ابن عباس يسليه في ذلك، ويعزيه في محمد بن أبي بكر ويحثه على تلافي الناس والصبر على مسيئهم، فإن ثواب الله خير من الدنيا‏.‏ 
ثم ركب ابن عباس من البصرة إلى علي وهو بالكوفة واستخلف ابن عباس على البصرة زياداً‏.‏ 
وفي هذا الحين بعث معاوية بن أبي سفيان كتاباً مع عبد الله بن عمرو الحضرمي إلى أهل البصرة يدعوهم إلى الإقرار بما حكم له عمرو بن العاص‏.‏ 
فلما قدمها نزل على بني تميم فأجاروه فنهض إليه زياد وبعث إليه أعين بن ضبيعة في جماعة من الناس فساروا إليهم فاقتتلوا فقتل أعين بن ضبيعة، فكتب زياد إلى علي يعلمه بما وقع بالبصرة بعد خروج ابن عباس منها‏.‏ 
فبعث عند ذلك علي جارية بن قدامة التميمي في خمسين رجلاً إلى قومه بني تميم، وكتب معه كتاباً إليهم فرجع أكثرهم عن ابن الحضرمي وقصده جارية فحصره في دار هو وجماعة معه‏.‏ 
قيل‏:‏ كان عددهم أربعين، وقيل‏:‏ سبعين، فحرقهم بالنار بعد أن أعذر إليهم وأنذرهم فلم يقبلوا ولم يرجعوا عما جاؤوا له‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/351‏)‏ 
  فصل قتال علي رضي الله عنه لأهل النهروان سنة ثمان وثلاثين‏.‏ 
وقد صحح ابن جرير أن قتال علي لأهل النهروان كان في هذه السنة، وكذلك خروج الحريث بن راشد الناجي كان في هذه السنة أيضاً‏.‏ 
وكان مع الحريث ثلاثمائة رجل من قومه بني ناجية - وكان مع علي بالكوفة - فجاء إلى علي فقام بين يديه وقال‏:‏ والله يا علي لا أطيع أمرك ولا أصلي خلفك، إني لك غداً لمفارق‏.‏ 
فقال له علي‏:‏ ثكلتك أمك إذاً تعصي ربك وتنقض عهدك ولا تضر إلا نفسك، ولم تفعل ذلك‏؟‏ 
قال‏:‏ لأنك حكمت في الكتاب وضعفت عن قيام الحق إذ جد الجد، وركنت إلى القوم الظالمين، فأنا عليك زاري وعليك ناقم، وإنا لكم جميعاً مباينون‏.‏ 
ثم رجع إلى أصحابه فسار بهم نحو بلاد البصرة فبعث إليهم معقل بن قيس ثم أردفه بخالد بن معدان الطائي - وكان من أهل الصلاح والدين والبأس والنجدة - وأمره أن يسمع له ويطيع‏.‏ 
فلما اجتمعوا صاروا جيشاً واحداً، ثم خرجوا في آثار الحريث وأصحابه فلحقوهم - وقد أخذوا في جبال رامهرمز -‏.‏ 
قال‏:‏ فصففنا لهم ثم أقبلنا إليهم فجعل معقل على ميمنته يزيد بن معقل، وعلى ميسرته منجاب بن راشد الضبي، ووقف الحريث فيمن معه من العرب فكانوا ميمنة، وجعل من اتبعه من الأكراد والعلوج ميسرة‏.‏ 
قال‏:‏ وسار فينا معقل بن قيس فقال‏:‏ عباد الله‏!‏ لا تبدؤا القوم وغضوا أبصاركم، وأقلوا الكلام، ووطنوا أنفسكم على الطعن والضرب، وأبشروا في قتالكم بالأجرة إنما تقاتلون مارقة مرقت من الدين، وعلوجاً كسروا الخراج، ولصوصاً وأكراداً، فإذا حملت فشدوا شدة رجل واحد‏.‏ 
ثم تقدم فحرك دابته تحريكتين ثم حمل عليهم في الثالثة وحملنا معه جميعنا، فوالله ما صبروا لنا ساعة واحدة حتى ولوا منهزمين، وقتلنا من العلوج والأكراد نحواً من ثلثمائة، وفر الحريث منهزماً حتى لحق بأساف - وبها جماعة من قومه كثيرة - فاتبعوه فقتلوه مع جماعة من أصحابه بسيف البحر، قتله النعمان بن صهبان، وقتل معه في المعركة مائة وسبعون رجلاً‏.‏ 
ثم ذكر ابن جرير وقعات كثيرة كانت بين أصحاب علي والخوارج فيها أيضاً‏.‏ 
ثم قال‏:‏ حدثني عمر بن شيبة ثنا أبو الحسن - يعني‏:‏ المدائني - علي بن محمد بن علي بن مجاهد قال‏:‏ 
قال الشعبي‏:‏ لما قتل علي أهل النهر خالفه قوم كثير، وانتقضت أطرافه وخالفه بنو ناجية، وقدم ابن الحضرمي إلى البصرة، وانتقض أهل الجبال، وطمع أهل الخراج في كسره وأخرجوا سهل بن حُنيف من فارس - وكان عاملاً عليها - فأشار عليه ابن عباس بزياد بن أبيه أن يوليه إياها فولاه إياها فسار إليها في السنة الآتية في جمع كثير، فوطئهم حتى أدوا الخراج‏.‏ 
‏(‏ج/ص‏:‏ 7/352‏)‏ 
قال ابن جرير وغيره‏:‏ وحج بالناس في هذه السنة قثم بن العباس، نائب علي على مكة، وأخوه عبيد الله بن عباس نائب اليمن، وأخوهما عبد الله نائب البصرة، وأخوهم تمام بن عباس نائب المدينة، وعلى خراسان خالد بن قرة اليربوعي‏.‏ 
وقيل‏:‏ ابن أبزي، وأما مصر فقد استقرت بيد معاوية فاستناب عليها عمرو بن العاص‏.‏ 
  ذكر من توفي في هذه السنة من الأعيان‏:‏ 
سهل بن حُنيف 
ابن واهب بن العليم بن ثعلبة الأنصاري الأوسي، شهد بدراً، وثبت يوم أُحُد، وحضر بقية المشاهد، وكان صاحباً لعلي بن أبي طالب، وقد شهد معه مشاهده كلها أيضاً غير الجمل فإنه كان قد استخلفه على المدينة، ومات سهل بن حُنيف في سنة ثمان وثلاثين بالكوفة، وصلى عليه علي فكبر خمساً وقيل‏:‏ ستاً‏.‏ 
وقال‏:‏ إنه من أهل بدر رضي الله عنه‏.‏ 
صنوان بن بيضاء أخو سهيل بن بيضاء 
شهد المشاهد كلها وتوفي في هذه السنة في رمضانها وليس له عقب‏.‏ 
صهيب بن سنان بن مالك 
الرومي وأصله من اليمن أبو يحيى بن قاسط، وكان أبوه أو عمه عاملاً لكسرى على الأيلة، وكانت منازلهم على دجلة عند الموصل‏.‏ 
وقيل‏:‏ على الفرات، فأغارت على بلادهم الروم فأسرته وهو صغير، فأقام عندهم حيناً ثم اشترته بنو كلب فحملوه إلى مكة فابتاعه عبد الله بن جدعان فأعتقه وأقام بمكة حيناً‏.‏ 
فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم آمن به، وكان ممن أسلم قديماً هو وعمار في يوم واحد بعد بضعة وثلاثين رجلاً، وكان من المستضعفين الذين يعذبون في الله عز وجل‏.‏ 
ولما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم هاجر صهيب بعده بأيام فلحقه قوم من المشركين يريدون أن يصدوه عن الهجرة‏.‏ 
فلما أحس بهم نثل كنانته فوضعها بين يديه وقال‏:‏ والله لقد علمتم أني مِنْ أرماكم، ووالله لا تصلون إليّ حتى أقتل بكل سهم من هذه رجلاً منكم، ثم أقاتلكم بسيفي حتى أقتل‏.‏ 
وإن كنتم تريدون المال فأنا أدلكم على مالي هو مدفون في مكان كذا وكذا، فانصرفوا عنه فأخذوا ماله‏.‏ 
فلما قدم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏ربح البيع أبا يحيى‏)‏‏)‏، وأنزل الله‏:‏ ‏(‏‏(‏ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد‏)‏‏)‏‏.‏ 
ورواه حماد بن سلمة عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/353‏)‏ 
وشهد بدراً وأُحداً وما بعدهما، ولما جعل عمر الأمر شورى كان هو الذي يصلي بالناس حتى تعين عثمان، وهو الذي وليّ الصلاة على عمر - وكان له صاحباً - وكان أحمر شديد الحمرة ليس بالطويل ولا بالقصير، أقرن الحاجبين، كثير الشعر، وكان لسانه فيه عجمة شديدة‏.‏ 
وكان مع فضله ودينه فيه دعابة وفكاهة وانشراح، رُوي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه يأكل بقثاء رطباً وهو أرمد إحدى العينين‏.‏ 
فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏أتأكل رطباً وأنت أرمد ‏؟‏‏)‏‏)‏ 
فقال‏:‏ إنما آكل من ناحية عيني الصحيحة، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ 
وكانت وفاته بالمدينة سنة ثمان وثلاثين، وقيل‏:‏ سنة تسع وثلاثين، وقد نيف على السبعين‏.‏ 
محمد بن أبي بكر الصدّيق 
ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع تحت الشجرة عند الحرم وأمه أسماء بنت عميس، ولما احتضر الصديق أوصى أن تغسله فغسلته، ثم لما انقضت عدتها تزوجها علي فنشأ في حجره‏.‏ 
فلما صارت إليه الخلافة استنابه على بلاد مصر بعد قيس بن سعد بن عُبادة كما قدمنا‏.‏ 
فلما كانت هذه السنة بعث معاوية عمر بن العاص فاستلب منه بلاد مصر وقتل محمد بن أبي بكركما تقدم، وله من العمر دون الثلاثين، رحمه الله ورضي الله عنه‏.‏ 
أسماء بنت عميس 
ابن معبد بن الحارث الخثعمية، أسلمت بمكة وهاجرت مع زوجها جعفر بن أبي طالب إلى الحبشة وقدمت معه إلى خيبر، ولها منه عبد الله، ومحمد، وعون‏.‏ 
ولما قتل جعفر بمؤتة تزوجها بعده أبو بكر الصديق فولدت منه محمد بن أبي بكر أمير مصر، ثم لما مات الصديق تزوجها بعده علي بن أبي طالب فولدت له يحيى وعوناً، وهي أخت ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين لأمها‏.‏ 
وكذلك هي أخت أم الفضل امرأة العباس لأمها، وكان لها من الأخوات لأمها تسع أخوات، وهي أخت سلمى بنت عميس امرأة العباس التي له منها بنت اسمها عمارة‏.‏ 
  ثم دخلت سنة تسع وثلاثين 
فيها‏:‏ جهز معاوية بن أبي سفيان جيوشاً كثيرة ففرقها في أطراف معاملات علي بن أبي طالب، وذلك أن معاوية رأى بعد أن ولاه عمرو بن العاص بعد اتفاقه مع أبي موسى على عزل علي، أن ولايته وقعت الموقع، فهو الذي يجب طاعته فيما يعتقده، ولأن جيوش علي من أهل العراق لا تطيعه في كثير من الأمر ولا يأتمرون بأمره‏.‏ 
فلا يحصل بمباشرته المقصود من الإمارة والحالة هذه، فهو يزعم أنه أولى منه إذ كان الأمر كذلك‏.‏ 
‏(‏ج/ص‏:‏ 7/354‏)‏ 
وكان ممن بعث في هذه السنة النعمان بن بشير في ألفي فارس إلى عين التمر، وعليها مالك بن كعب الأرحبي في ألف فارس مسلحة لعلي، فلما سمعوا بقدوم الشاميين أرفضوا عنه فلم يبق مع مالك بن كعب إلا مائة رجل‏.‏ 
فكتب عند ذلك إلى علي يعلمه بما كان من الأمر، فندب علي الناس إلى مالك بن كعب فتثاقلوا ونكلوا عنه ولم يجيبوا إلى الخروج، فخطبهم علي عند ذلك فقال في خطبته‏:‏ 
يا أهل الكوفة‏!‏ كلما سمعتم بمنسرٍ من مناسر أهل الشام انجحر كل منكم في بيته، وغلق عليه بابه، انجحار الضـب في جحره، والضبع في وجاره، المغرورُ والله من غررتموه، ولمن فارقكم فاز بالسهم الأصيب، لا أحرار عند النداء، ولا إخوان ثقةٍ عند النجاة، إنا لله وإنا إليه راجعون، ماذا منيتُ به منكم، عميُّ لا تبصرون، وبكْم لا تنطقون، وصمُّ لا تسمعون، إنا لله وإنا إليه راجعون‏.‏ 
ودهمهم النعمان بن بشير فاقتتلوا قتالاً شديداً، وليس مع مالك بن كعب إلا مائة رجل قد كسروا جفون سيوفهم واستقتلوا، فبينا هم كذلك إذ جاءهم نجدة من جهة مخنف بن سليم مع ابنه عبد الرحمن بن مخنف في خمسين رجلاً، فلما رآهم الشاميون ظنوا أنهم مدد عظيم ففروا هراباً، فاتبعهم مالك بن كعب فقتل منهم ثلاثة أنفس وذهب الباقون على وجوههم ولم يتم لهم أمر من هذا الوجه‏.‏ 
وفيها‏:‏ بعث معاوية سفيان بن عوف في ستة آلاف وأمره بأن يأتي هيت فيغير عليها، ثم يأتي الأنبار والمدائن، فسار حتى انتهى إلى هيت فلم يجد بها أحداً، ثم إلى الأنبار وفيها مسلحة لعلي نحو من خمسمائة، فتفرقوا ولم يبق منهم إلا مائة رجل‏.‏ 
فقاتلوا مع قلتهم وصبروا حتى قتل أميرهم - وهو أشرس بن حسان البلوي - في ثلاثين رجلاً من أصحابه، واحتملوا ما كان بالأنبار من الأموال وكروا راجعين إلى الشام‏.‏ 
فلما بلغ الخبر علياً رضي الله عنه ركب بنفسه فنزل بالنخيلة فقال له الناس‏:‏ نحن نكفيك ذلك يا أمير المؤمنين‏.‏ 
فقال‏:‏ والله ما تكفونني ولا أنفسكم‏.‏ وسرح سعد بن قيس في أثر القوم فسار وراءهم حتى بلغ هيت فلم يلحقهم فرجع‏.‏ 
وفيها‏:‏ بعث معاوية عبد الله بن مسعدة الفزاري في ألف وسبعمائة إلى تيماء وأمره أن يصدق أهل البوادي ومن امتنع من إعطائه فليقتله ثم يأتي المدينة ومكة والحجاز‏.‏ 
فسار إلى تيماء واجتمع عليه بشر كثير، فلما بلغ علياً بعث المسيب بن نجيبة الفزاري في ألفي رجل فالتقوا بتيماء فاقتتلوا قتالاً شديداً عند زوال الشمس‏.‏ 
‏(‏ج/ص‏:‏ 7/355‏)‏ 
وحمل المسيب بن نجية على ابن مسعدة فضربه ثلاث ضربات وهو لا يريد قتله بل يقول له‏:‏ النجا النجا، فانحاز ابن مسعدة في طائفة من قومه إلى حصن هناك فتحصنوا به وهرب بقيتهم إلى الشام، وانتهبت الأعراب ما كان جمعه ابن نجية من إبل الصدقة، وحاصرهم المسيب بن نجية ثلاثة أيام ثم ألقى الحطب على الباب وألهب فيه النار‏.‏ 
فلما أحسوا بالهلاك أشرفوا من الحصن، ومتوا إليه بأنهم من قومه فَرَقَ لهم وأطفأ النار، فلما كان الليل فتح باب الحصن وخرجوا هراباً إلى الشام، فقال عبد الرحمن بن شبيب للمسيب بن نجية‏:‏ سر حتى ألحقهم‏!‏ 
فقال‏:‏ لا‏!‏ 
فقال‏:‏ غششت أمير المؤمنين داهنت في أمرهم‏.‏ 
وفيها‏:‏ وجَّه معاوية الضحاك بن قيس في ثلاثة آلاف وأمره أن يغير على أطراف جيش علي، فجهز علي حجر بن عدي في أربعة آلاف، وأنفق فيهم خمسين درهماً خمسين درهماً، فالتقوا بتدمر فقتل من أصحاب الضحاك تسعة عشر رجلاً، ومن أصحاب حجر بن عدي رجلان، وغشيهم الليل فتفرقوا، واستمر الضحاك بأصحابه فاراً إلى الشام‏.‏ 
وفيها‏:‏ سار معاوية بنفسه في جيش كثيف حتى بلغ دجلة ثم كر راجعاً‏.‏ 
ذكره محمد بن سعد عن الواقدي بإسناده وأبو معشر أيضاً‏.‏ 
وفي هذه السنة‏:‏ ولى علي بن أبي طالب زياد بن أبيه على أرض فارس، وكانوا قد منعوا الخ