بن عمرو هو الخليفة، فأبى أيضاً‏.‏ 
وطلب أبو موسى من عمرو أن يوليا عبد الله بن عمر فامتنع عمرو أيضاً، ثم اصطلحا على أن يخلعا معاوية وعلياً ويتركا الأمر شورى بين الناس ليتفقوا على من يختاروه لأنفسهم‏.‏ 
ثم جاءا إلى المجمع الذي فيه الناس - وكان عمرو لا يتقدم بين يدي أبي موسى بل يقدّمه في كل الأمور أدباً وإجلالاً - فقال له‏:‏ يا أبا موسى قم فأعلم الناس بما اتفقنا عليه‏.‏ 
فخطب أبو موسى الناس فحمد الله وأثنى عليه، ثم صلى على رسول الله صلى لله عليه وسلم، ثم قال‏:‏ أيها الناس إنا قد نظرنا في أمر هذه الأمة، فلم نر أمراً أصلح لها ولا ألم لشعثها، من رأي اتفقت أنا وعمرو عليه، وهو أنا نخلع علياً ومعاوية ونترك الأمر شورى، وتستقبل الأمة هذا الأمر فيولوا عليهم من أحبوه، وإني قد خلعت علياً ومعاوية‏.‏ 
ثم تنحى وجاء عمرو فقام مقامه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال‏:‏ إن هذا قد قال ما سمعتم، وإنه قد خلع صاحبه، وإني قد خلعته كما خلعه وأثبت صاحبي معاوية فإنه ولي عثمان بن عفان، والطالب بدمه، وهو أحق الناس بمقامه - وكان عمرو بن العاص رأى أن ترك الناس بلا إمام والحالة هذه يؤدي إلى مفسدة طويلة عريضة أربى مما الناس فيه من الاختلاف، فأقر معاوية لما رأى ذلك من المصلحة، والاجتهاد يخطئ ويصيب‏.‏ 
ويقال‏:‏ إن أبا موسى تكلم معه بكلام فيه غلظة ورد عليه عمرو بن العاص مثله‏.‏ 
وذكر ابن جرير أن شريح بن هانئ - مقدم جيش علي - وثب على عمرو بن العاص فضربه بالسوط، وقام إليه ابنٌ لعمر فضربه بالسوط، وتفرق الناس في كل وجه إلى بلادهم، فأما عمرو وأصحابه فدخلوا على معاوية فسلموا عليه بتحية الخلافة‏.‏ 
وأما أبو موسى فاستحيى من علي فذهب إلى مكة، ورجع ابن عباس وشريح بن هانئ إلى علي فأخبراه بما فعل أبو موسى وعمرو، فاستضعفوا رأي أبي موسى وعرفوا أنه لا يوازن عمرو بن العاص‏.‏ 
فذكر أبو مخنف عن أبي جناب الكلبي أن علياً لما بلغه ما فعل عمرو كان يلعن في قنوته معاوية، وعمرو بن العاص، وأبا الأعور السلمي، وحبيب بن مسلمة، والضحاك بن قيس، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد، والوليد بن عتبة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/315‏)‏ 
فلما بلغ ذلك معاوية كان يلعن في قنوته علياً، وحسناً وحسيناً، وابن عباس، والأشتر النخعي، ولا يصح هذا والله أعلم‏.‏ 
فأما الحديث الذي قال البيهقي في ‏(‏الدلائل‏)‏‏:‏ أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا إسماعيل بن الفضل، ثنا قتيبة بن سعيد، عن جرير، عن زكريا بن يحيى، عن عبد الله بن يزيد وحبيب بن يسار، عن سويد بن غفلة قال‏:‏ إني لأمشي مع علي بشط الفرات‏.‏ 
فقال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏إن بني إسرائيل اختلفوا فلم يزل اختلافهم بينهم حتى بعثوا حكمين، فضلاً وأضلاً، وإن هذه الأمة ستختلف، فلا يزال اختلافهم بينهم حتى يبعثوا حكمين، فيضلاّن ويضلاّن من اتبعهما‏)‏‏)‏‏.‏ 
فإنه حديث منكر ورفعه موضوع والله أعلم‏.‏ 
إذ لو كان هذا معلوماً عند علي لم يوافق على تحكيم الحكمين حتى لا يكون سبباً لإضلال الناس، كما نطق به هذا الحديث‏.‏ 
وآفة هذا الحديث هو‏:‏ زكريا بن يحيى وهو الكندي الحميري الأعمى، قال ابن معين‏:‏ ليس بشيء‏.‏ 
  خروج الخوارج من الكوفة ومبارزتهم علياً 
لما بعث علي أبا موسى ومن معه من الجيش إلى دومة الجندل اشتد أمر الخوارج وبالغوا في النكير على عليّ وصرحوا بكفره، فجاء إليه رجلان منهم، وهما‏:‏ زرعة بن البرج الطائي، وحرقوص بن زهير السعدي، فقالا‏:‏ لا حكم إلا لله‏.‏ 
فقال علي‏:‏ لا حكم إلا لله‏.‏ 
فقال له حرقوص‏:‏ تب من خطيئتك واذهب بنا إلى عدونا حتى نقاتلهم حتى نلقى ربنا‏.‏ 
فقال علي‏:‏ قد أردتكم على ذلك فأبيتم، وقد كتبنا بيننا وبين القوم عهوداً وقد قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم‏}‏ الآية ‏[‏النخل‏:‏ 91‏]‏‏.‏ 
فقال له حرقوص‏:‏ ذلك ذنب ينبغي أن تتوب منه‏.‏ 
فقال علي‏:‏ ما هو بذنب ولكنه عجز من الرأي، وقد تقدمت إليكم فيما كان منه، ونهيتكم عنه‏.‏ 
فقال له زرعة بن البرج‏:‏ أما والله يا علي لئن لم تدع تحكيم الرجال في كتاب الله لأقاتلنك أطلب بذلك رحمة الله ورضوانه‏.‏ 
فقال علي‏:‏ تباً لك ما أشقاك‏!‏ كأني بك قتيلاً تسفي عليك الريح‏.‏ 
فقال‏:‏ وددت أن قد كان ذلك‏.‏ 
فقال له علي‏:‏ إنك لو كنت محقاً كان في الموت تعزية عن الدنيا، ولكن الشيطان قد استهواكم‏.‏ 
فخرجا من عنده يحكمان وفشى فيهم ذلك، وجاهروا به الناس، وتعرضوا لعلي في خطبه وأسمعوه السب والشتم والتعريض بآيات من القرآن، وذلك أن علياً قام خطيباً في بعض الجمع فذكر أمر الخوارج فذمه وعابه‏.‏ 
فقام جماعة منهم كل يقول لا حكم إلا لله، وقام رجل منهم وهو واضع إصبعه في أذنيه يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏ولقد أوحى إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين‏)‏‏)‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 65‏]‏‏.‏ 
فجعل علي يقلب يديه هكذا وهكذا وهو على المنبر ويقول‏:‏ حكم الله ننتظر فيكم‏.‏ 
ثم قال‏:‏ إن لكم علينا أن لا نمنعكم مساجدنا ما لم تخرجوا علينا ولا نمنعكم نصيبكم من هذا الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تقاتلونا‏.‏ 
‏(‏ج/ص‏:‏ 7/316‏)‏ 
وقال أبو محنف، عن عبد الملك، عن أبي حرّة‏:‏ أن علياً لما بعث أبا موسى لأنفاذ الحكومة اجتمع الخوارج في منزل عبد الله بن وهب الراسبي، فخطبهم خطبة بليغة زهدهم في هذه الدنيا ورغبهم في الآخرة والجنة، وحثهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر‏.‏ 
ثم قال‏:‏ فاخرجوا بنا إخواننا من هذه القرية الظالم أهلها، إلى جانب هذا السواد إلى بعض كور الجبال، أو بعض هذه المدائن، منكرين لهذه الأحكام الجائرة‏.‏ 
ثم قام حرقوص بن زهير فقال‏:‏ بعد حمد الله والثناء عليه‏:‏ إن المتاع بهذه الدنيا قليل، وإن الفراق لها وشيك، فلا يدعونكم زينتها أو بهجتها إلى المقام بها، ولا تلتفت بكم عن طلب الحق وإنكار الظلم ‏{‏إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 128‏]‏‏.‏ 
فقال سنان بن حمزة الأسدي‏:‏ يا قوم إن الرأي ما رأيتم، وإن الحق ما ذكرتم، فولوا أمركم رجلاً منكم، فإنه لا بد لكم من عماد وسناد، ومن راية تحفون بها وترجعون إليها‏.‏ 
فبعثوا إلى زيد بن حصن الطائي - وكان من رؤوسهم - فعرضوا عليه الإمارة فأبى، ثم عرضوها على حرقوص بن زهير فأبى، وعرضوها على حمزة بن سنان فأبى، وعرضوها على شريح بن أبي أوفى العبسي فأبى، وعرضوها على عبد الله بن وهب الراسبي فقبلها وقال‏:‏ أما والله لا أقبلها رغبة في الدنيا ولا أدعها فرقاً من الموت‏.‏ 
واجتمعوا أيضاً في بيت زيد بن حصن الطائي السنبسي فخطبهم وحثهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتلا عليهم آيات من القرآن منها قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ‏}‏ الآية ‏[‏ص‏:‏ 26‏]‏‏.‏ 
وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 44‏]‏‏.‏ 
وكذا التي بعدها وبعدها الظالمون الفاسقون ثم قال‏:‏ فأشهد على أهل دعوتنا من أهل قبلتنا أنهم قد اتبعوا الهوى، ونبذوا حكم الكتاب، وجاروا في القول والأعمال، وأن جهادهم حق على المؤمنين، فبكى رجل منهم يقال له‏:‏ عبد الله بن سخبرة السلمي‏.‏ 
ثم حرض أولئك على الخروج على الناس، وقال في كلامه‏:‏ اضربوا وجوههم وجباههم بالسيوف حتى يطاع الرحمن الرحيم، فإن أنتم ظفرتم وأطيع الله كما أردتم أثابكم ثواب المطيعين له العاملين بأمره، وإن قتلتم فأي شيء أفضل من المصير إلى رضوان الله وجنته‏؟‏ 
قلت‏:‏ وهذا الضرب من الناس من أغرب أشكال بني آدم، فسبحان من نوع خلقه كما أراد، وسبق في قدره العظيم‏.‏ 
وما أحسن ما قال بعض السلف في الخوارج‏:‏ إنهم المذكورون في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 103-105‏]‏‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/317‏)‏ 
والمقصود أن هؤلاء الجهلة الضلال، والأشقياء في الأقوال والأفعال، اجتمع رأيهم على الخروج من بين أظهر المسلمين، وتواطأوا على المسير إلى المدائن ليملكوها على الناس ويتحصنوا بها ويبعثوا إلى إخوانهم وأضرابهم - ممن هو على رأيهم ومذهبهم، من أهل البصرة وغيرها - فيوافوهم إليها، ويكون اجتماعهم عليها‏.‏ 
فقال لهم زيد بن حصن الطائي‏:‏ إن المدائن لا تقدرون عليها، فإن بها جيشاً لا تطيقونه وسيمنعوها منكم، ولكن واعدوا إخوانكم إلى جسر نهر جوخى، ولا تخرجوا من الكوفة جماعات، ولكن اخرجوا وحداناً لئلا يفطن بكم‏.‏ 
فكتبوا كتاباً عاماً إلى من هو على مذهبهم ومسلكهم من أهل البصرة وغيرها، وبعثوا به إليه ليوافوهم إلى النهر ليكونوا يداً واحدة على الناس، ثم خرجوا يتسللون وحداناً لئلا يعلم أحد بهم فيمنعوهم من الخروج، فخرجوا من بين الآباء والأمهات والأخوال والخالات وفارقوا سائر القرابات، يعتقدون بجهلهم وقلة علمهم وعقلهم أن هذا الأمر يرضي رب الأرض والسموات‏.‏ 
ولم يعلموا أنه من أكبر الكبائر الموبقات، والعظائم والخطيئات، وأنه مما زينه لهم إبليس الشيطان الرجيم المطرود عن السموات الذي نصب العداوة لأبينا آدم ثم لذريته ما دامت أرواحهم في أجسادهم مترددات، والله المسؤول أن يعصمنا منه بحوله وقوته إنه مجيب الدعوات‏.‏ 
وقد تدارك جماعة من الناس بعض أولادهم وإخوانهم فردوهم وأنبوهم ووبخوهم فمنهم من استمر على الاستقامة، ومنه من فر بعد ذلك فلحق بالخوارج فخسر إلى يوم القيامة‏.‏ 
وذهب الباقون إلى ذلك الموضع ووافى إليهم من كانوا كتبوا إليه من أهل البصرة وغيرها، واجتمع الجميع بالنهروان، وصارت لهم شوكة ومنعة، وهم جند مستقلون وفيهم شجاعة، وعندهم أنهم متقربون بذلك‏.‏ 
فهم لا يصطلى لهم بنار، ولا يطمع في أن يؤخذ منهم بثأر، وبالله المستعان‏.‏ 
وقال أبو مخنف، عن أبي روق، عن الشعبي‏:‏ أن علياً لما خرجت الخوارج إلى النهروان، وهرب أبو موسى إلى مكة، ورد ابن عباس إلى البصرة، قام في الناس بالكوفة خطيباً فقال‏:‏ الحمد لله وإن أتى الدهر بالخطب الفادح، والحدثان الجليل الكادح، وأشهد أن لا إله غيره وأن محمداً رسول الله، أما بعد‏.‏ 
فإن المعصية تشين وتسوء وتورث الحسرة، وتعقب الندم، وقد كنت أمرتكم في هذين الرجلين وفي هذه الحكومة بأمري، ونحلتكم رأيي، فأبيتم إلا ما أردتم، فكنت أنا وأنتم كما قال أخو هوازن‏:‏ 
بذلت لهم نصحي بمنعرج اللوى * فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد 
‏(‏ج/ص‏:‏ 7/318‏)‏ 
ثم تكلم فيما فعله الحكمان فرد عليهما ما حكما به وأنبهما، وقال ما فيه حط عليهما، ثم ندب الناس إلى الخروج إلى الجهاد في أهل الشام، وعين لهم يوم الاثنين يخرجون فيه، وندب إلى ابن عباس والي البصرة يستنفر له الناس إلى الخروج إلى أهل الشام‏.‏ 
وكتب إلى الخوارج يعلمهم أن الذي حكم به الحكمان مردود عليهما، وأنه قد عزم على الذهاب إلى الشام فهلموا حتى نجتمع على قتالهم‏.‏ 
فكتبوا إليه‏:‏ أما بعد‏.‏ 
فإنك لم تغضب لربك، وإنما غضبت لنفسك وإن شهدت على نفسك بالكفر واستقبلت التوبة نظرنا فيما بيننا وبينك، وإلا فقد نابذناك على سواء ‏{‏إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 58‏]‏‏.‏ 
فلما قرأ علي كتابهم يئس منهم، وعزم على الذهاب إلى أهل الشام ليناجزهم، وخرج من الكوفة إلى النخيلة في عسكر كثيف - خمسة وستين ألفاً - وبعث إليه ابن عباس بثلاثة آلاف ومائتي فارس من أهل البصرة مع جارية بن قدامة ألف وخمسمائة‏.‏ 
ومع أبي الأسود الدؤلي ألف وسبعمائة، فكمل جيش علي في ثمانية وستين ألف فارس ومائتي فارس وقام علي أمير المؤمنين خطيباً‏:‏ فحثهم على الجهاد والصبر عند لقاء العدو، وهو عازم على الشام، فبينما هو كذلك إذ بلغه أن الخوارج قد عاثوا في الأرض فساداً، وسفكوا الدماء وقطعوا السبل واستحلوا ال