هذا كما أن هذا يشهد للأول فيها متعاضدان، وهو غريب من حديث أم المؤمنين‏.‏ 
وقد تقدم في حديث عبد الله بن شهاب، عن علي ما يدل على أن عائشة استغربت حديث الخوارج ولا سيما خبر ذي الثدية كما تقدم، وإنما أوردنا هذه الطرق كلها ليعلم الواقف عليها أن ذلك حق وصدق، وهو من أكبر دلالات النبوة، كما ذكره غير واحد من الأئمة فيها والله تعالى أعلم‏.‏ 
وقال‏:‏ سألت عائشة رضي الله عنها بعد ذلك عن خبر ذي الثدية فتيقنته من طرق متعددة‏.‏ 
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي في ‏(‏الدلائل‏)‏‏:‏ أنا أبو عبد الله، أنا الحسين بن الحسن بن عامر الكندي بالكوفة من أصل سماعه، ثنا محمد بن صدقة الكاتب، حدثني أحمد بن أبان فقرأت فيه، حدثني الحسن بن عيينة، وعبد الله بن أبي السفر بن عامر الشعبي، عن مسروق، قالت عائشة‏:‏ عندك علم عن ذي الثدية الذي أصابه علي في الحرورية ‏؟‏ 
قلت‏:‏ لا‏.‏ 
قالت‏:‏ فاكتب لي بشهادة من شهدهم، فرجعت إلى الكوفة وبها يومئذ أسباع، فكتبت شهادة عشرة من كل سبع، ثم أتيتها بشهادتهم فقرأتها عليها‏.‏ 
قالت‏:‏ أكلُّ هؤلاء عاينوه‏؟‏ 
قلت‏:‏ لقد سألتهم فأخبروني بأن كلهم قد عاينوه‏.‏ 
فقالت‏:‏ لعن الله فلاناً، فإنه كتب إلي أنه أصابهم بليل مصر، ثم أرخت عينيها فبكت، فلما سكنت عبرتها، قالت‏:‏ رحم الله علياً لقد كان على الحق، وما كان بيني وبينه إلا كما يكون بين المرأة و أحمائها‏.‏ 

حديث آخر عن رجلين من الصحابة 
قال الهيثم بن عدي في كتاب ‏(‏الخوارج‏)‏‏:‏ حدثني سليمان بن المغيرة، عن حبيب بن هلال قال‏:‏ أقبل رجلان من أهل الحجاز حتى قدما العراق، فقيل لهما‏:‏ ما أقدمكما العراق‏؟‏ 
قالا‏:‏ رجونا أن ندرك هؤلاء القوم الذين ذكرهم لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجدنا علي بن أبي طالب قد سبقنا إليهم - يعنيان‏:‏ أهل النهروان -‏.‏ 
‏(‏ج/ص‏:‏ 7/338‏)‏ 
حديث في مدح علي رضي الله عنه على قتال الخوارج 
قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا حسين بن محمد، ثنا فطر، عن إسماعيل بن رجاء بن ربيعة الزبيدي، عن أبيه قال‏:‏ سمعت أبا سعيد يقول‏:‏ كنا جلوساً ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج علينا من بيوت بعض نسائه قال‏:‏ فقمنا معه، فانقطعت نعله فتخلف عليها علي يخصفها، فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومضينا معه، ثم قام ينتظره وقمنا معه، فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله‏)‏‏)‏‏.‏ 
فاستشرف لها وفيهم أبو بكر وعمر‏.‏ 
فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏لا ولكنه خاصف النعل‏)‏‏)‏‏.‏ 
قال‏:‏ فجئنا نبشره‏.‏ 
قال‏:‏ فكأنه قد سمعه‏.‏ 
ورواه أحمد‏:‏ عن وكيع وأبي أسامة، عن فطر بن خليفة، فأما الحديث الذي قال الحافظ أبو يعلى‏:‏ حدثنا إسماعيل بن موسى، ثنا الربيع بن سهل، عن سعيد بن عبيد، عن علي بن ربيعة قال‏:‏ سمعت علياً على منبركم هذا يقول‏:‏ عهد إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن أقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين‏.‏ 
وقد رواه أبو بكر بن المقرئ، عن الجد بن عبادة البصري، عن يعقوب بن عباد، عن الربيع بن سهل الفزاري به، فإنه حديث غريب ومنكر، على أنه قد روي من طرق عن علي وعن غيره ولا تخلو واحدة منها عن ضعف‏.‏ 
والمراد بالناكثين يعني‏:‏ أهل الجمل، وبالقاسطين أهل الشام، وأما المارقون فالخوارج لأنهم مرقوا من الدين‏.‏ 
وقد رواه الحافظ أبو أحمد بن عدي في ‏(‏كامله‏)‏‏:‏ عن أحمد بن حفص البغدادي، عن سليمان بن يوسف، عن عبيد الله بن موسى، عن فطر، عن حكيم بن جبير، عن إبراهيم، عن علقمة، عن علي قال‏:‏ أمرت بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين‏.‏ 
وقال الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي‏:‏ أخبرني الأزهري، ثنا محمد بن المظفر، ثنا محمد بن أحمد بن ثابت قال‏:‏ وجدت في كتاب جدي محمد بن ثابت، ثنا شعيب بن الحسن السلمي، عن جعفر الأحمر، عن يونس بن الأرقم، عن أبان، عن خليد المصري قال‏:‏ 
سمعت علياً أمير المؤمنين يقول يوم النهروان‏:‏ أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتال الناكثين والمارقين والقاسطين‏.‏ 
وقد رواه الحافظ أبو القاسم بن عساكر من حديث محمد بن فرج الجنديسابوري، أنا هارون بن إسحاق، ثنا أبو غسان، عن جعفر - أحسبه الأحمر - عن عبد الجبار الهمداني، عن أنس بن عمرو، عن أبيه، عن علي قال‏:‏ أمرت بقتال ثلاثة المارقين والقاسطين والناكثين‏.‏ 
وقال الحاكم أو عبد الله‏:‏ أنا أبو الحسين محمد بن أحمد بن غنم الحنظلي بقنطرة بردان، ثنا محمد الحسن بن عطية بن سعد العوفي، حدثني أبي، حدثني عمي، عن عمرو بن عطية بن سعد، عن أخيه الحسن بن عطية، حدثني جدي بن جنادة، عن علي رضي الله عنه قال‏:‏ أمرت بقتال ثلاثة؛ القاسطين والناكثين والمارقين‏.‏ 
فأما القاسطون فأهل الشام، وأما الناكثون فذكرهم، وأما المارقون فأهل النهروان - يعني‏:‏ الحرورية -‏.‏ 
‏(‏ج/ص‏:‏ 7/339‏)‏ 
وقال الحافظ ابن عساكر‏:‏ أنا أبو القسم زاهر بن طاهر، أنا أبو سعد الأديب، أنا السيد أبو الحسن محمد بن علي بن الحسين، ثنا محمد بن أحمد الصوفي، ثنا محمد بن عمرو الباهلي، ثنا كثير بن يحيى، ثنا أبو عوانة، عن أبي الجارود، عن زيد بن علي بن الحسين بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي قال‏:‏ أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتال الناكثين والمارقين والقاسطين‏.‏ 
حديث ابن مسعود في ذلك 
قال الحافظ‏:‏ حدثنا الإمام أبو بكر أحمد بن الحسن الفقيه، أنا الحسن بن علي، ثنا زكريا بن يحيى الخراز المقرئ، ثنا إسماعيل بن عباد المقرىء، ثنا شريك، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال‏:‏ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى منزل أم سلمة فجاء علي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏يا أم سلمة هذا والله قاتل الناكثين والقاسطين والمارقين من بعدي‏)‏‏)‏‏.‏ 
حديث أبي سعيد في ذلك 
قال الحاكم‏:‏ حدثنا أبو جعفر محمد بن علي بن دحيم الشيباني، ثنا الحسين بن الحكم الحيري، ثنا إسماعيل بن أبان، ثنا إسحاق بن إبراهيم الأزدي، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري قال‏:‏ أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين‏.‏ 
فقلت‏:‏ يا رسول الله‏!‏ أمرتنا بقتال هؤلاء، فمع من‏؟‏ 
فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏مع علي بن أبي طالب معه يقتل عمار بن ياسر‏)‏‏)‏‏.‏ 
حديث أبي أيوب في ذلك 
قال الحاكم‏:‏ أنا أبو الحسن علي بن حماد المعدل، ثنا إبراهيم بن الحسين بن ديزيل، ثنا عبد العزيز بن الخطاب، ثنا محمد بن كثير، عن الحرث بن خضيرة، عن أبي صادق، عن مخنف بن سليمان قال‏:‏ أتينا أبا أيوب فقلنا‏:‏ قاتلت بسيفك المشركين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم جئت تقاتل المسلمين‏؟‏ 
فقال‏:‏ أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتال الناكثين والمارقين والقاسطين‏.‏ 
قال الحاكم‏:‏ وحدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن بالويه، ثنا الحسن بن علي بن شبيب العمري، ثنا محمد بن حميد، ثنا سلمة بن الفضل، حدثني أبو زيد الأموي، عن عتاب بن ثعلبة في خلافة عمر بن الخطاب قال‏:‏ أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين مع علي بن أبي طالب‏.‏ 
وقال الخطيب البغدادي‏:‏ حدثنا الحسن بن علي بن عبد الله المقرئ، ثنا أحمد بن محمد بن يوسف، ثنا محمد بن جعفر المطيري، ثنا أحمد بن عبد الله المؤدب بسر من رأى، ثنا المعلى بن عبد الرحمن ببغداد، ثنا شريك، عن سليمان بن مهران، عن الأعمش، عن علقمة والأسود قالا‏:‏ 
أتينا أبا أيوب الأنصاري عند منصرفه من صفين، فقلنا له‏:‏ يا أبا أيوب‏!‏ إن الله أكرمك بنزول محمد صلى الله عليه وسلم وبمجيء ناقته تفضلاً من الله وإكراماً لك حين أناخت ببابك دون الناس‏.‏ 
ثم جئت بسيفك على عاتقك تضرب به أهل لا إله إلا الله ‏؟‏‏(‏ج/ص‏:‏ 7/340‏)‏ 
فقال‏:‏ يا هذا، إن الرائد لا يكذب أهله، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا بقتال ثلاثة مع علي، بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين‏.‏ 
فأما الناكثون‏:‏ فقد قاتلناهم وهم أهل الجمل، طلحة والزبير، وأما القاسطون‏:‏ فهذا منصرفنا من عندهم - يعني‏:‏ معاوية وعمراً - وأما المارقون‏:‏ فهم أهل الطرقات، وأهل السعيفات، وأهل النخيلات، وأهل النهروان، والله ما أدري أين هم ولكن لا بد من قتالهم إن شاء الله‏.‏ 
قال‏:‏ وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعمار‏:‏ ‏(‏‏(‏يا عمار تقتلك الفئة الباغية، وأنت مذ ذاك مع الحق والحق معك، يا عمار بن ياسر إن رأيت علياً قد سلك وادياً وسلك الناس غيره فاسلك مع علي فإنه لن يدليك في ردىً ولن يخرجك من هدىً، يا عمار من تقلد سيفاً أعان به علياً على عدوه قلده الله يوم القيامة وشاحين من در، ومن تقلد سيفاً أعان به عدو علي عليه قلده الله يوم القيامة وشاحين من نار‏)‏‏)‏‏.‏ 
فقلنا‏:‏ يا هذا‏!‏ حسبك رحمك الله، حسبك رحمك الله، هذا السياق الظاهر أنه موضوع، وآفته من جهة المعلى بن عبد الرحمن، فإنه متروك الحديث‏.‏ 
  فصل خطبة علي رضي الله عنه بعد انصرافه من النهروان 
قال الهيثم بن عدي في كتابه الذي جمعه في الخوارج وهو من أحسن ما صنف في ذلك قال‏:‏ وذكر عيسى بن دآب قال‏:‏ لما انصرف علي رضي الله عنه من النهروان قام في الناس خطيباً، فقال‏:‏ بعد حمد الله والثناء عليه والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ 
أما بعد فإن الله قد أعز نصركم فتوجهوا من فوركم هذا إلى عدوكم من أهل الشام‏.‏ 
فقاموا إليه، فقالوا‏:‏ يا أمير المؤمنين نفذت نبالنا، وكلت سيوفنا، ونصلت أسنتنا، فانصرف بنا إلى مصرنا حتى نستعد بأحسن عدتنا، ولعل أمير المؤمنين يزيد في عدتنا عدة من فارقنا وهلك منا، فإنه أقوى لنا على عدونا - وكان الذي تكلم بهذا الأشعث بن قيس الكندي - فبايعهم وأقبل بالناس حتى نزل بالنخيلة، وأمرهم أن يلزموا معسكرهم ويوطنوا أنفسهم على جهاد عدوهم، ويقلوا زيارة نسائهم وأبنائهم، فأقاموا معه أياماً متمسكين برأيه وقوله، ثم تسللوا حتى لم يبق منهم أحد إلا رؤوس أصحابه‏.‏ 
فقام علي فيهم خطيباً فقال‏:‏ الحمد لله فاطر الخلق وفالق الأصباح وناشر الموتى، وباعث من في القبور، وأشهد أن لا إله الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله‏.‏ 
وأوصيكم بتقوى الله، فإن أفضل ما توسل به العبد الإيمان، والجهاد في سبيله، وكلمة الإخلاص فإنها الفطرة، وإقام الصلاة، فإنها الملة، وإيتاء الزكاة فإنها من فريضته، وصوم شهر رمضان فإنه جنة من عذابه، وحج البيت فإنه منفاة للفقر مدحضة للذنب‏.‏ 
وصلة الرحم فإنها مثراة في المال، منسأة في الأجل، محبة في الأهل، وصدقة السر فإنها تكفر الخطيئة وتطفئ غضب الرب، وصنع المعروف فإنه يدفع ميتة السوء ويقي مصارع الهول‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/341‏)‏ 
أفيضوا في ذكر الله فإنه أحسن الذكر، وارغبوا فيما وعد المتقون فإن وعد الله أصدق الوعد، واقتدوا بهدي نبيكم صلى الله عليه وسلم فإنه أفضل الهدى، واستسنوا بسنته فإنها أفضل السنن‏.‏ 
وتعلموا كتاب الله فإنه أفضل الحديث، وتفقهوا في الدين فإنه ربيع القلوب، واستشفوا بنوره فإنه شفاء لما في الصدور، وأحسنوا تلاوته فإنه أحسن القصص‏.‏ 
وإذا قرىء عليكم فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون، وإذا هديتم لعلمه فاعملوا بما علمتم به لعلكم تهتدون، فإن العالم العامل بغير علمه كالجاهل الجائر الذي لا يستقيم عن جهله‏.‏ 
بل قد رأيت أن الحجة أعظم، والحسرة أدوم على هذا العالم المنسلخ من علمه على هذا الجاهل المتحير في جهله، وكلاهما مضلل مثبور‏.‏ 
لا ترتابوا فتشكوا، ولا تشكوا فتكفروا، ولا ترخصوا لأنفسكم فتذهلوا، ولا تذهلوا في الحق فتخسروا‏.‏ 
ألا وإن من الحزم أن تثقوا، ومن الثقة أن لا تغتروا، وإن أنصحكم لنفسه أطوعكم لربه وإن أغشكم لنفسه أعصاكم لربه، من يطع الله يأمن ويستبشر، ومن يعص الله يخف ويندم‏.‏ 
ثم سلوا الله اليقين وارغبوا إليه في العافية، وخير ما دام في القلب اليقين، إن عوازم الأمور أفضلها، وإن محدثاتها شرارها، وكل محدث بدعة، وكل محدث مبتدع، ومن ابتدع فقد ضيع‏.‏ 
وما أحدث محدث بدعة إلا ترك بها سنة المغبون من غبن دينه، والمغبون من خسر نفسه‏.‏ 
وإن الريا من الشرك، وإن الإخلاص من العمل والإيمان، ومجالس اللهو تنسي القرآن ويحضرها الشيطان، وتدعو إلى كل غي، ومجالسة النساء تزيغ القلوب وتطمح إليه الأبصار، وهي مصائد الشيطان‏.‏ 
فأصدقوا الله فأن الله مع من صد