 الذي جاؤا منه، وكان الناس لما انهزموا جعل بعضهم يلقي بنفسه في الفرات فيغرق‏.‏ 
فنادى المثنى‏:‏ أيها الناس على هينتكم فإني واقف على فم الجسر لا أجوزه حتى لا يبقى منكم أحد ههنا، فلما عدّى الناس إلى الناحية الأخرى، سار المثنى فنزل بهم أول منزل، وقام يحرسهم هو وشجعان المسلمين، وقد جرح أكثرهم وأثخنوا‏.‏ 
ومن الناس من ذهب في البرية لا يُدري أين ذهب، ومنهم من رجع إلى المدينة النبوية مذعوراً‏.‏ 
وذهب بالخبر عبد الله بن زيد بن عاصم المازني إلى عمر بن الخطاب فوجده على المنبر، فقال له عمر‏:‏ ما وراءك يا عبد الله بن زيد‏؟‏ 
فقال‏:‏ أتاك الخبر اليقين يا أمير المؤمنين، ثم صعد إليه المنبر فأخبره الخبر سراً‏.‏ 
ويقال‏:‏ كان أول من قدم بخبر الناس عبد الله بن يزيد بن الحصين الحطمي فالله أعلم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 35‏)‏ 
قال سيف بن عمر‏:‏ وكانت هذه الوقعة في شعبان من سنة ثلاث عشرة بعد اليرموك بأربعين يوماً فالله أعلم‏.‏ 
وتراجع المسلمون بعضهم إلى بعض، وكان منهم من فر إلى المدينة، فلم يؤنب عمر الناس، بل قال‏:‏ إنا فيئكم، وأشغل الله المجوس بأمر ملكهم‏.‏ 
وذلك أن أهل المدائن عدوا على رستم فخلعوه ثم ولوه، وأضافوا إليه الفيرزان، واختلفوا على فرقتين، فركب الفرس إلى المدائن ولحقهم المثنى بن حارثة في نفر من المسلمين، فعارضه أميران من أمرائهم في جيشهم، فأسرهما وأسر معهما بشراً كثيراً فضرب أعناقهم‏.‏ 
ثم أرسل المثنى إلى من بالعراق من أمراء المسلمين يستمدهم، فبعثوا إليه بالأمداد، وبعث إليه عمر بن الخطاب بمدد كثير فيهم جرير بن عبد الله البجلي، في قومه بجلية بكمالها، وغيره من سادات المسلمين حتى كثر جيشه‏.‏ 
  وقعة البويب التي اقتص فيها المسلمون من الفرس 
فلما سمع بذلك أمراء الفرس، وبكثرة جيوش المثنى، بعثوا إليه جيشاً آخر مع رجل يقال له‏:‏ مهران فتوافوا هم وإياهم بمكان يقال له‏:‏ البويب، قريب من مكان الكوفة اليوم، وبينهما الفرات‏.‏ 
فقالوا‏:‏ إما أن تعبروا إلينا، أو نعبر إليكم‏؟‏ 
فقال المسلمون‏:‏ بل اعبروا إلينا‏.‏ 
فعبرت الفرس إليهم فتواقفوا، وذلك في شهر رمضان، فعزم المثنى على المسلمين في الفطر فأفطروا عن آخرهم ليكون أقوى لهم، وعبى الجيش، وجعل يمر على كل راية من رايات الأمراء على القبائل ويعظهم ويحثهم على الجهاد والصبر والصمت‏.‏ 
وفي القوم جرير بن عبد الله البجلي في بجلة وجماعة من سادات المسلمين‏.‏ 
وقال المثنى لهم‏:‏ إني مكبر ثلاث تكبيرات فتهيأوا، فإذا كبرت الرابعة فاحملوا‏.‏ فقابلوا قوله بالسمع والطاعة والقبول‏.‏ 
فلما كبر أول تكبيرة عاجلتهم الفرس فحملوا حتى غالقوهم، واقتتلوا قتالاً شديداً‏.‏ 
ورأى المثنى في بعض صفوفه خللاً، فبعث إليهم رجلاً يقول‏:‏ الأمير يقرأ عليكم السلام ويقول لكم‏:‏ لا تفضحوا العرب اليوم فاعتدلوا‏.‏ 
فلما رأى ذلك منهم - وهم بنو عجل - أعجبه وضحك‏.‏ وبعث إليهم يقول‏:‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 36‏)‏ 
يا معشر المسلمين عاداتكم، انصروا الله ينصركم‏.‏ وجعل المثنى المسلمون يدعون الله بالظفر والنصر‏.‏ 
فلما طالت مدة الحرب جمع المثنى جماعة من أصحابه الأبطال يحمون ظهره، وحمل على مهران فأزاله عن موضعه حتى دخل الميمنة، وحمل غلام من بني تغلب نصراني فقتل مهران وركب فرسه‏.‏ 
كذا ذكره سيف بن عمر‏.‏ 
وقال محمد بن إسحاق‏:‏ بل حمل عليه المنذر بن حسان بن ضرار الضبي فطعنه واحتز رأسه جرير بن عبد الله البجلي، واختصما في سلبه فأخذ جرير السلاح، وأخذ المنذر منطقته‏.‏ 
وهربت المجوس، وركب المسلمون أكتافهم يفصلونهم فصلاً‏.‏ 
وسبق المثنى بن حارثة إلى الجسر فوقف عليه ليمنع الفرس من الجواز عليه ليتمكن منهم المسلمون‏.‏ 
فركبوا أكتافهم بقية ذلك اليوم وتلك الليلة، ومن أبعد إلى الليل فيقال‏:‏ أنه قتل منهم يومئذ وغرق قريب من مائة ألف، ولله الحمد والمنة‏.‏ 
وغنم المسلمون مالاً جزيلاً وطعاماً كثيراً، وبعثوا بالبشارة والأخماس إلى عمر رضي الله عنه‏.‏ 
وقد قتل من سادات المسلمين هذا اليوم بشر كثير أيضاً، وذلت لهذه الوقعة رقاب الفرس، وتمكن الصحابة من الغارات في بلادهم فيما بين الفرات ودجلة، فغنموا شيئاً عظيماً لا يمكن حصره‏.‏ 
وجرت أمور يطول ذكرها بعد يوم البويب، وكانت هذه الوقعة بالعراق نظير اليرموك بالشام‏.‏ 
وقد قال الأعور الشني العبدي في ذلك‏:‏ 
هاجت لأعور دار الحي أحزاناً * واستبدلت بعد عبد القيس حساناً 
وقد أرانا بها الشمل مجتمع * إذ بالنخيلة قتلى جند مهراناً 
إذ كان سار المثنى بالخيول لهم * فقتل الزحف من فرس وجيلاناً 
سما لمهران والجيش الذي معه * حتى أبادهم مثنى ووحداناً 
  فصل بعث عمر بن الخطاب سعد بن أبي وقاص أميراً على العراق‏.‏ 
ثم بعث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب سعد بن أبي وقاص الزهري أحد العشرة في ستة آلاف أميراً على العراق، وكتب إلى جرير عبد الله، والمثنى بن حارثة أن يكونا تبعاً له، وأن يسمعا له ويطيعا، فلما وصل إلى العراق كانا معه، وكانا قد تنازعا الإمرة فالمثنى يقول لجرير‏:‏ إنما بعثك أمير المؤمنين مدداً إلي‏.‏ 
ويقول جرير‏:‏ إنما بعثني أميراً عليك‏.‏ 
فلما قدم سعد بن أبي وقاص على أمر العراق انقطع نزاعهما‏.‏ 
قال ابن إسحاق‏:‏ وتوفي المثنى بن حارثة في هذه السنة‏:‏ 
كذا قال ابن إسحق‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 37‏)‏ 
والصحيح‏:‏ أن بعث عمر سعداً إنما كان في أول سنة أربع عشرة كما سيأتي‏.‏ 
  ذكر اجتماع الفرس على يزدجرد بعد اختلافهم 
كان شيرين قد جمع آل كسرى في القصر الأبيض، وأمر بقتل ذكرانهم كلهم، وكانت أم يزدجرد فيهم ومعها ابنها وهو صغير، فواعدت أخواله فجاؤا وأخذوه منها، وذهبوا إلى بلادهم، فلما وقع ما وقع يوم البويب وقتل من قتل منهم كما ذكرنا، وركب المسلمون أكتافهم وانتصروا عليهم، وعلى أخذ بلدانهم، ومحالهم وأقاليمهم‏.‏ 
ثم سمعوا بقدوم سعد بن أبي وقاص من جهة عمر، اجتمعوا فيما بينهم وأحضروا الأميرين الكبيرين فيهم ووهما‏:‏ رستم والفيرزان فتذامروا فيما بينهم وتواصوا، وقالوا لهما‏:‏ لئن لم تقوما بالحرب كما ينبغي لنقتلنكما ونشتفي بكما‏.‏ 
ثم رأوا فيما بينهم‏:‏ أن يبعثوا خلف نساء كسرى من كل فجٍ ومن كل بقعة فمن كان لها ولد من آل كسرى ملكوه عليهم‏.‏ 
فجعلوا إذا أتوا بالمرأة عاقبوها هل لها ولد وهي تنكر ذلك خوفاً على ولدها إن كان لها ولد، فلم يزالوا حتى دلوا على أم يزدجرد، فأحضروها وأحضروا ولدها فملكوه عليهم، وهو ابن إحدى وعشرين سنة، وهو‏:‏ من ولد شهريار بن كسرى وعزلوا بوران واستوثقت الممالك له، واجتمعوا عليه وفرحوا به، وقاموا بين يديه بالنصر أتم قيام‏.‏ 
واستفحل أمره فيهم وقويت شوكتهم به، وبعثوا إلى الأقاليم والرساتيق، فخلعوا الطاعة للصحابة، ونقضوا عهودهم وذممهم‏.‏ 
وبعث الصحابة إلى عمر بالخبر، فأمرهم عمر أن يتبرزوا من بين ظهرانيهم، وليكونوا على أطراف البلاد حولهم على المياه، وأن تكون كل قبيلة تنظر إلى الأخرى بحيث إذا حدث حدث على قبيلة لا يخفى أمرها على جيرانهم‏.‏ وتفاقم الحال جداً، وذلك في ذي القعدة من سنة ثلاث عشرة‏.‏ 
وقد حج بالناس عمر في هذه السنة، وقيل‏:‏ بل حج بهم عبد الرحمن بن عوف، ولم يحج عمر هذه السنة والله أعلم‏.‏ 
  ما وقع سنة ثلاث عشرة من الحوادث 
كانت فيها وقائع تقدم تفصيلها ببلاد العراق على يدي خالد بن الوليد رضي الله عنه، فتحت فيها الحيرة والأنبار وغيرهما من الأمصار‏.‏ 
وفيها‏:‏ سار خالد بن الوليد من العراق إلى الشام على المشهور‏.‏ 
وفيها‏:‏ كانت وقعة اليرموك في قول سيف بن عمر، واختيار ابن جرير، وقتل بها من قتل من الأعيان ممن يطول ذكرهم وتراجمهم رضي الله عنهم أجمعين‏.‏ 
وفيها‏:‏ توفي أبو بكر الصديق‏.‏ وقد أفردنا سيرته في مجلد ولله الحمد‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 38‏)‏ 
وفيها‏:‏ ولي عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوم الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة منها، فولي قضاء المدينة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، واستناب على الشام أبا عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح الفهري، وعزل عنها خالد بن الوليد المخزومي، وأبقاه على شورى الحرب‏.‏ 
وفيها‏:‏ فتحت بصرى صلحاً وهي أول مدينة فتحت من الشام‏.‏ 
وفيها‏:‏ فتحت دمشق في قول سيف وغيره كما قدمنا، واستنيب فيها يزيد بن أبي سفيان، فهو أول من وليها من أمراء المسلمين رضي الله عنهم‏.‏ 
وفيها‏:‏ كانت وقعت وقعة الفحل من أرض الغور، وقتل بها جماعة من الصحابة وغيرهم‏.‏ 
وفيها‏:‏ كانت وقعة جسر أبي عبيد فقتل فيها أربعة آلاف من المسلمين‏.‏ 
منهم‏:‏ أميرهم أبو عبيد بن مسعود الثقفي، وهو والد صفية امرأة عبد الله بن عمر، وكانت امرأة صالحة رحمهما الله‏.‏ 
ووالد المختار بن أبي عبيد كذاب ثقيف، وقد كان نائباً على العراق في بعض وقعات العراق كما سيأتي‏.‏ 
وفيها‏:‏ توفي المثنى بن حارثة في قول ابن إسحاق، وقد كان نائباً على العراق، استخلفه خالد بن الوليد حين سار إلى الشام وقد شهد مواقف مشهورة، وله أيام مذكورة ولا سيما يوم البويب بعد جسر أبي عبيد قتل فيه من الفرس، وغرق بالفرات قريب من مائة ألف، الذي عليه الجمهور‏:‏ أنه بقي إلى سنة أربع عشرة كما سيأتي بيانه‏.‏ 
وفيها‏:‏ حج بالناس عمر بن الخطاب في قول بعضهم، وقيل‏:‏ بل حج عبد الرحمن بن عوف‏.‏ 
وفيها‏:‏ استنفر عمر قبائل العرب لغزو العراق الشام فأقبلوا من كل النواحي، فرمى بهم الشام والعراق‏.‏ 
وفيها‏:‏ كانت وقعة أجنادين في قول ابن إسحاق يوم السبت لثلاث من جمادى الأولى منها‏.‏ 
وكذا عند الواقدي فيما بين الرملة وبين جسرين على الروم القيقلان، وأمير المسلمين عمرو بن العاص، وهو في عشرين ألفاً في قول، فقتل القيقلان انهزمت الروم، وقتل منهم خلق كثير‏.‏ 
واستشهد من المسلمين أيضاً جماعة منهم وهشام بن العاص، والفضل بن العباس، وأبان بن سعيد، وأخواه خالد وعمرو، ونعيم بن عبد الله بن النحام، والطفيل بن عمرو، وعبد الله بن عمرو الدوسيان، وضرار بن الأزور، وعكرمة بن أبي جهل، وعمه سلمة بن هشام، وهبار بن سفيان، وصخر بن نصر، وتميم وسعيد ابنا الحارث بن قيس رضي الله عنهم الأزور‏.‏ 
وقال محمد بن سعد‏:‏ قتل يومئذ طليب بن عمرو، وأمه أروى بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وممن قتل يومئذ عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب، وكان عمره يومئذ ثلاثين سنة فيما ذكره الواقدي‏.‏ 
قال‏:‏ ولم يكن له رواية، وكان ممن صبر يوم حنين‏.‏ 
قال ابن جرير‏:‏ وقتل يومئذ عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، والحارث بن أوس بن عتيك رضي الله عنهم‏.‏ 
وفيها‏:‏ كانت وقعة مرج الصفر في قول خليفة بن خياط، وذلك لثنتي عشرة بقيت من جمادى الأولى، وأمير الناس خالد بن سعيد بن العاص فقتل يومئذ‏.‏ 
وقيل‏:‏ إنما قتل أخوه عمرو‏.‏ 
وقيل‏:‏ ابنه فالله أعلم‏.‏ 
قال ابن إسحاق‏:‏ وكان أمير الروم قلقط فقتل من الروم مقتلة عظيمة حتى جرت طاحون هناك من دمائهم‏.‏ والصحيح‏:‏ أن وقعة مرج الصفر في أول سنة أربع عشرة كما ستأتي‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 39‏)‏ 
  ذكر المتوفين في هذه السنة مرتبين على الحروف كما ذكرهم الحافظ الذهبي 
أبان بن سعيد بن العاص بن أمية الأموي أبو الوليد المكي صحابي جليل، وهو‏:‏ الذي أجار عثمان بن عفان يوم الحديبية حتى دخل مكة لأداء رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ 
أسلم بعد مرجع أخويه من الحبشة خالد، وعمرو، فدعوه إلى الإسلام فأجابهما، وساروا فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فتح خيبر‏.‏ 
وقد استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة تسع على البحرين، وقتل بأجنادين‏.‏ 
أنسة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم المشهور أنه قتل ببدر فيما ذكره البخاري وغيره‏.‏ 
وزعم الواقدي فيما نقله عن أهل العلم‏:‏ أنه شهد أحداً وأنه بقي بعد ذلك زماناً‏.‏ 
قال‏:‏ وحدثني ابن أبي الزناد، عن محمد بن يوسف‏:‏ أن أنسة مات في خلافة أبي بكر الصديق، وكان‏:‏ يكنى أبا مسروح‏.‏ 
وقال الزهري‏:‏ كان يأذن للناس على النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ 
تميم بن الحارث بن قيس السهمي وأخوه قيس صحابيان جليلان هاجرا إلى الحبشة وقتلا بأجنادين‏.‏ 
الحارث بن أوس بن عتيك من مهاجرة الحبشة، قتل بأجنادين‏.‏ 
خالد بن سعيد بن العاص الأموي من السابقين الأولين، ممن هاجر إلى ا