم ثم قدمهم أمامه إلى معاوية بعد أن عبر الفرات فتلقاهم أبو الأعور عمرو بن سفيان السلمي في مقدمة أهل الشام فتواقفوا، ودعاه