راج والطاعة،‏.‏ 
وسبب ذلك حين قتل ابن الحضرمي وأصحابه بالنار حين حرقهم جارية بن قدامة في تلك الدار كما قدمنا، فلما اشتهر هذا الصنيع في البلاد تشوش قلوب كثير من الناس على علي، واختلفوا على علي، ومنع أكثر أهل تلك النواحي خراجهم، ولا سيما أهل فارس فإنهم تمردوا وأخرجوا عاملهم سهل بن حُنيف - كما تقدم في العام الماضي - من بين أظهرهم‏.‏ 
فاستشار علي الناس فيمن يوليه عليهم، فأشار ابن عباس وجارية بن قدامة أن يولي عليهم زياد بن أبيه، فإنه صليب الرأي، عالم بالسياسة‏.‏ 
فقال علي‏:‏ هو لها، فولاه فارس وكرمان وجهزه إليهما في أربعة آلاف فارس، فسار إليها في هذه السنة فدوخ أهلها وقهرهم حتى استقاموا وأدوا الخراج وما كان عليهم من الحقوق، ورجعوا إلى السمع والطاعة، وسار فيهم بالمعدلة والأمانة، حتى كان أهل تلك البلاد يقولون‏:‏ 
ما رأينا سيرة أشبه بسيرة كسرى أنوشروان من سيرة هذا العربي في اللين والمداراة والعلم بما يأتي، وصفت له تلك البلاد بعدله وعلمه وصرامته، واتخذ للمال قلعة حصينة، فكانت تعرفه بقلعة زياد، ثم لما تحصن فيها منصور اليشكري فيما بعد ذلك عرفت به فكان يقال لها‏:‏ قلعة منصور‏.‏ 
قال الواقدي‏:‏ وفي هذه السنة بعث علي بن أبي طالب عبد الله بن عباس على الموسم وبعث معاوية يزيد بن سخبرة الرهاوي ليقيم للناس الحج، فلما اجتمعا بمكة تنازعا وأبى كل واحد منهما أن يسلم لصاحبه فاصطلحا على شيبة بن عثمان بن أبي طلحة الحجبي فحج بالناس وصلى بهم في أيام الموسم‏.‏ 
قال أبو الحسن المدائني‏:‏ لم يشهد عبد الله بن عباس الموسم في أيام علي حتى قتل، والذي نازعه يزيد بن سخبرة إنما هو قثم بن العباس حتى اصطلحا على شيبة بن عثمان‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/356‏)‏ 
قال ابن جرير‏:‏ وكما قال أبو الحسن المدائني قال أبو مصعب‏:‏ قال ابن جرير‏:‏ وأما عمال علي على الأمصار فهم الذين ذكرنا في السنة الماضية غير أن ابن عباس كان قد سار من البصرة إلى الكوفة واستخلف على البصرة زياد بن أبيه ثم سار زياد في هذه السنة إلى فارس وكرمان كما ذكرنا‏.‏ 
  ذكر من توفي في هذه السنة من الأعيان‏:‏ سعد القرظي 
مؤذن مسجد قبا، في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما وَليَّ عمر الخلافة ولاه أذان المسجد النبوي وكان أصله مولى لعمار بن ياسر، وهو الذي كان يحمل العنزة بين يدي أبي بكر وعمر وعلي إلى المصلى يوم العيد وبقي الأذان في ذريته مدة طويلة‏.‏ 
عقبة بن عمرو بن ثعلبة 
أبو مسعود البدري سكن ماء بدر ولم يشهد الوقعة بها على الصحيح، وقد شهد العقبة، وهو من سادات الصحابة وكان ينوب لعلي بالكوفة إذا خرج لصفين وغيرها‏.‏ 
  سنة أربعين من الهجرة 
قال ابن جرير‏:‏ فممَّا كان في هذه السنة من الأمور الجليلة توجيه معاوية بسر بن أبي أرطاة في ثلاثة آلاف من المقاتلة إلى الحجاز، فذكر عن زياد بن عبد الله البكائي عن عوانة قال‏:‏ 
أرسل معاوية بعد تحكيم الحكمين بسر بن أبي أرطاة -هو رجل من بني عامر بن لؤي - في جيش فساروا من الشام حتى قدموا المدينة - وعامل علي عليها يومئذ أبو أيوب - ففر منهم أبو أيوب فأتى علياً بالكوفة، ودخل بسر المدينة ولم يقاتله أحد، فصعد منبرها فنادى على المنبر‏:‏ يا دينار، ويا نجار، ويا رزيق شيخي شيخي عهدي به ها هنا بالأمس فأين هو‏؟‏ - يعني‏:‏ عثمان بن عفان - ثم قال‏:‏ 
يا أهل المدينة والله لولا ما عهد إليَّ معاوية ما تركتُ بها محتلماً إلا قتلته، ثم بايع أهل المدينة وأرسل إلى بني سلمة فقال‏:‏ والله مالكم عندي من أمان ولا مبايعة حتى تأتوني بجابر بن عبد الله - يعني حتى يبايعه -‏.‏ 
فانطلق جابر إلى أم سلمة فقال لها‏:‏ ماذا ترين إني خشيت أن أقتل وهذه بيعة ضلالة‏؟‏ 
فقالت‏:‏ أرى أن تبايع فإني قد أمرت ابني عمر وختني عبد الله بن زمعة - وهو زوج ابنتها زينب - أن يبايعا فأتاه جابر فبايعه‏.‏ 
قال‏:‏ وهدم بسر دوراً بالمدينة ثم مضى حتى أتى مكة فخافه أبو موسى الأشعري أن يقتله فقال له بسر‏:‏ ما كنت لأفعل بصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، فخلى عنه‏.‏ 
وكتب أبو موسى قبل ذلك إلى أهل اليمن أن خيلاً مبعوثة من عند معاوية تقتل من أبى أن يقر بالحكومة، ثم مضى بسر إلى اليمن وعليها عبيد الله بن عباس ففر إلى الكوفة حتى لحق بعلي، واستخلف على اليمن عبد الله بن عبد الله بن المدان الحاوي‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/357‏)‏ 
فلما دخل بسر اليمن قتله وقتل ابنه، ولقي بسر ثقل عبيد الله ابن عباس وفيه ابنان صغيران له فقتلهما وهما‏:‏ عبد الرحمن، وقثم‏.‏ 
ويقال‏:‏ إن بسراً قتل خلقاً من شيعة علي في مسيره هذا، وهذا الخبر مشهور عند أصحاب المغازي والسير، وفي صحته عندي نظر والله تعالى أعلم‏.‏ 
ولما بلغ علياً خبر بسر وجه جارية بن قدامة في ألفين، ووهب بن مسعود في ألفين، فسار جارية حتى بلغ نجران فخرق بها وقتل ناساً من شيعة عثمان، وهرب بسر وأصحابه فاتبعهم حتى بلغ مكة، فقال لهم جارية‏:‏ بايعوا فقالوا‏:‏ لمن نبايع وقد هلك أمير المؤمنين فلمن نبايع‏؟‏ 
فقال‏:‏ بايعوا لمن بايع له أصحاب علي، فتثاقلوا ثم بايعوا من خوف‏.‏ 
ثم سار حتى أتى المدينة وأبو هريرة يصلي بهم فهرب منه فقال جارية‏:‏ والله لو أخذت أبا سنور لضربت عنقه، ثم قال لأهل المدينة‏:‏ بايعوا للحسن بن علي، فبايعوا وأقام عندهم ثم خرج منصرفاً إلى الكوفة، وعاد أبو هريرة يصلي بهم‏.‏ 
قال ابن جرير‏:‏ وفي هذه السنة جرت بين علي ومعاوية المهادنة بعد مكاتبات يطول ذكرها على وضع الحرب بينهما، وأن يكون ملك العراق لعلي، ولمعاوية الشام، ولا يدخل أحدهما على صاحبه في عمله بجيش ولا غارة ولا غزوة‏.‏ 
ثم ذكر عن زياد عن ابن إسحاق ما هذا مضمونه أن معاوية كتب إلى علي‏:‏ أما بعد فإن الأمة قد قتل بعضها بعضاً - يعني‏:‏ فلك العراق ولي الشام - فأقر بذلك علي رضي الله عنه‏.‏ 
وأمسك كل واحد منهما عن قتال الآخر، وبعث الجيوش إلى بلاده، واستقر الأمر على ذلك‏.‏ 
قال ابن جرير‏:‏ وفي هذه السنة خرج ابن عباس من البصرة إلى مكة وترك العمل في قول عامة أهل السير، وقد أنكر ذلك بعضهم وزعم أنه لم يزل عاملاً على البصرة حتى صالح علي معاوية، وأنه كان شاهداً للصلح، ممن نص على ذلك أبو عبيدة كما سيأتي‏.‏ 
ثم ذكر ابن جرير سبب خروج ابن عباس عن البصرة وذلك أنه كلم أبا الأسود الدؤلي القاضي بكلام فيه غض من أبي الأسود فكتب أبو الأسود إلى علي يشكو إليه ابن عباس وينال من عرضه فإنه تناول شيئاً من أموال بيت المال‏.‏ 
فبعث علي إلى ابن عباس فعاتبه في ذلك وحرر عليه التبعة فغضب ابن عباس من ذلك وكتب إلى علي‏:‏ ابعث إلى عملك من أحببت فإني ظاعن عنه والسلام‏.‏ 
ثم سار ابن عباس إلى مكة مع أخواله بني هلال وتبعهم قيس كلها، وقد أخذ شيئاً من بيت المال مما كان اجتمع له من العمالة والفيء، ولما سار تبعه أقوام أخر فلحقهم بنو غنم وأرادوا منعهم من المسير فكان بينهم قتال، ثم تحاجزوا ودخل ابن عباس مكة‏.‏ 
  ذكر مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وما ورد من الأحاديث النبوية من الأخبار بمقتله وكيفيته‏:‏ 
كان أمير المؤمنين رضي الله عنه قد تنغصت عليه الأمور، واضطرب عليه جيشه، وخالفه أهل العراق، ونكلوا عن القيام معه‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/358‏)‏ 
واستفحل أمر أهل الشام، وصالوا وجالوا يميناً وشمالاً، زاعمين أن الإمرة لمعاوية بمقتضى حكم الحكمين في خلعهما علياً وتولية عمرو بن العاص معاوية عند خلو الإمرة عن أحد، وقد كان أهل الشام بعد التحكيم يسمون معاوية الأمير‏.‏ 
وكلما ازداد أهل الشام قوة ضعف جأش أهل العراق، هذا وأميرهم علي بن أبي طالب خير أهل الأرض في ذلك الزمان، أعبدهم وأزهدهم، وأعلمهم وأخشاهم لله عز وجل، ومع هذا كله خذلوه وتخلوا عنه حتى كره الحياة وتمنى الموت، وذلك لكثرة الفتن وظهور المحن، فكان يكثر أن يقول‏:‏ ما يحبس أشقاها، أي ما ينتظر‏؟‏ ماله لا يقتل‏؟‏ ثم يقول‏:‏ والله لتخضبن هذه ويشير إلى لحيته من هذه ويشير إلى هامته‏.‏ 
كما قال البيهقي‏:‏ عن الحاكم، عن الأصم، عن محمد بن إسحاق الصنعاني، ثنا أبو الحراب الأحوص بن جواب، ثنا عمار بن زريق، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ثعلبة بن يزيد قال‏:‏ 
قال علي‏:‏ والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لتخضبن هذه من هذه للحيته من رأسه فما يحبس أشقاها‏؟‏ 
فقال عبد الله بن سبع‏:‏ والله يا أمير المؤمنين لو أن رجلاً فعل ذلك لأبدنا عترته‏.‏ 
فقال‏:‏ أنشدكم بالله أن يقتل بي غير قاتلي‏.‏ 
فقالوا‏:‏ يا أمير المؤمنين ألا تستخلف‏؟‏ 
فقال‏:‏ لا ولكن أترككم كما ترككم رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ 
قالوا‏:‏ فما تقول لربك إذا لقيته وقد تركتنا هملاً‏؟‏‏.‏ 
أقول‏:‏ اللهم استخلفتني فيهم ما بدا لك، ثم قبضتني وتركتك فيهم فإن شئت أصلحتهم وإن شئت أفسدتهم‏.‏ 
طريق أخرى 
قال أبو داود الطيالسي في ‏(‏مسنده‏)‏‏:‏ ثنا شريك عن عثمان بن المغيرة عن زيد بن وهب‏.‏ 
قال‏:‏ جاءت الخوارج إلى علي فقالوا له‏:‏ اتق الله فإنك ميت‏.‏ 
قال‏:‏ لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، ولكن مقتول من ضربةٍ على هذه تخضب هذه - وأشار بيده إلى لحيته - عهد معهود وقضى مقضي، وقد خاب من افترى‏.‏ 
طريق أخرى عنه 
قال الحافظ أبو يعلى‏:‏ ثنا سويد بن سعيد، ثنا رشدين بن سعد، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة، عن عثمان بن صهيب، عن أبيه قال‏:‏ 
قال علي‏:‏ قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏من أشقى الأولين ‏؟‏‏)‏‏)‏‏.‏ 
قلت‏:‏ عاقر الناقة‏.‏ 
قال‏:‏ ‏(‏‏(‏صدقت فمن أشقى الآخرين ‏؟‏‏)‏‏)‏ 
قلت‏:‏ لا علم لي يا رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ 
قال‏:‏ ‏(‏‏(‏الذي يضربك على هذه - وأشار بيده - على يافوخه فيخضب هذه من هذه‏)‏‏)‏ يعني لحيته من دم رأسه قال‏:‏ فكان يقول‏:‏ وددت أنه قد انبعث أشقاكم‏.‏ 
‏(‏ج/ص‏:‏ 7/359‏)‏ 
طريق أخرى عن علي 
قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا وكيع، ثنا الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن عبد الله بن سبع قال‏:‏ سمعت علياً يقول‏:‏ لتخضبن هذه من هذه فما ينتظر بي إلا شقي‏.‏ 
فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين، أخبرنا نبد عترته‏.‏ 
قال‏:‏ إذاً تقتلون بي غير قاتلي‏.‏ 
قالوا‏:‏ فما تقول لربك إذا أتيته ‏؟‏‏.‏ 
قال‏:‏ أقول‏:‏ اللهم تركتني فيهم ما بدا لك ثم قبضتني إليك وأنت فيهم، إن شئت أصلحتهم وإن شئت أفسدتهم‏.‏ 
وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا أسود بن عامر، ثنا أبو بكر، عن الأعمش، عن سلمة بن كهيل، عن عبد الله بن سبعٍ قال‏:‏ خطبنا علي فقال‏:‏ والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لتخضبن هذه من هذه‏.‏ 
قال‏:‏ فقال الناس‏:‏ فأعلمنا من هو والله لنبيدنه أو لنبيدن عترته‏.‏ 
قال‏:‏ أنشدكم بالله أن يقتل غير قاتلي‏.‏ 
قالوا‏:‏ إن كنت علمت ذلك فاستخلف‏.‏ 
قال‏:‏ لا، ولكن أكلكم إلى ما وكلكم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ تفرد به أحمد‏.‏ 
طريق أخرى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه 
قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا هشم بن القاسم، ثنا محمد - يعني‏:‏ ابن راشد - عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن فضالة بن أبي فضالة الأنصاري - وكان أبو فضالة من أهل بدر -، وقال‏:‏ 
خرجت مع أبي عائداً لعلي بن أبي طالب من مرض أصابه ثقل منه‏.‏ 
قال فقال له أبي‏:‏ ما يقيمك بمنزلك هذا لو أصابك أجلك لم يلك إلا أعراب جهينة‏؟‏ تحمل إلى المدينة فإن أصابك أجلك وليك أصحابك وصلوا عليك‏.‏ 
فقال علي‏:‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلي أن لا أموت حتى أؤمر ثم تخضب هذه - يعني لحيته - من دم هذه - يعني هامته -‏.‏ 
قال‏:‏ فقتل أبو فضالة يوم صفين، تفرد به أحمد أيضاً‏.‏ 
وقد رواه البيهقي في ‏(‏الدلائل‏)‏ عن الحاكم، عن الأصم، عن الحسن بن مكرم، عن أبي النضر هاشم بن القاسم به‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/360‏)‏ 
طريق أخرى عنه 
قال الحافظ أبو بكر البزار في ‏(‏مسنده‏)‏‏:‏ حدثنا أحمد بن أبان القرشي، ثنا سفيان بن عيينة، ثنا كوفي يقال له‏:‏ عبد الملك بن أعين، عن أبي حرب بن أبي الأسود عن أبيه قال‏:‏ سمعت علي بن أبي طالب يقول‏:‏ 
قال لي عبد الله بن سلام وقد وضعت رجلي في غرز الركاب لا تأتي العراق فإنك إن أتيتها أصابك بها ذباب السيف‏.‏ 
قال‏:‏ وأيم الله لقد قالها ولقد قالها النبي صلى الله عليه وسلم لي قبله‏.‏ 
قال أبو الأسود‏:‏ فقلت‏:‏ تالله ما رأيت رجلاً محارباً 