لحبشة، وأقام بها بضع عشرة سنة‏.‏ 
ويقال‏:‏ أنه كان على صنعاء من جهة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمره الصديق على بعض الفتوحات كما تقدم، قتل يوم مرج الصفر في قول، وقيل‏:‏ بل هرب فلم يمكنه الصديق من دخول المدينة تعزيراً له فأقام شهراً في بعض ظواهرها حتى أذن له‏.‏ 
ويقال‏:‏ أن الذي قتله أسلم، وقال‏:‏ رأيت له حين قتلته نوراً ساطعاً إلى السماء رضي الله عنه‏.‏ 
سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن أبي خزيمة، ويقال‏:‏ حارثة بن خزيمة بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصاري الخزرجي سيدهم، أبو ثابت‏.‏ 
ويقال‏:‏ أبو قيس صحابي جليل كان أحد النقباء ليلة العقبة، وشهد بدراً في قول عروة وموسى بن عقبة والبخاري وابن ماكولا‏.‏ 
وروى ابن عساكر‏:‏ من طريق حجاج بن أرطاة، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس‏:‏ أن راية المهاجرين يوم بدر كانت مع علي، وراية الأنصار مع سعد بن عبادة رضي الله عنهما‏.‏ 
قلت‏:‏ والمشهور أن هذا كان يوم الفتح والله أعلم‏.‏ 
وقال الواقدي‏:‏ لم يشهدها لأنه نهسته حية فشغلته عنها بعد أن تجهز لها فضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه، وأجره وشهد أحداً وما بعدها‏.‏ 
وكذا قال خليفة بن خياط‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 40‏)‏ 
وكانت له جفنة تدور مع النبي صلى الله عليه وسلم حيث دار من بيوت نسائه بلحم وثريد، أو لبن وخبز، أو خبز وسمن، أو بخل وزيت، وكان ينادي عند أطمة كل ليلة لمن أراد القرى‏.‏ 
وكان يحسن الكتابة بالعربي، والرمي والسباحة، وكان يسمي من أحسن ذلك كاملاً‏.‏ 
وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر ما ذكره غير واحد من علماء التاريخ‏:‏ أنه تخلف عن بيعة الصديق، حتى خرج إلى الشام فمات بقرب من حوران سنة ثلاث عشرة في خلافة الصديق‏.‏ 
قاله ابن إسحاق، والمدائني، وخليفة‏.‏ 
قال‏:‏ وقيل في أول خلافة عمر‏.‏ 
وقيل‏:‏ سنة أربع عشرة‏.‏ 
وقيل‏:‏ سنة خمس عشرة‏.‏ 
وقال الفلاس وابن بكر‏:‏ سنة ست عشرة‏.‏ 
قلت‏:‏ أما بيعة الصديق فقد روينا في مسند الإمام أحمد أنه سلَّم للصديق ما قاله من أن الخلفاء من قريش‏.‏ 
وأما موته بأرض الشام فمحقق، والمشهور‏:‏ أنه بحوران‏.‏ 
قال محمد بن عائذ الدمشقي، عن عبد الأعلى، عن سعيد بن عبد العزيز أنه قال‏:‏ أول مدينة فتحت من الشام بصرى، وبها توفي سعد بن عبادة‏.‏ 
وعند كثير من أهل زماننا أنه دفن بقرية من غوطة دمشق يقال لها‏:‏ المنيحة، وبها قبر مشهور به‏.‏ 
ولم أر الحافظ ابن عساكر تعرض لذكر هذا القبر في ترجمته بالكلية فالله أعلم‏.‏ 
قال ابن عبد البر‏:‏ ولم يختلفوا أنه وجد ميتاً في مغتسله وقد اخضر جسده ولم يشعروا بموته حتى سمعوا قائلاً يقول‏:‏ 
قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة * رميناه بسهم فلم يخطئ فؤاده 
قال ابن جريج‏:‏ سمعت عطاء يقول‏:‏ سمعت أن الجن قالوا في سعد بن عبادة هذين البيتين له‏.‏ 
عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث، وكان رضي الله عنه من أشد الناس غيرة، ما تزوج امرأة بكراً ولا طلق امرأة فتجاسر أحد أن يخطبها بعده‏.‏ 
وقد روي‏:‏ أنه لما خرج من المدينة قسم ماله بين بنيه، فلما توفي ولد له ولد فجاء أبو بكر وعمر إلى ابنه قيس بن سعد فأمراه أن يدخل هذا معهم، فقال‏:‏ إني لا أغير ما صنع سعد، ولكن نصيبي لهذا الولد‏.‏ 
سلمة بن هشام بن المغيرة، أخو أبي جهل بن هشام، أسلم سلمة قديماً، وهاجر إلى الحبشة، فلما رجع منها حبسه أخوه وأجاعه، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو له في القنوت ولجماعة معه من المستضعفين‏.‏ 
ثم انسل فلحق رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعد الخندق، وكان معه بها، وقد شهد أجنادين وقتل بها رضي الله عنه‏.‏ 
ضرار بن الأزور الأسدي، كان من الفرسان المشهورين، والأبطال المذكورين، له ومواقف مشهودة وأحوال محمودة‏.‏ 
ذكر عروة وموسى بن عقبة‏:‏ أنه قتل بأجنادين‏.‏ 
له حديث في استحباب إبقاء شيء من اللبن في الضرع عند الحلب‏.‏ 
طليب بن عمير بن وهب بن كثير بن هند بن قصي القرشي العبدي، أمه أروى بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ 
أسلم قديماً، وهاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، وشهد بدراً‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 41‏)‏ 
قاله ابن إسحاق، والواقدي، والزبير بن بكار‏.‏ 
ويقال‏:‏ أنه أول من ضرب مشركاً، وذلك أن أبا جهل سب النبي صلى الله عليه وسلم فضربه طليب بلحى جمل فشجه، استشهد طليب بأجنادين، وقد شاخ رضي الله عنه‏.‏ 
عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان من الأبطال المذكورين والشجعان المشهورين، قتل يوم أجنادين بعد ما قتل عشرة من الروم مبارزة كلهم بطارقة أبطال، وله من العمر يومئذ بضع وثلاثون سنة‏.‏ 
عبد الله بن عمرو الدوسي، قتل بأجنادين‏.‏ 
وليس هذا الرجل معروفاً‏.‏ 
عثمان بن طلحة العبدري الحجبي‏.‏ 
قيل‏:‏ أنه قتل بأجنادين، والصحيح‏:‏ أنه تأخر إلى ما بعد الأربعين‏.‏ 
عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية الأموي أبو عبد الرحمن أمير مكة نيابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، استعمله عليها عام الفتح، وله من العمر عشرون سنة، فحج بالناس عامئذ، واستنابه عليها أبو بكر بعده عليه السلام، وكانت وفاته بمكة، قيل‏:‏ يوم توفي أبو بكر رضي الله عنهما‏.‏ 
له حديث واحد رواه أهل السنن الأربعة‏.‏ 
عكرمة بن أبي جهل عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم أبو عثمان القرشي المخزومي، كان من سادات الجاهلية كأبيه، ثم أسلم عام الفتح بعدما فر، ثم رجع إلى الحق‏.‏ 
واستعمله الصديق على عُمان حين ارتدوا فظفر بهم كما تقدم‏.‏ 
ثم قدم الشام، وكان أميراً على بعض الكراديس، ويقال‏:‏ أنه لا يعرف له ذنب بعدما أسلم‏.‏ 
وكان يقبل المصحف ويبكي ويقول‏:‏ كلام ربي كلام ربي‏.‏ 
احتج بهذا الإمام أحمد على جواز تقبيل المصحف ومشروعيته‏.‏ 
وقال الشافعي‏:‏ كان عكرمة محمود البلاء في الإسلام‏.‏ 
قال عروة‏:‏ قتل بأجنادين‏.‏ 
وقال غيره‏:‏ باليرموك بعدما وجد به بضع وسبعون ما بين ضربة وطعنة رضي الله عنه‏.‏ 
الفضل بن العباس بن عبد المطلب، قيل‏:‏ أنه توفي في هذه السنة، والصحيح‏:‏ أنه تأخر إلى سنة ثماني عشرة‏.‏ 
نعيم بن عبد الله بن النحام أحد بني عدي، أسلم قديماً قبل عمر، ولما يتهيأ له هجرة إلى ما بعد الحديبية، وذلك لأنه كان فيه بر بأقاربه، فقالت له قريش‏:‏ أقم عندنا على أي دين شئت فوالله لا يتعرضك أحد إلا ذهبت أنفسنا دونك‏.‏ 
استشهد يوم أجنادين، وقيل‏:‏ يوم اليرموك رضي الله عنه‏.‏ 
هبار بن الأسود بن أسد أبو الأسود القرشي الأسدي، هذا الرجل كان قد طعن راحلة زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم يوم خرجت من مكة حتى أسقطت، ثم أسلم بعد فحسن إسلامه، وقتل بأجنادين رضي الله عنه‏.‏ 
هبار بن سفيان بن عبد الأسود المخزومي ابن أخي أم سلمة‏.‏ 
أسلم قديماً، وهاجر إلى الحبشة، واستشهد يوم أجنادين على الصحيح، وقيل‏:‏ قتل يوم مؤتة والله أعلم‏.‏ 
هشام بن العاص بن وائل السهمي أخو عمرو بن العاص‏.‏ 
روى الترمذي‏:‏ 
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏ابنا العاص مؤمنان‏)‏‏)‏‏.‏ 
وقد أسلم هشام قبل عمرو، وهاجر إلى الحبشة، فلما رجع منها احتبس بمكة‏.‏ 
ثم هاجر بعد الخندق، وقد أرسله الصديق إلى ملك الروم‏.‏ 
وكان من الفرسان‏.‏ 
وقتل بأجنادين، وقيل‏:‏ باليرموك، والأول‏:‏ أصح والله أعلم‏.‏ 
أبو بكر الصديق رضي الله عنه، تقدم وله ترجمة مفردة ولله الحمد‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 42‏)‏ 
  سنة أربع عشرة من الهجرة 
استهلت هذه السنة والخليفة عمر بن الخطاب يحث الناس ويحرضهم على جهاد أهل العراق، وذلك لما بلغه من قتل أبي عبيد يوم الجسر، وانتظام شمل الفرس، واجتماع أمرهم على يزدجر الذي أقاموه من بيت الملك، ونقض أهل الذمة بالعراق عهودهم، ونبذهم المواثيق التي كانت عليهم، وآذوا المسلمين وأخرجوا العمال من بين أظهرهم‏.‏ 
وقد كتب عمر إلى من هنالك من الجيش أن يتبرزوا من بين أظهرهم إلى أطراف البلاد‏.‏ 
قال ابن جرير رحمه الله‏:‏ وركب عمر رضي الله عنه في أول يوم من المحرم هذه السنة في الجيوش من المدينة فنزل على ماء يقال له‏:‏ صرار، فعسكر به عازماً على غزو العراق بنفسه، واستخلف على المدينة علي بن أبي طالب، واستصحب عثمان بن عفان وسادات الصحابة‏.‏ 
ثم عقد مجلساً لاستشارة الصحابة فيما عزم القيام به، ونودي أن الصلاة جامعة، وقد أرسل إلى علي فقدم من المدينة، ثم استشارهم فكلهم وافقوه على الذهاب إلى العراق إلا عبد الرحمن بن عوف فإنه قال له‏:‏ إني أخشى إن كسرت أن تضعف المسلمون في سائر أقطار الأرض، وإني أرى أن تبعث رجلاً وترجع أنت إلى المدينة، فارثا عمر والناس عند ذلك واستصوبوا رأي ابن عوف‏.‏ 
فقال عمر‏:‏ فمن ترى أن نبعث إلى العراق، فقال‏:‏ قد وجدته‏.‏ 
قال‏:‏ من هو‏؟‏ 
قال‏:‏ الأسد في براثنه سعد بن مالك الزهري‏.‏ 
فاستجاد قوله، وأرسل إلى سعد فأمره على العراق وأوصاه فقال‏:‏ 
يا سعد بن وهيب لا يغرنك من الله أن قيل خال رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه، فإن الله لا يمحو السيء بالسيء، ولكن يمحو السيء بالحسن، وإن الله ليس بينه وبين أحد نسب إلا بطاعته، فالناس شريفهم ووضيعهم في ذات الله سواء، الله ربهم، وهم عباده، يتفاضلون بالعافية ويدركون ما عند الله بالطاعة، فانظر الأمر الذي رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ بعث إلى أن فارقنا عليه فالزمه، فإنه أمر‏.‏ 
هذه عظتي إياك إن تركتها ورغبت عنها حبط عملك وكنت من الخاسرين‏.‏ 
ولما أراد فراقه قال له‏:‏ إنك ستقدم على أمر شديد، فالصبر الصبر على ما أصابك ونابك، تجمع لك خشية الله، واعلم أن خشية الله تجتمع في أمرين‏:‏ في طاعته، واجتناب معصيته، وإنما طاعة من أطاعه ببغض الدنيا وحب الآخرة، وإنما عصيان من عصاه بحب الدنيا وبغض الآخرة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/43‏)‏ 
وللقلوب حقائق ينشئها الله إنشاء، منها‏:‏ للسر، ومنها‏:‏ العلانية، فأما العلانية‏:‏ فأن يكون حامده وذامه في الحق سواء، وأما السر‏:‏ فيعرف بظهور الحكمة من قلبه على لسانه، وبمحبة الناس‏.‏ 
ومن محبة الناس فلا تزهد في التحبب فإن النبيين قد سألوا محبتهم، وإن الله إذا أحب عبداً حببه، وإذا أبغض عبداً بغضه، فاعتبر منزلتك عند الله بمنزلتك عند الناس‏.‏ 
قالوا‏:‏ فسار سعد نحو العراق في أربعة آلاف ثلاثة آلاف من أهل اليمن، وألف من سائر الناس‏.‏ 
وقيل‏:‏ في ستة آلاف، وشيعهم عمر من صرار إلى الأعوص، وقام عمر في الناس خطيباً هنالك، فقال‏:‏ إن الله إنما ضرب لكم الأمثال، وصرف لكم القول لتحيي القلوب، فإن القلوب ميتة في صدورها حتى يحيها الله، من علم شيئاً فلينفع به، فإن للعدل أمارات وتباشير‏.‏ 
فأما الأمارات‏:‏ فالحياء، والسخاء، والهين، واللين‏.‏ 
وأما التباشير‏:‏ فالرحمة‏.‏ 
وقد جعل الله لكل أمر باباً، ويسر لكل باب مفتاحاً، فباب العدل الاعتبار، ومفتاحه الزهد والاعتبار، ذكر الموت والاستعداد بتقديم الأموال‏.‏ 
والزهد أخذ الحق من كل أحد قبله حق، والاكتفاء بما يكفيه من الكفاف، فإن لم يكفه الكفاف لم يغنه شيء‏.‏ 
إني بينكم وبين الله، وليس بيني وبينه أحد، وإن الله قد ألزمني دفع الدعاء عنه فانهوا شكاتكم إلينا، فمن لم يستطع فإلى من يبلغناها، نأخذ له الحق غير متعتع‏.‏ 
ثم سار سعد إلى العراق، ورجع عمر بمن معه من المسلمين إلى المدينة، ولما انتهى سعد إلى نهر زرود، ولم يبق بينه وبين أن يجتمع بالمثنى بن حارثة إلا اليسير، وكل منهما مشتاق إلى صاحبه، انتقض جرح المثنى بن حارثة الذي كان جرحه يوم الجسر فمات رحمه الله ورضي الله عنه‏.‏ 
واستخلف على الجيش بشير بن الخصاصية، ولما بلغ سعداً موته ترحم عليه، وتزوج زوجته سلمى، ولما وصل سعد إلى محلة الجيوش انتهت إليه رياستها وإمرتها، ولم يبق بالعراق أمير من سادات العرب إلا تحت أمره، وأمده عمر بأمداد أخر، حتى اجتمع معه يوم القادسية ثلاثون ألفاً، وقيل‏:‏ ستة وثلاثون‏.‏ 
وقال عمر‏:‏ والله لأرمين ملوك العجم بملوك العرب‏.‏ 
وكتب إلى سعد أن يجعل الأمراء على القبائل، والعرفاء على كل عشرة عريفاً على الجيوش، وأن يواعدهم إلى القادسية، ففعل ذلك سعد، عرف العرفاء، وأمر على القبائل، وولى على الطلائع والمقدمات، والمجنب