
وما زاده الروافض في هذا الحديث بعد قوله الباغية، لا أنالها والله شفاعتي يوم القيامة، فهو كذب وبهت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه قد ثبتت الأحاديث عنه صلوات الله عليه وسلامه بتسمية الفريقين مسلمين، كما سنورده قريباً إن شاء الله‏.‏ 
قال ابن جرير‏:‏ وقد ذكر أن عماراً لما قتل، قال علي لربيعة وهمدان‏:‏ أنتم درعي ورمحي‏.‏ 
فانتدب له نحو من اثني عشر ألفاً، وتقدمهم علي ببغلته، فحمل وحملوا معه حملة رجل واحد، فلم يبق لأهل الشام صف إلا انتقض، وقتلوا كل من انتهوا إليه حتى بلغوا معاوية، وعلي يقاتل ويقول‏:‏ 
أضربهم ولا أرى معاوية * الجاحظ العين عظيم الحاوية 
قال‏:‏ ثم دعى علي معاوية إلى أن يبارزه، فأشار عليه بالخروج إليه عمرو بن العاص، فقال له معاوية‏:‏ إنك لتعلم أنه لم يبارزه رجل قط إلا قتله، ولكنك طمعت فيها بعدي‏.‏ 
ثم قدم على ابنه محمد في عصابة كثيرة من الناس فقاتلوه قتالاً شديداً، ثم تبعه علي في عصابة أخرى، فحمل بهم فقتل في هذا الموطن خلق كثير من الفريقين لا يعلمهم إلا الله، وقتل من العراقيين خلق كثير أيضاً، وطارت أكف ومعاصم ورؤوس عن كواهلها رحمهم الله‏.‏ 
ثم حانت صلاة المغرب فما صلى بالناس إلا إيماء صلاتي العشاء واستمر القتال في هذه الليلة كلها، وهي من أعظم الليالي شراً بين المسلمين، وتسمى هذه الليلة‏:‏ ليلة الهرير‏.‏ 
وكانت ليلة الجمعة تقصفت الرماح، ونفذت النبال، وصار الناس إلى السيوف، وعلي رضي الله عنه يحرض القبائل ويتقدم أيهم يأمر بالصبر والثبات، وهو أمام الناس في قلب الجيش، وعلى الميمنة الأشتر تولاها بعد قتل عبد الله بن بديل عشية الخميس ليلة الجمعة - وعلى الميسرة ابن عباس، والناس يقتتلون من كل جانب، فذكر غير واحد من علمائنا علماء السير - أنهم اقتتلوا بالرماح حتى تقصفت، وبالنبال حتى فنيت، وبالسيوف حتى تحطمت‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/302‏)‏ 
ثم صاروا إلى أن تقاتلوا الأيدي والرمي بالحجارة والتراب في الوجوه، وتعاضوا بالأسنان يقتتل الرجلان حتى يثخنا ثم يجلسان يستريحان، وكل واحد منهما يهمر على الآخر ويهمر عليه ثم يقومان فيقتتلان كما كانا، فإنا لله وإنا إليه راجعون‏.‏ 
ولم يزل ذلك دأبهم حتى أصبح الناس من يوم الجمعة وهم كذلك وصلّى الناس الصبح إيماء وهم في القتال حتى تضاحى النهار وتوجه النصر لأهل العراق على أهل الشام، وذلك أن الأشتر النخعي صارت إليه إمرة الميمنة، فجعل بمن فيها على أهل الشام، وتبعه علي فتنقضت غالب صفوفهم وكادوا ينهزمون، فعند ذلك رفع أهل الشام المصاحف فوق الرماح وقالوا‏:‏ هذا بيننا وبينكم وقد فني الناس فمن للثغور‏؟‏ ومن لجهاد المشركين والكفار‏؟‏ 
وذكر ابن جرير وغيره من أهل التاريخ‏:‏ أن الذي أشار بهذا هو عمرو بن العاص، وذلك لما رأى أن أهل العراق قد استظهروا في ذلك الموقف، أحب أن ينفصل الحال وأن يتأخر الأمر فإن كلاً من الفريقين صابر للآخر، والناس يتفانون‏.‏ 
فقال إلى معاوية‏:‏ إني قد رأيت أمراً لا يزيدنا هذه الساعة إلا اجتماعاً ولا يزيدهم إلا فرقة، أرى أن نرفع المصاحف وندعوهم إليها، فإن أجابوا كلهم إلى ذلك بَرَدَ القتال، وإن اختلفوا فيما بينهم فمن قائل نجيبهم، وقائل لا نجيبهم، فشلوا وذهب ريحهم‏.‏ 
وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا يعلى بن عبيد، عن عبد العزيز بن سياه، عن حبيب بن أبي ثابت قال‏:‏ أتيت أبا وائل في مسجد أهله أسأله عن هؤلاء القوم الذين قتلهم علي بالنهروان فيما استجابوا له، وفيما فارقوه، وفيما استحل قتالهم‏؟‏ 
فقال‏:‏ كنا بصفين فلما استحر القتال بأهل الشام اعتصموا بتل فقال عمرو بن العاص لمعاوية‏:‏ أرسل إلى علي بمصحف فادعه إلى كتاب الله فإنه لن يأبى عليك‏.‏ 
فجاء به رجل فقال‏:‏ بيننا وبينكم كتاب الله‏:‏ ‏{‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 23‏]‏‏.‏ 
فقال علي‏:‏ نعم أنا أولى بذلك، بيننا وبينكم كتاب الله‏.‏ 
قال‏:‏ فجاءته الخوارج ونحن ندعوهم يومئذ القراء، وسيوفهم على عواتقهم فقالوا‏:‏ يا أمير المؤمنين ما ينتظر هؤلاء القوم الذين على التل ألا نمشي إليهم سيوفنا حتى يحكم الله بيننا وبينهم ‏؟‏ 
فتكلم سهل بن حنيف فقال‏:‏ يا أيها الناس اتهموا أنفسكم فلقد رأيتنا يوم الحديبية - يعني‏:‏ الصلح الذي كان بين رسول الله وبين المشركين - ولو نرى قتالاً لقاتلنا فجاء عمر إلى رسول الله فقال‏:‏ يا رسول الله ألسنا على حق وهم على باطل‏؟‏ 
وذكر تمام الحديث كما تقدم في موضعه‏.‏ 
  رفع أهل الشام المصاحف 
فلما رفعت المصاحف قال أهل العراق‏:‏ نجيب إلى كتاب الله وننيب إليه‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/303‏)‏ 
قال أبو مخنف‏:‏ حدثني عبد الرحمن بن جندب الأزدي، عن أبيه أن علياً قال‏:‏ عباد الله أمضوا إلى حقكم وصدقكم وقتال عدوكم، فإن معاوية، وعمرو بن العاص، وابن أبي معيط، وحبيب بن مسلمة، وابن أبي سرح، والضحاك بن قيس ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، أنا أعرف بهم منكم، صحبتهم أطفالاً، وصحبتهم رجالاً، فكانوا شر أطفال وشر رجال، ويحكم والله إنهم ما رفعوها إنهم يقرأونها ولا يعملون بما فيها وما رفعوها إلا خديعة ودهاء ومكيدة‏.‏ 
فقالوا له‏:‏ ما يسعنا أن ندعى إلى كتاب الله فنأبى أن نقبله‏.‏ 
فقال لهم‏:‏ إني إنما أقاتلهم ليدينوا بحكم الكتاب فإنهم قد عصوا الله فيما أمرهم به، وتركوا عهده، ونبذوا كتابه‏.‏ 
فقال له مسعر بن فدكي التميمي، وزيد بن حصين الطائي، ثم السبائي في عصابة معهما من القراء الذين صاروا بعد ذلك خوارج‏:‏ يا علي أجب إلى كتاب الله إذا دعيت إليه وإلا دفعناك برمتك إلى القوم أو نفعل بك ما فعلنا بابن عفان، إنه غلبنا أن يعمل بكتاب الله فقتلناه، والله لتفعلنها أو لنفعلنها بك‏.‏ 
قال‏:‏ فاحفظوا عني نهيي إياكم وأحفظوا مقالتكم لي، أما أنا فإن تطيعوني فقاتلوا، وإن تعصوني فاصنعوا ما بدا لكم‏.‏ 
قالوا‏:‏ فابعث إلى الأشتر فليأتك ويكف عن القتال‏.‏ 
فبعث إليه علي ليكف عن القتال‏.‏ 
وقد ذكر الهيثم بن عدي في كتابه الذي صنفه في الخوارج فقال قال ابن عباس‏:‏ فحدثني محمد بن المنتشر الهمداني عن من شهد صفين وعن ناس من رؤوس الخوارج ممن لا يتهم على كذب‏:‏ أن عمار بن ياسر كره ذلك وأبى وقال في علي بعض ما أكره ذكره ثم قال‏:‏ من رائح إلى الله قبل أن يبتغي غير الله حكماً‏؟‏ فحمل فقاتل حتى قتل رحمة الله عليه‏.‏ 
وكان ممن دعا إلى ذلك سادات الشاميين‏:‏ عبد الله بن عمرو بن العاص قام في أهل العراق فدعاهم إلى الموادعة والكف وترك القتال والائتمار بما في القرآن وذلك عن أمر معاوية له بذلك رضي الله عنهما‏.‏ 
وكان ممن أشار على علي بالقبول والدخول في ذلك‏:‏ الأشعث بن قيس الكندي رضي الله عنه‏.‏ 
فروى أبو مخنف من وجه آخر‏:‏ أن علياً لما بعث إلى الأشتر قال‏:‏ قل له إنه ليس هذه ساعة ينبغي أن لا تزيلني عن موقفي فيها، إني قد رجوت أن يفتح الله علي فلا تعجلني، فرجع الرسول - وهو يزيد بن هانئ - إلى علي فأخبره عن الأشتر بما قال، وصمم الأشتر على القتال لينتهز الفرصة، فارتفع الهرج وعلت الأصوات‏.‏ 
فقال أولئك القوم لعلي‏:‏ والله ما نراك إلا أمرته أن يقاتل‏.‏ 
فقال‏:‏ أرأيتموني ساررته‏؟‏ ألم أبعث إليه جهر وأنتم تسمعون‏؟‏ 
فقالوا‏:‏ فابعث إليه فليأتك وإلا والله اعتزلناك‏.‏ 
فقال علي ليزيد بن هانئ‏:‏ ويحك ‏!‏ 
قال له‏:‏ أقبل إلي فإن الفتنة قد وقعت، فلما رجع إليه يزيد بن هانئ فأبلغه عن أمير المؤمنين أنه ينصرف عن القتال ويقبل إليه، جعل يتململ ويقول‏:‏ ويحك ألا ترى إلى ما نحن فيه من النصر، ولم يبق إلا القليل ‏؟‏ 
فقلت‏:‏ أيهما أحب إليك أن تقبل أو يقتل أمير المؤمنين كما قتل عثمان‏؟‏ 
ثم ماذا يغني عنك نصرتك هاهنا‏؟‏ 
قال‏:‏ فأقبل الأشتر إلى علي وترك القتال‏.‏ 
فقال‏:‏ يا أهل العراق‏!‏ يا أهل الذل والوهن، أحين علوتم القوم، وظنوا أنكم لهم قاهرون، رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها، وقد والله تركوا ما أمر الله به فيها، وسنة من أنزلت عليه، فلا تجيبوهم، أمهلوني فإني قد أحسست بالفتح‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/304‏)‏ 
قالوا‏:‏ لا‏.‏ 
قال‏:‏ أمهلوني عدو الفرس فإني قد طمعت في النصر‏.‏ 
قالوا‏:‏ إذاً ندخل معك في خطيئتك‏.‏ 
ثم أخذ الأشتر يناظر أولئك القراء الداعين إلى إجابة أهل الشام بما حاصله‏:‏ إن كان أول قتالكم هؤلاء حقاً فاستمروا عليه وإن كان باطلاً فاشهدوا لقتلاكم بالنار‏.‏ 
فقالوا‏:‏ دعنا منك فإنا لا نطيعك ولا صاحبك أبداً ونحن قاتلنا هؤلاء في الله وتركنا قتالهم لله‏.‏ 
فقال لهم الأشتر‏:‏ خدعتم والله فانخدعتم ودعيتم إلى وضع الحرب فأجبتم، يا أصحاب السوء كنا نظن صلاتكم زهادة في الدنيا وشوقاً إلى لقاء الله، فلا أرى فراركم إلا إلى الدنيا من الموت، يا أشباه النيب الجلالة ما أنتم بربانيين بعدها، فابعدوا كما بعد القوم الظالمون‏.‏ 
فسبوه وسبهم فضربوا وجه دابته بسياطهم، وجرت بينهم أمور طويلة، ورغب أكثر الناس من العراقيين وأهل الشام بكمالهم إلى المصالحة والمسالمة مدة لعله يتفق أمر يكون فيه حقن لدماء المسلمين، فإن الناس تفانوا في هذه المدة، ولا سيما في هذه الثلاثة الأيام المتأخرة التي آخر أمرها ليلة الجمعة وهي ليلة الهرير‏.‏ 
كل من الجيشين فيه من الشجاعة والصبر ما ليس يوجد في الدنيا مثله، ولهذا لم يفر أحد عن أحد، بل صبروا حتى قتل من الفريقين فيما ذكره غير واحد سبعون ألفاً خمسة وأربعون ألفاً من أهل الشام، وخمسة وعشرون ألفاً من أهل العراق‏.‏ 
قاله غير واحد منهم ابن سيرين، وسيف، وغيره‏.‏ 
وزاد أبو الحسن ابن البراء - وكان من أهل العراق -خمسة وعشرون بدرياً قال‏:‏ وكان بينهم في هذه المدة تسعون زحفاً واختلفا في مدة المقام بصفين‏.‏ 
فقال سيف‏:‏ سبعة أشهر أو تسعة أشهر‏.‏ 
وقال أبو الحسن بن البراء‏:‏ مائة وعشرة أيام‏.‏ 
قلت‏:‏ ومقتضى كلام أبي مخنف أنه كان من مستهل ذي الحجة في يوم الجمعة لثلاث عشرة خلت من صفر، وذلك سبعة وسبعون يوماً فالله أعلم‏.‏ 
وقال الزهري‏:‏ بلغني أنه كان يدفن في القبر الواحد خمسون نفساً هذا كله ملخص من كلام ابن جرير وابن الجوزي في المنتظم‏.‏ 
وقد روى البيهقي من طريق يعقوب بن سفيان، عن أبي اليمان، عن صفوان بن عمرو‏:‏ كان أهل الشام ستين ألفاً فقتل منهم عشرون ألفاً، وكان أهل العراق مائة وعشرين ألفاً، فقتل منهم أربعون ألفاً‏.‏ 
وحمل البيهقي هذه الوقعة على الحديث الذي أخرجاه في الصحيحين من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة‏.‏ 
ورواه البخاري من حديث شعيب، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة‏.‏ 
ومن حديث شعيب، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏‏(‏لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان يقتل بينهما مقتلة عظيمة ودعواهما واحدة‏)‏‏)‏‏.‏ 
‏(‏ج/ص‏:‏ 7/305‏)‏ 
ورواه مجالد، عن أبي الحواري، عن أبي سعيد مرفوعاً مثله‏.‏ 
ورواه الثوري، عن ابن جدعان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان دعوتهما واحدة فبينما هم كذلك مرق منهما مارقة تقتلهم أولى الطائفتين بالحق‏)‏‏)‏‏.‏ 
وقد تقدم ما رواه الإمام أحمد، عن مهدي، وإسحاق، عن سفيان، عن منصور، عن ربعي بن خراش، عن البراء بن ناجية الكاهلي، عن ابن مسعود قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏إن رحى الإسلام ستزول لخمس وثلاثين أو ست وثلاثين فإن يهلكوا فسبيل من هلك، وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عاماً‏)‏‏)‏‏.‏ 
فقال عمر‏:‏ يا رسول الله، أمما مضى‏؟‏ أم مما بقي‏؟‏ 
قال‏:‏ ‏(‏‏(‏بل مما بقي‏)‏‏)‏‏.‏ 
وقد رواه إبراهيم بن الحسين بن ديزيل في كتاب جمعه في سيرة علي، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن شريك، عن منصور به مثله‏.‏ 
وقال أيضاً‏:‏ حدثنا أبو نعيم، ثنا شريك بن عبد الله النخعي، عن مجالد، عن عامر الشعبي، عن مسروق، عن عبد الله قال‏:‏ قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏إن رحى الإسلام ستزول بعد خمس وثلاثين سنة فإن يصطلحوا فيما بينهم يأكلوا الدنيا سبعين عاماً