يحدث بهذا قبلك غيرك‏.‏ 
ثم قال البزار‏:‏ ولا نعلم رواه إلا علي بن أبي طالب بهذا الإسناد، ولا نعلم رواه إلا عبد الملك بن أعين عن أبي حرب، ولا رواه عنه إلا ابن عيينة‏.‏ هكذا قال‏.‏ 
قال‏:‏ وقد رأيت من الطرق المتعددة خلاف ذلك‏.‏ 
وقال البيهقي بعد ذكره طرفاً من هذه الطرق‏:‏ وقد رويناه في كتاب ‏(‏السنن‏)‏ بإسناد صحيح عن زيد بن أسلم، عن أبي سنان الدؤلي، عن علي في إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بقتله‏.‏ 
حديث آخر في ذلك 
قال الخطيب البغدادي‏:‏ أخبرني علي بن القاسم البصري، ثنا علي بن إسحاق المارداني، أنا محمد بن إسحاق الصنعاني، ثنا إسماعيل بن أبان الوراق، ثنا ناصح بن عبد الله المحلمي، عن سماك، عن جابر بن سمرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي‏:‏ ‏(‏‏(‏من أشقى الأولين ‏؟‏‏)‏‏)‏‏.‏ 
قال‏:‏ عاقر الناقة‏.‏ 
قال‏:‏ ‏(‏‏(‏فمن أشقى الآخرين ‏؟‏‏)‏‏)‏‏.‏ 
قال‏:‏ الله ورسوله أعلم‏.‏ 
قال‏:‏ ‏(‏‏(‏قاتلك‏)‏‏)‏‏.‏ 
حديث آخر في معنى ذلك 
وروى البيهقي من طريق فطر بن خليفة وعبد العزيز بن سياه كلاهما عن حبيب بن أبي ثابت، عن ثعلبة الحماني قال‏:‏ سمعت علياً على المنبر وهو يقول‏:‏ والله إنه لعهد النبي الأمي إليّ إن الأمة ستغدر بك بعدي‏.‏ 
قال البخاري‏:‏ ثعلبة بن زيد الحماني في حديثه هذا نظر‏.‏ 
قال البيهقي‏:‏ وقد رويناه بإسناد آخر عن علي إن كان محفوظاً‏.‏ 
أخبرنا أبو علي الروذباري، أنا أبو محمد بن شوذب الواسطي بها، ثنا شعيب بن أيوب، ثنا عمرو بن عون، عن هشيم، عن إسماعيل بن سالم، عن أبي إدريس الأزدي، عن علي قال‏:‏ إن مما عهد إليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الأمة ستغدر بك بعدي‏.‏ 
قال البيهقي‏:‏ فإن صح فيحتمل أن يكون المراد به والله أعلم في خروج من خرج عليه ثم في قتله‏.‏ 
وقال الأعمش‏:‏ عن عمرو بن مرة بن عبد الله بن الحارث، عن زهير بن الأرقم‏.‏ 
قال‏:‏ خطبنا علي يوم جمعة فقال‏:‏ نبئت أن بسراً قد طلع اليمن، وإني والله لأحسب أن هؤلاء القوم سيظهرون عليكم، وما يظهرون عليكم إلا بعصيانكم إمامكم وطاعتهم إمامهم، وخيانتكم وأمانتهم، وإفسادكم في أرضكم وإصلاحهم‏.‏ 
قد بعثت فلاناً فخان وغدر، وبعثت فلاناً فخان وغدر، وبعث المال إلى معاوية لو ائتمنت أحدكم على قدح لأخذ علاقته، اللهم سئمتهم وسئموني، وكرهتهم وكرهوني، اللهم فأرحهم مني وأرحني منهم‏.‏ 
قال‏:‏ فما صلى الجمعة الأخرى حتى قتل رضي الله عنه وأرضاه‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/361‏)‏ 
  صفة مقتله رضي الله عنه 
ذكر ابن جرير، وغير واحد من علماء التاريخ والسير وأيام الناس‏:‏ أن ثلاثة من الخوارج وهم‏:‏ عبد الرحمن بن عمرو المعروف‏:‏ بابن ملجم الحميري ثم الكندي، حليف بني حنيفة من كندة المصري، وكان أسمر حسن الوجه، أبلح شعره مع شحمة أذنيه، وفي وجهه أثر السجود‏.‏ 
والبرك بن عبد الله التميمي، وعمرو بن بكر التميمي أيضاً - اجتمعوا فتذاكروا قتل علي إخوانهم من أهل النهروان فترحموا عليهم‏.‏ 
وقالوا‏:‏ ماذا نصنع بالبقاء بعدهم‏؟‏ كانوا لا يخافون في الله لومة لائم، فلو شرينا أنفسنا فأتينا أئمة الضلال فقتلناهم فأرحنا منهم البلاد وأخذنا منهم ثأر إخواننا‏؟‏ 
فقال ابن ملجم‏:‏ أما أنا فأكفيكم علي بن أبي طالب‏.‏ 
وقال البرك‏:‏ وأنا أكفيكم معاوية‏.‏ 
وقال عمرو بن بكر‏:‏ وأنا أكفيكم عمرو بن العاص‏.‏ 
فتعاهدوا وتواثقوا أن لا ينكص رجل منهم عن صاحبه حتى يقتله أو يموت دونه، فأخذوا أسيافهم فسمّوها واتعدوا لسبع عشرة من رمضان أن يبيت كل واحد منهم صاحبه في بلده الذي هو فيه‏.‏ 
فأما ابن ملجم فسار إلى الكوفة فدخلها وكتم أمره حتى عن أصحابه من الخوارج الذين هم بها، فبينما هو جالس في قوم من بني الرباب يتذاكرون قتلاهم يوم النهروان إذ أقبلت امرأة منهم يقال‏:‏ قطام بنت الشجنة‏.‏ 
قد قتل علي يوم النهروان أباها وأخاها، وكانت فائقة الجمال مشهورة به، وكانت قد انقطعت في المسجد الجامع تتعبد فيه‏.‏ 
فلما رآها ابن ملجم سلبت عقله ونسي حاجته التي جاء لها، وخطبها إلى نفسها فاشترطت عليه ثلاثة آلاف درهم وخادماً وقينة، وأن يقتل لها علي بن أبي طالب‏.‏ 
قال‏:‏ فهو لك ووالله ما جاء بي إلى هذه البلدة إلا قتل علي، فتزوجها ودخل بها ثم شرعت تحرضه على ذلك وندبت له رجلاً من قومها، من تيم الرباب يقال له‏:‏ وردان، ليكون معه ردءاً، واستمال عبد الرحمن بن ملجم رجلاً آخر يقال له‏:‏ شبيب بن نجدة الأشجعي الحروري قال له ابن ملجم‏:‏ هل لك في شرف الدنيا والآخرة‏؟‏ 
فقال‏:‏ وما ذاك‏:‏ قال‏؟‏ قتل علي‏.‏ 
فقال‏:‏ ثكلتك أمك، لقد جئت شيئاً إذاً كيف تقدر عليه‏؟‏ 
قال‏:‏ أكمن له في المسجد فإذا خرج لصلاة الغداة شددنا عليه فقتلناه، فإن نجونا شفينا أنفسنا وأدركنا ثأرنا، وإن قتلنا فما عند الله خير من الدنيا‏.‏ 
‏(‏ج/ص‏:‏ 7/362‏)‏ 
فقال‏:‏ ويحك لو غير علي كان أهون عليّ‏؟‏ قد عرفت سابقته في الإسلام وقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما أجدني أنشرح صدراً لقتله‏.‏ 
فقال‏:‏ أما تعلم أنه قتل أهل النهروان‏؟‏ 
فقال‏:‏ بلى‏.‏ 
قال‏:‏ فنقتله بمن قتل من إخواننا‏.‏ 
فأجابه إلى ذلك بعد لأي ودخل شهر رمضان فواعدهم ابن ملجم ليلة الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت‏.‏ 
وقال‏:‏ هذه الليلة التي واعدت أصحابي فيها أن يثأروا بمعاوية وعمرو بن العاص فجاء هؤلاء الثلاثة - وهم‏:‏ ابن ملجم، ووردان، وشبيب، وهم مشتملون على سيوفهم فجلسوا مقابل السدة التي يخرج منها علي، فلما خرج جعل ينهض الناس من النوم إلى الصلاة‏.‏ 
ويقول‏:‏ الصلاة الصلاة فثار إليه شبيب بالسيف فضربه فوقع في الطاق، فضربه ابن ملجم بالسيف على قرنه فسال دمه على لحيته رضي الله عنه‏.‏ 
ولما ضربه ابن ملجم قال‏:‏ لا حكم إلا لله ليس لك يا علي ولا لأصحابك، وجعل يتلو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 207‏]‏‏.‏ 
ونادى علي‏:‏ عليكم به، وهرب وردان فأدركه رجل من حضرموت فقتله، وذهب شبيب فنجا بنفسه وفات الناس، وُمسك ابن ملجم وقدم على جعدة بن هبيرة بن أبي وهب فصلى بالناس صلاة الفجر، وحمل علي إلى منزله، وحمل إليه عبد الرحمن بن ملجم فأوقف بين يديه وهو مكتوف - قبحه الله - فقال له‏:‏ أي عدو الله ألم أحسن إليك‏؟‏ 
قال‏:‏ بلى‏.‏ 
قال‏:‏ فما حملك على هذا‏؟‏ 
قال‏:‏ شحذته أربعين صباحاً وسألت الله أن يقتل به شر خلقه‏.‏ 
فقال له علي‏:‏ لا أراك إلا مقتولاً به، ولا أراك إلا من شر خلق الله‏.‏ 
ثم قال‏:‏ إن مت فاقتلوه وإن عشت فأنا أعلم كيف أصنع به‏.‏ 
فقال جندب بن عبد الله‏:‏ يا أمير المؤمنين إن مت نبايع الحسن‏؟‏ 
فقال‏:‏ لا آمركم ولا أنهاكم، أنتم أبصر‏.‏ 
ولما احتضر علي جعل يكثر من قول لا إله إلا الله، لا يتلفظ بغيرها‏.‏ 
وقد قيل‏:‏ إن آخر ما تكلم به‏:‏ ‏{‏فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ‏}‏ ‏[‏الزلزلة‏:‏ 7‏]‏‏.‏ 
وقد أوصى ولديه الحسن والحسين بتقوى الله والصلاة، والزكاة، وكظم الغيظ، وصلة الرحم، والحلم عن الجاهل، والتفقه في الدين، والتثبت في الأمر، والتعاهد للقرآن، وحسن الجوار، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واجتناب الفواحش‏.‏ 
ووصاهما بأخيهما محمد بن الحنفية، ووصاه بما وصاهما به، وأن يعظمهما ولا يقطع أمراً دونهما وكتب ذلك كله في كتاب وصيته رضي الله عنه وأرضاه‏.‏ 
وصورة الوصية‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم‏!‏ 
هذا ما أوصى به علي بن أبي طالب أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/363‏)‏ 
أوصيك يا حسن وجميع ولدي ومن بلغه كتابي بتقوى الله ربكم ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا فإني سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏إن صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام‏)‏‏)‏ انظروا إلى ذوي أرحامكم فصلوا ليهوِّن الله عليكم الحساب، الله الله في الأيتام فلا تعفو أفواهم ولا يضيعن بحضرتكم، والله الله في جيرانكم فإنهم وصية نبيكم، ما زال يوصي بهم حتى ظننا أنه سيورثهم‏.‏ 
والله الله في القرآن فلا يسبقنكم إلى العمل به غيركم، والله الله في الصلاة فإنها عمود دينكم، والله الله في بيت ربكم فلا يخلون منكم ما بقيتم فإنه إن ترك لم تناظروا، والله الله في شهر رمضان فإن صيامه جنة من النار‏.‏ 
والله الله في الجهاد في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم، والله الله في الزكاة فإنها تطفئ غضب الرب، والله الله في ذمة نبيكم لا تظلمن بين ظهرانيكم‏.‏ 
والله الله في أصحاب نبيكم فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى بهم، والله الله في الفقراء والمساكين فأشركوهم في معاشكم، والله الله فيما ملكت أيمانكم فإن آخر ما تكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قال‏:‏ ‏(‏‏(‏أوصيكم بالضعيفين نسائكم وما ملكت أيمانكم‏)‏‏)‏‏.‏ 
الصلاة الصلاة لا تخافن في الله لومة لائم يكفكم من أرادكم وبغى عليكم، وقولوا للناس حسناً كما أمركم الله‏.‏ 
ولا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيولي الأمر شراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم، وعليكم بالتواصل والتباذل، وإياكم والتدابر والتقاطع والتفرق، وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الآثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب‏.‏ 
حفظكم الله من أهل بيت، وحفظ عليكم نبيكم، أستودعكم الله وأقرأ عليكم السلام ورحمة الله‏.‏ 
ثم لم ينطق إلا بلا إله إلا الله حتى قبض، في شهر رمضان سنة أربعين‏.‏ 
وقد غسله ابناه الحسن، والحسين، وعبد الله بن جعفر، وصلى عليه الحسن فكبر عليه تسع تكبيرات‏.‏ 
وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا أبو أحمد الزبيري، ثنا شريك، عن عمران بن ظبيان، عن أبي يحيى قال‏:‏ لما ضرب ابن ملجم علياً قال لهم‏:‏ افعلوا به كما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل برجل أراد قتله فقال‏:‏ اقتلوه ثم حرقوه‏.‏ 
وقد روي أن أم كلثوم قالت لابن ملجم وهو واقف‏:‏ ويحك ‏!‏لم ضربت أمير المؤمنين‏؟‏ 
قال‏:‏ إنما ضربت أباك‏.‏ 
فقالت‏:‏ إنه لا بأس عليه‏.‏ 
فقال‏:‏ لم تبكين‏؟‏ والله لقد ضربته ضربة لو أصابت أهل المصر لماتوا أجمعين، والله لقد سمعت هذا السيف شهراً، ولقد اشتريته بألف وسممته بألف‏.‏ 
قال الهيثم بن عدي‏:‏ حدثني رجل من بجيلة عن مشيخة قومه‏:‏ أن عبد الرحمن بن ملجم رأى امرأة من تيم الرباب يقول لها‏:‏ قطام، كانت من أجمل النساء ترى رأي الخوارج‏.‏ 
قد قتل علي قومها على هذا الرأي فلما أبصرها عشقها فخطبها فقالت‏:‏ لا أتزوجك إلا على ثلاثة آلاف وعبد وقينة، فتزوجها على ذلك‏.‏ 
‏(‏ج/ص‏:‏ 7/364‏)‏ 
فلما بنى بها قالت له‏:‏ يا هذا قد فرعت فأفرع فخرج ملبساً سلاحه وخرجت معه فضربت له قبة في المسجد وخرج علي يقول‏:‏ الصلاة الصلاة، فاتبعه عبد الرحمن فضربه بالسيف على قرن رأسه‏.‏ 
فقال الشاعر‏:‏ قال ابن جرير‏:‏ هو ابن مياس المرادي‏.‏ 
فلم أر مهراً ساقه ذو سماحة * كمهر قطام بينّاً غير معجم 
ثلاثة آلاف وعبد وقينةٌ * وقتل علي بالحسام المصمم 
فلا مهر أغلا من علي وإن غلا * ولا فتك إلا دون فتك ابن ملجم 
وقد عزى ابن جرير هذه الأبيات إلى ابن شاس المرادي وأنشد له ابن جرير في قتلهم علياً‏:‏ 
ونحن ضربنا مالك الخير حيدراً * أبا حسنٍ مأمومة فتقطرا 
ونحن خلعنا ملكه من نظامه * بضربة سيفٍ إذ علا وتجبرا 
ونحن كرامٌ في الهياج أعزةٌ * إذا الموتُ بالموتِ ارتدى وتأزرا 
وقد امتدح ابن ملجم بعض الخوارج المتأخرين في زمن التابعين وهو عمران بن حطان وكان أحد العباد ممن يروي عن عائشة في ‏(‏صحيح البخاري‏)‏ فقال فيه‏:‏ 
يا ضربةً من تقيٍ ما أراد بها * إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا 
إني لأذكره يوماً فأحسبه * أوفى البرية عند الله ميزانا 
وأما صاحب معاوية - وهو البرك - فإنه حمل عليه وهو خارج إلى صلاة الفجر في هذا اليوم فضربه بالسيف، وقيل‏:‏ بخنجر مسموم، فجاءت الضربة في وركه فجرحت إليته ومسك الخارجي فقتل‏.‏ 