:‏ هل من مبارز‏؟‏ 
فبرز إليه الحارث بن وداعة الحميري فقتله ثم برز إليه راود بن الحارث الكلاعي فقتله، ثم برز إليه المطاع بن المطلب القيسي فقتله‏.‏ فتلا علي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 194‏]‏‏.‏ 
ثم نادى‏:‏ ويحك يا معاوية ابرز إلي ولا تفتن العرب بيني وبينك‏.‏ 
فقال له عمرو بن العاص‏:‏ اغتنمه فإنه قد أثخن بقتل هؤلاء الأربعة‏.‏ 
فقال له معاوية‏:‏ والله لقد علمت أن علياً لم يقهر قط، وإنما أردت قتلي لتصيب الخلافة من بعدي، اذهب إليك فليس مثلي يخدع‏.‏ 
وذكروا أن علياً حمل على عمرو بن العاص يوماً فضربه بالريح فألقاه إلى الأرض فبدت سوءته فرجع عنه‏.‏ 
فقال له أصحابه‏:‏ مالك يا أمير المؤمنين رجعت عنه‏؟‏ فقال‏:‏ أتدرون ما هو‏؟‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/293‏)‏ 
قالوا‏:‏ لا‏.‏ 
قال‏:‏ هذا عمرو بن العاص تلقاني بسوءته فذكرني بالرحم، فرجعت عنه‏.‏ 
فلما رجع عمرو إلى معاوية قال له‏:‏ أحمد الله، وأحمد إستك‏.‏ 
وقال إبراهيم بن الحسين بن ديزيل، ثنا يحيى، ثنا نصر، ثنا عمرو بن شمر، عن جابر الجعفي، عن نمير الأنصاري قال‏:‏ والله لكأني أسمع علياً وهو يقول لأصحابه يوم صفين‏:‏ 
أما تخافون مقت الله حتى متى، ثم انفتل إلى القبلة يدعو ثم قال‏:‏ والله ما سمعنا برئيس أصاب بيده ما أصاب علي يومئذ إنه قتل فيما ذكر العادون زيادة على خمسمائة رجل، يخرج فيضرب بالسيف حتى ينحني ثم يجيء فيقول‏:‏ معذرة إلى الله وإليكم والله لقد هممت أن أقلعه، ولكن يحجزني عنه، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي‏)‏‏)‏‏.‏ 
قال‏:‏ فيأخذه فيصلحه ثم يرجع به، وهذا إسناد ضعيف وحديث منكر‏.‏ 
وحدثنا يحيى ثنا ابن وهب، أخبرني الليث، عن يزيد بن حبيب‏:‏ أنه أخبره من حضر صفين مع علي ومعاوية قال ابن وهب‏:‏ وأخبرني ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن ربيعة بن لقيط قال‏:‏ شهدنا صفين مع علي ومعاوية قال‏:‏ فمطرت السماء علينا دماً عبيطاً‏.‏ 
قال الليث في حديثه‏:‏ حتى أن كانوا ليأخذونه بالصحاف والآنية‏.‏ 
قال ابن لهيعة‏:‏ فتمتلئ ونهريقها‏.‏ 
وقد ذكرنا‏:‏ أن عبد الله بن بديل كسر الميسرة التي فيها حبيب بن مسلمة حتى أضافها إلى القلب فأمر معاوية الشجعان أن يعاونوا حبيباً على الكرة وبعث إليه معاوية يأمره بالحملة والكرة على ابن بديل، فحمل حبيب بمن معه من الشجعان على ميمنة أهل العراق فأزالوهم عن أماكنهم وانكشفوا عن أميرهم حتى لم يبق معه إلا زهاء ثلاثمائة‏.‏ 
وانجفل بقية أهل العراق ولم يبق مع علي من تلك القبائل إلا أهل مكة وعليهم سهل بن حنيف، وثبت ربيعة مع علي رضي الله عنه واقترب أهل الشام منه حتى جعلت نبالهم تصل إليه‏.‏ 
وتقدم إليه مولى لبني أمية فاعترضه مولى لعلي فقتله الأموي وأقبل يريد علياً وحوله بنوه الحسن، والحسين، ومحمد بن حنفية، فلما وصل إلى علي أخذه علي بيده فرفعه ثم ألقاه على الأرض فكسر عضده ومنكبه وابتدره الحسين ومحمد بأسيافهما فقتلاه‏.‏ 
فقال علي للحسن ابنه وهو واقف معه‏:‏ ما منعك أن تصنع كما صنعا‏؟‏ 
فقال‏:‏ كفيان أمره يا أمير المؤمنين‏.‏ 
وأسرع إلى علي أهل الشام فجعل علي لا يزيده قربهم منه سرعة في مشيته بل هو سائر على هينته فقال له ابنه الحسن‏:‏ يا أبة لو سعيت أكثر من مشيتك هذه‏؟‏ 
فقال‏:‏ يا بني إن لأبيك يوماً لن يعدوه ولا يبطىء به عنه السعي ولا يعجل به إليه المشي إن أباك والله ما يبالي وقع على الموت أو وقع عليه‏.‏ 
ثم إن علياً أمر الأشتر النخعي‏:‏ أن يلحق المنهزمين فيردهم فسار فأسرع حتى استقبل المنهزمين من العراق فجعل يؤنبهم ويوبخهم ويحرض القبائل والشجعان منهم على الكرة فجعل طائفة تتابعه وآخرون يستمرون في هزيمتهم، فلم يزل ذلك دأبه حتى اجتمع عليه خلق عظيم من الناس، فجعل لا يلقى قبيلة إلا كشفها، ولا طائفة إلا ردها، حتى انتهى إلى أمير الميمنة وهو عبد الله بن بديل ومعه نحو في ثلاثمائة قد ثبتوا في مكانهم، فسألوا عن أمير المؤمنين فقالوا‏:‏ حي صالح، فالتفوا إليه، فتقدم بهم حتى تراجع كثير من الناس وذلك ما بين صلاة العصر إلى الغروب‏.‏ 
وأراد ابن بديل‏:‏ أن يتقدم إلى أهل الشام، فأمره الأشتر أن يثبت مكانه فإنه خير له، فأبى عليه ابن بديل‏.‏ 
‏(‏ج/ص‏:‏ 7/294‏)‏ 
وحمل نحو معاوية، فلما انتهى إليه وجده واقفاً أمام أصحابه، وفي يده سيفان، وحوله كتائب أمثال الجبال، فلما اقترب ابن بديل تقدم إليه جماعة منهم فقتلوه وألقوه إلى الأرض قتيلاً، وفر أصحابه منهزمين وأكثرهم مجروح‏.‏ 
فلما انهزم أصحابه، قال معاوية لأصحابه‏:‏ انظروا إلى أميرهم، فجاؤوا إليه فلم يعرفوه، فتقدم معاوية إليه فإذا هو عبد الله بن بديل‏.‏ 
فقال معاوية‏:‏ هذا والله كما قال الشاعر وهو حاتم الطائي‏:‏ 
أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها * وإن شمرت يوماً به الحرب شمرا 
ويحمي إذا ما الموت كان لقاؤه * كذلك ذو الأشبال يحمي إذا ما تأمرا 
كليث هزبر كان يحمي ذماره * رمته المنايا سهمها فتقطرا 
ثم حمل الأشتر النخعي بمن رجع معه من المنهزمين فصدق الحملة حتى خالط الصفوف الخمسة الذين تعاقدوا أن لا يفروا، وهم حول معاوية فخرق منهم أربعة وبقي بينه وبين معاوية صف‏.‏ 
قال الأشتر‏:‏ فرأيت هولاً عظيماً، وكدت أن أفر فما ثبتني إلا قول ابن الأطنابة وهي أمه من بلقين وكان هو من الأنصار وهو جاهلي‏:‏ 
أبت لي عفتي وأبي بلائي * وإقدامي على البطل المشيح 
وإعطائي على المكروه مالي * وضربي هامة الرجل السميح 
وقولي كلما جشأت وجاشت * مكانك تحمدي أو تستريحي 
قال‏:‏ فهذا الذي ثبتني في ذلك الموقف‏.‏ 
والعجب أن ابن ديزيل روى في كتابه أن أهل العراق حملوا حملة واحدة، فلم يبق لأهل الشام صف إلا أزالوه، حتى أفضوا إلى معاوية فدعى بفرسه لينجو عليه، قال معاوية‏:‏ فلما وضعت رجلي في الركاب تمثلت بأبيات عمرو بن الإطناب‏:‏ 
أبت لي عفتي وأبي بلائي * وأخذي الحمل بالثمن البيح 
وإعطائي على المكروه مالي * وضربي هامة البطل المشيح 
وقولي كلما جشأت وجاشت * مكانك تحمدي أو تستريحي 
قال‏:‏ فثبت ونظر معاوية إلى عمرو بن العاص فقال‏:‏ اليوم صبر وغداً فخر‏.‏ 
فقال له عمرو‏:‏ صدقت‏.‏ 
قال معاوية‏:‏ فأصبت خير الدنيا، وأنا أرجو أن أصيب خير الآخرة‏.‏ 
ورواه محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الرحمن بن حاطب، عن معاوية، وبعث معاوية إلى خالد بن المعتمر وهو أمير الخيالة لعلي فقال له‏:‏ اتبعني على ما أنت عليه، ولك إمرة العراق، فطمع فيه‏.‏ 
‏(‏ج/ص‏:‏ 7/295‏)‏ 
فلما ولي معاوية ولاه العراق فلم يصل إليها خالد رحمه الله‏.‏ 
ثم إن علياً لما رأى الميمنة قد اجتمعت رجع إلى الناس فأنب بعضهم وعذر بعضهم وحرض الناس وثبتهم ثم تراجع أهل العراق فاجتمع شملهم ودارت رحى الحرب بينهم، وجالوا في الشاميين وصالوا، وتبارز الشجعان فقتل خلق كثير من الأعيان من الفريقين، فإنا لله وإنا إليه راجعون‏.‏ 
وقيل‏:‏ ممن قتل في هذا اليوم عبيد الله بن عمر بن الخطاب من الشاميين، واختلفوا فيمن قتله من العراقيين‏.‏ 
وقد ذكر إبراهيم بن الحسين بن ديزيل‏:‏ أن عبيد الله لما خرج يومئذ أميراً على الحرب أحضر امرأتيه أسماء بنت عطارد بن حاجب التميمي وبحرية بنت هانئ بن قبيصة الشيباني فوقفتا وراءه في راحلتين لينظرا إلى قتاله وشجاعته وقوته، فواجهته من جيش العراقيين ربيعة الكوفة وعليهم زياد بن حفصة التميمي، فشدوا عليه شدة رجل واحد فقتلوه بعد ما انهزم عنه أصحابه، ونزلت ربيعة فضربوا لأميرهم خيمة فبقي طنب منها لم يجدوا له وتداً فشدوه برجل عبيد الله‏.‏ 
وجاءت امرأتاه يولولان حتى وقفتا عليه وبكتا عنده، وشفعت امرأته بحرية إلى الأمير فأطلقه لهما فاحتملتاه معهما في هودجهما، وقتل معه أيضاً ذو الكلاع‏.‏ 
قال الشعبي‏:‏ ففي مقتل عبيد الله بن عمر يقول كعب بن جعل التغلبي‏:‏ 
ألا إنما تبكي العيون لفارس * بصفين ولت خيله وهو واقف 
تبدل من أسماء أسياف وائل * وكان فتى لو أخطأته المتالف 
تركن عبيد الله بالقاع ثاوياً * تسيل دماه والعروق نوازف 
ينوء ويغشاه شآبيب من دم * كما لاح من جيب القميص الكفائف 
وقد صبرت حول ابن عم محمد * لدى الموت أرباب المناقب شارف 
فما برحوا حتى رأى الله صبرهم * وحتى رقت فوق الأكف المصاحف 
وزاد غيره فيها‏:‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/296‏)‏ 
معاويَ لا تنهض بغير وثيقة * فإنك بعد اليوم بالذل عارف 
وقد أجابه أبو جهم الأسدي بقصيدة فيها أنواع من الهجاء تركناها قصداً‏.‏ 
وهذا مقتل عمار بن ياسر رضي الله عنه مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قتله أهل الشام وبان وظهر بذلك سر ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم من أنه تقتله الفئة الباغية وبان بذلك أن علياً محقٌ وأن معاوية باغٍ، وما في ذلك من دلائل النبوة‏.‏ 
ذكر ابن جرير من طريق أبي مخنف، حدثني مالك بن أعين الجهني، عن زيد بن وهب الجهني‏:‏ أن عماراً قال يومئذ‏:‏ من يبتغي رضوان ربه ولا يلوي إلى مال ولا ولد‏؟‏ 
قال‏:‏ فأتته عصابة من الناس‏.‏ 
فقال‏:‏ أيها الناس اقصدوا بنا نحو هؤلاء القوم الذين يبتغون دم عثمان ويزعمون أنه قتل مظلوماً والله ما قصدهم الأخذ بدمه ولا الأخذ بثأره ولكن القوم ذاقوا الدنيا واستحلوها واستمروا الآخرة فقلوها وعلموا أن الحق إذا لزمهم حال بينهم وبين ما يتمرغون فيه من دنياهم وشهواتهم، ولم يكن للقوم سابقة في الإسلام يستحقون بها طاعة الناس لهم ولا الولاية عليهم، ولا تمكنت من قلوبهم خشية الله التي تمنع من تمكنت من قلبه عن نيل الشهوات، وتعقله عن إرادة الدنيا، وطلب العلو فيها، وتحمله على إتباع الحق والميل إلى أهله‏.‏ 
فخدعوا أتباعهم بقولهم‏:‏ إمامنا قتل مظلوماً، ليكونوا بذلك جبابرة ملوكاً، وتلك مكيدة بلغوا بها ما ترون، ولولا ذلك ما تبعهم من الناس رجل ولكانوا أذل وأخس وأقل، ولكن قول الباطل له حلاوة في أسماع الغافلين، فسيروا إلى الله سيراً جميلاً، واذكروا ذكراً كثيراً‏.‏ 
ثم تقدم فلقيه عمرو بن العاص، وعبيد الله بن عمر، فلامهما وأنبهما ووعظمها، وذكروه من كلامه لهما ما فيه غلظة، فالله أعلم‏.‏ 
وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، سمعت عبد الله بن سلمة يقول‏:‏ رأيت عماراً يوم صفين شيخاً كبيراً آدم طوالاً أخذ الحربة بيده ويده ترعد فقال‏:‏ والذي نفسي بيده لقد قاتلت بهذه الراية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات وهذه الرابعة، والذي نفسي بيده لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعرفت أن مصلحينا على الحق، وأنهم على الضلالة‏.‏ 
وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة وحجاج، حدثني شعبة، سمعت قتادة يحدث، عن أبي نضرة، قال حجاج‏:‏ سمعت أبا نضرة، عن قيس بن عباد قال‏:‏ قلت لعمار بن ياسر‏:‏ أرأيت قتالكم مع علي رأياً رأيتموه‏؟‏ فإن الرأي يخطئ ويصيب، أو عهد عهده إليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم‏؟‏ 
فقال‏:‏ ما عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً لم يعهده إلى الناس كافة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/297‏)‏ 
وقد رواه مسلم، من حديث شعبة، وله تمام عن عمار، عن حذيفة في المنافقين‏.‏ 
وهذا كما ثبت في الصحيحين وغيرهما، عن جماعة من التابعين، منهم‏:‏ الحارث بن سويد، وقيس بن عبادة، وأبو جحيفة وهب بن عبد الله السوائي، ويزيد بن شريك، وأبو حسان الأجرد وغيرهم، أن كلاً منهم قال‏:‏ قلت لعلي‏:‏ هل عندكم شيء عهده إليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعهده إلى الناس‏؟‏ 
فقال‏:‏ لا والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة إلا فهماً يؤتيه الله عبداً في القرآن، وما في هذه الصحيفة‏.‏ 
قلت‏:‏ وما في هذه الصحيفة‏؟‏ فإذا فيها العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر، وأن المدينة حرم ما بين ثبير إلى ثور‏.‏ 
وثبت في الصحيحين أيضاً من حديث الأعمش، عن أبي وائل، عن سفيان بن مسلم، عن سهل بن حنيف، أنه قال يوم صفين‏:‏ يا أيها الناس‏؟‏ اتهموا الرأي على الدين، فلقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أقدر لرددت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره، ووالله ما حملنا سيوفنا على عواتقنا منذ أسلمنا لأمر يقطعنا إلا أسهل إلى أمر نعرفه غير أمرنا هذا، فإنا لا نسد منه خصماً إلا انفتح لنا غيره، لا ندري كيف نبالي له‏.‏ 
وقال أحمد‏:‏ 