
وقد قال لمعاوية‏:‏ اتركني فإني أبشرك ببشارة‏.‏ 
فقال‏:‏ وما هي‏؟‏ 
فقال‏:‏ إن أخي قد قتل في هذا اليوم علي بن أبي طالب‏.‏ 
قال‏:‏ فلعله لم يقدر عليه 
قال‏:‏ بلى إنه لا حرس معه، فأمر به فقتل، وجاء الطبيب فقال لمعاوية‏:‏ إن جرحك مسموم، فإما أن أكويك، وأما أن أسقيك شربة فيذهب السم ولكن ينقطع نسلك‏.‏ 
فقال معاوية‏:‏ أما النار فلا طاقة لي بها، وأما النسل ففي يزيد وعبد الله ما تقر به عيني‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/365‏)‏ 
فسقاه شربة فبرأ من ألمه وجراحه واستقل وسلم رضي الله عنه‏.‏ 
ومن حينئذ عملت المقصورة في المسجد الجامع وجعل الحرس حولها في حال السجود، فكان أول من اتخذها معاوية لهذه الحادثة‏.‏ 
وأما صاحب عمرو بن العاص - وهو عمرو بن بكر - فإنه كمن له ليخرج إلى الصلاة، فاتفق أن عرض لعمرو بن العاص مغص شديد في ذلك اليوم فلم يخرج إلا نائبه إلى الصلاة، وهو خارجة بن أبي حبيبة من بني عامر بن لؤي، وكان على شرطة عمرو بن العاص فحمل عليه الخارجي فقتله وهو يعتقده عمرو بن العاص‏.‏ 
فلما أخذ الخارجي قال‏:‏ أردت عمراً وأراد الله خارجة، فأرسلها مثلاً، وقتل قبحه الله‏.‏ 
وقد قيل‏:‏ إن الذي قالها عمرو بن العاص، وذلك حين جيء بالخارجي فقال‏:‏ ما هذا‏؟‏ 
قالوا‏:‏ قتل نائبك خارجة، ثم أمر به فضربت عنقه‏.‏ 
والمقصود‏:‏ أن علياً رضي الله عنه لما مات صلى عليه ابنه الحسن فكبر عليه تسع تكبيرات، ودفن بدار الإمارة بالكوفة خوفاً عليه من الخوارج أن ينبشوا عن جثته، هذا هو المشهور‏.‏ 
ومن قال‏:‏ إنه حمل على راحلته فذهبت به فلا يدري أين ذهب فقد أخطأ وتكلف ما لا علم له به ولا يسيغه عقل ولا شرع‏.‏ 
وما يعتقده كثير من جهلة الروافض من أن قبره بمشهد النجف فلا دليل على ذلك ولا أصل له، ويقال‏:‏ إنما ذاك قبر المغيرة بن شعبة، حكاه الخطيب البغدادي، عن أبي نعيم الحافظ، عن أبي بكر الطلحي، عن محمد بن عبد الله الحضرمي الحافظ، عن مطر أنه قال‏:‏ لو علمت الشيعة قبر هذا الذي يعظمونه بالنجف لرجموه بالحجارة، هذا قبر المغيرة بن شعبة‏.‏ 
قال الواقدي‏:‏ حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة قال‏:‏ سألت أبا جعفر محمد بن علي الباقر كم كان سن علي يوم قتل‏؟‏ 
قال‏:‏ ثلاثاً وستين سنة‏.‏ 
قلت‏:‏ أين دفن‏؟‏ 
قال‏:‏ دفن بالكوفة ليلاً وقد غبي عن دفنه‏.‏ 
وفي رواية عن جعفر الصادق‏:‏ أنه كان عمره ثمانية وخمسين سنة‏.‏ 
وقد قيل‏:‏ إن علياً دفن قبلي المسجد الجامع من الكوفة‏.‏ 
قاله الواقدي‏:‏ والمشهور بدار الإمارة‏.‏ 
وقد حكى الخطيب البغدادي، عن أبي نعيم الفضل بن دكين‏:‏ أن الحسن والحسين حولاه فنقلاه إلى المدينة فدفناه بالبقيع عند قبر فاطمة‏.‏ 
وقيل‏:‏ إنهم لما حملوه على البعير ضل منهم فأخذته طيء يظنونه مالاً، فلما رأوا أن الذي في الصندوق ميت ولم يعرفوه دفنوا الصندوق بما فيه فلا يعلم أحد أين قبره، حكاه الخطيب أيضاً‏.‏ 
وروى الحافظ ابن عساكر، عن الحسن قال‏:‏ دفنت علياً في حجرة من دور آل جعدة‏.‏ 
‏(‏ج/ص‏:‏ 7/366‏)‏ 
وعن عبد الملك بن عمير قال‏:‏ لما حفر خالد بن عبد الله أساس دار ابنه يزيد استخرجوا شيخاً مدفوناً أبيض الرأس واللحية كأنما دفن بالأمس فهّم بإحراقه، ثم صرفه الله عن ذلك فاستدعى بقباطي فلفه فيها وطيبه وتركه مكانه‏.‏ 
قالوا‏:‏ وذلك المكان بحذاء باب الوراقين مما يلي قبلة المسجد في بيت إسكاف وما يكاد يقر في ذلك الموضع أحد إلا انتقل منه‏.‏ 
وعن جعفر بن محمد الصادق‏:‏ 
قال‏:‏ صلّي على علي ليلاً ودفن بالكوفة، وعميَ موضع قبره ولكنه عند قصر الإمارة‏.‏ 
وقال ابن الكلبي‏:‏ شهد دفنه في الليل الحسن، والحسين، وابن الحنفية، وعبد الله بن جعفر وغيرهم من أهل بيتهم، فدفنوه في ظاهر الكوفة وعموا قبره خيفة عليه من الخوارج وغيرهم، وحاصل الأمر أن علياً قتل يوم الجمعة سَحَراً وذلك لسبع عشرة خلت من رمضان من سنة أربعين‏.‏ 
وقيل‏:‏ إنه قتل في ربيع الأول والأول هو الأصح الأشهر والله أعلم‏.‏ 
ودفن بالكوفة عن ثلاث وستين سنة وصححه الواقدي، وابن جرير وغير واحد‏.‏ 
وقيل‏:‏ عن خمس وستين‏.‏ 
وقيل‏:‏ عن ثمان وستين سنة رضي الله عنه، وكانت خلافته أربع سنين وتسعة أشهر‏.‏ 
فلما مات علي رضي الله عنه استدعى الحسن بابن ملجم فقال له ابن ملجم‏:‏ إني أعرض عليك خصلة‏.‏ 
قال‏:‏ وما هي‏؟‏ 
قال‏:‏ إني كنت عاهدت الله عند الحطيم أن أقتل علياً ومعاوية أو أموت دونهما، فإن خليتني ذهبت إلى معاوية على أني لم أقتله أو قتلته وبقيت فلله علي أن أرجع إليك حتى أضع يدي في يدك‏.‏ 
فقال له الحسن‏:‏ كلا والله حتى تعاين النار، ثم قدمه فقتله، ثم أخذه الناس فأدرجوه في بواري ثم أحرقوه بالنار‏.‏ 
وقد قيل‏:‏ إن عبد الله بن جعفر قطع يديه ورجليه وكحلت عيناه، وهو مع ذلك يقرأ سورة اقرأ باسم ربك الذي خلق إلى آخرها، ثم جاؤوا ليقطعوا لسانه فجزع وقال‏:‏ إني أخشى أن تمر علي ساعة لا أذكر الله فيها، ثم قطعوا لسانه، ثم قتلوه، ثم حرقوه في قوصرة والله أعلم‏.‏ 
وروى ابن جرير قال‏:‏ حدثني الحارث، ثنا ابن سعد، عن محمد بن عمر قال‏:‏ ضرب علي يوم الجمعة فمكث يوم الجمعة، وليلة السبت، وتوفي ليلة الأحد لإحدى عشرة ليلة بقيت من رمضان سنة أربعين عن ثلاث وستين سنة‏.‏ 
قال الواقدي‏:‏ وهو المثبت عندنا والله أعلم بالصواب‏.‏ 

  ذكر زوجاته وبنيه وبناته 
قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا حجاج، ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن هانئ بن هانئ، عن علي قال‏:‏ لما ولد الحسن جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏أروني ابني، ما سميتموه ‏؟‏‏)‏‏)‏ 
فقلت‏:‏ سميته حرباً‏.‏ 
فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏بل هو حسن‏)‏‏)‏‏.‏ 
فلما ولد الحسين قال‏:‏ ‏(‏‏(‏أروني ابني، ما سميتموه ‏؟‏‏)‏‏)‏ 
فقلت‏:‏ سميته حرباً‏.‏ 
قال‏:‏ ‏(‏‏(‏بل هو حسين‏)‏‏)‏‏.‏ 
فلما ولد الثالث، جاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏أروني ابني، ما سميتموه ‏؟‏‏)‏‏)‏ 
فقلت‏:‏ حرباً‏.‏ 
فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏بل هو محسن، ثم قال‏:‏ إني سميتهم اسم ولد هارون شبر وشبير ومشبر‏)‏‏)‏‏.‏ 
وقد رواه محمد بن سعد، عن يحيى بن عيسى التيمي، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد قال‏:‏ 
قال علي‏:‏ كنت رجلاً أحب الحرب، فلما ولد الحسن هممت أن أسميه حرباً، فذكر الحديث بنحو ما تقدم، لكن لم يذكر الثالث‏.‏ 
وقد ورد في بعض الأحاديث‏:‏ أن علياً سمى الحسن أولاً بحمزة، وحسيناً بجعفر فغير اسميهما رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/367‏)‏ 
فأول زوجة تزوجها علي رضي الله عنه فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، بنى بها بعد وقعة بدر، فولدت له الحسن وحسيناً ويقال‏:‏ ومحسناً ومات وهو صغير‏.‏ 
وولدت له زينب الكبرى، وأم كلثوم، وهذه تزوج بها عمر بن الخطاب كما تقدم‏.‏ 
ولم يتزوج علي على فاطمة حتى توفيت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بستة أشهر‏.‏ 
فلما ماتت تزوج بعدها بزوجات كثيرة، منهن من توفيت في حياته، ومنهن من طلقها، وتوفي عن أربع كما سيأتي‏.‏ 
فمن زوجاته‏:‏ أم البنين بنت حرام، وهو المحل بن خالد بن ربيعة بن كعب بن عامر بن كلاب، فولدت له العباس، وجعفراً، وعبد الله، وعثمان‏.‏ 
وقد قتل هؤلاء مع أخيهم الحسين بكربلاء ولا عقب لهم سوى العباس‏.‏ 
ومنهن‏:‏ ليلى بنت مسعود بن خالد بن مالك من بني تميم، فولدت له عبيد الله، وأبا بكر، قال هشام بن الكلبي‏:‏ وقد قتلا بكربلاء أيضاً‏.‏ 
وزعم الواقدي‏:‏ أن عبيد الله قتله المختار بن أبي عبيد يوم الدار‏.‏ 
ومنهن‏:‏ أسماء بنت عميس الخثعمية، فولدت له يحيى ومحمداً الأصغر قاله الكلبي‏.‏ 
وقال الواقدي‏:‏ ولدت له يحيى وعوناً‏.‏ 
قال الواقدي‏:‏ فأما محمد الأصغر فمن أم ولد‏.‏ 
ومنهن‏:‏ أم حبيبة بنت زمعة بن بحر بن العبد بن علقمة، وهي أم ولد، من السبي الذين سباهم خالد من بني تغلب حين أغار على عين التمر، فولدت له عمر - وقد عمر خمساً وثلاثين سنة - ورقية‏.‏ 
ومنهن‏:‏ أم سعيد بنت عروة بن مسعود بن معتب بن مالك الثقفي، فولدت له أم الحسن، ورملة الكبرى‏.‏ 
ومنهن‏:‏ ابنة امرئ القيس بن عدي بن أوس بن جابر بن كعب بن عليم بن كلب الكلبية، فولد له جارية فكانت تخرج مع علي إلى المسجد وهي صغيرة، فيقال لها‏:‏ من أخوالك‏؟‏ 
فتقول‏:‏ وه وه تعني‏:‏ بني كلب‏.‏ 
ومنهن‏:‏ أمامة بنت أبي العاص بن الربيع بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، وأمها زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحملها وهو في الصلاة إذا قام حملها وإذا سجد وضعها، فولدت له محمداً الأوسط‏.‏ 
‏(‏ج/ص‏:‏ 7/368‏)‏ 
وأما ابنه محمد الأكبر فهو ابن الحنفية وهي‏:‏ خولة بنت جعفر بن قيس بن مسلمة بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة بن الدؤل بن حنيفة بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، سباها خالد أيام الصديق أيام الردة من بني حنيفة، فصارت لعلي بن أبي طالب فولدت له محمداً هذا‏.‏ 
ومن الشيعة من يدّعي فيه الأمامة والعصمة، وقد كان من سادات المسلمين ولكن ليس بمعصوم، ولا أبوه معصوم، بل ولا من هو أفضل من أبيه من الخلفاء الراشدين قبله ليسوا بواجبي العصمة كما هو مقرر في موضعه والله أعلم‏.‏ 
وقد كان لعلي أولاد كثيرة آخرون من أمهات أولاد شتى فإنه مات عن أربع نسوة وتسع عشرة سرية رضي الله عنه‏.‏ 
فمن أولاده رضي الله عنهم مما لا يعرف أسماء أمهاتهم‏:‏ أم هانئ، وميمونة، وزينب الصغرى، ورملة الكبرى، وأم كلثوم الصغرى، وفاطمة، وأمامة، وخديجة، وأم الكرام، وأم جعفر، وأم سلمة، وجمانة‏.‏ 
قال ابن جرير‏:‏ فجميع ولد علي أربعة عشر ذكراً وسبع عشرة أنثى‏.‏ 
قال الواقدي‏:‏ وإنما كان النسل من خمسة‏:‏ وهو الحسن، والحسين، ومحمد بن الحنفية، والعباس بن الكلابية، وعمر بن التغلبية رضي الله عنهم أجمعين‏.‏ 
وقد قال ابن جرير‏:‏ حدثني ابن سنان القزاز، حدثنا أبو عاصم، حدثنا مسكين بن عبد العزيز أنا حفص بن خالد حدثني أبي خالد بن جابر قال‏:‏ سمعت الحسن لما قتل علي قام خطيباً‏.‏ 
فقال‏:‏ لقد قتلتم الليلة رجلاً في ليلة نزل فيها القرآن، ورفع فيها عيسى بن مريم، وفيها قتل يوشع بن نون فتى موسى‏.‏ 
والله ما سبقه أحد من قبله ولا يدركه أحد يكون بعده، والله أن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبعثه في السرية جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره، والله ما ترك صفراء ولا بيضاء إلا ثمانمائة أو تسعمائة أرصدها لحادثة، وهذا غريب جداً وفيه نكارة والله أعلم‏.‏ 
وهكذا رواه أبو يعلى، عن إبراهيم بن الحجاج، عن مسكين به‏.‏ 
وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا وكيع، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن هبيرة قال‏:‏ 
خطبنا الحسن بن علي قال‏:‏ لقد فارقكم رجل بالأمس لم يسبقه الأولون بعلم ولا يدركه الآخرون، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعثه بالراية جبريل عن يمينه وميكائيل عن شماله، لا ينصرف حتى يفتح له‏.‏ 
ورواه زيد العمي، وشعيب بن خالد، عن أبي إسحاق به وقال‏:‏ ما ترك إلا سبعمائة كان أرصدها يشتري بها خادماً‏.‏ 
وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا حجاج، حدثنا شريك، عن عاصم بن كريب، عن محمد بن كعب القرظي‏:‏ أن علياً قال‏:‏ لقد رأيتني مع رسول الله وإني لأربط الحجر على بطني من الجوع، وأن صدقتي اليوم لتبلغ أربعين ألفاً‏.‏ 
ورواه عن أسود، عن شريك به وقال‏:‏ إن صدقتي لتبلغ أربعين ألف دينار‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/369‏)‏ 
  شيء من فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب 
من ذلك أنه أقرب العشرة المشهود لهم بالجنة نسباً من رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه علي بن أبي طالب بن عبد المطلب، واسمه شيبة بن هاشم واسمه عمرو بن عبد مناف، واسمه المغيرة بن قصي، واسمه زيد بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان‏.‏ 
أبو الحسن القرشي الهاشمي فهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف‏.‏ 
قال الزبير بن بكار‏:‏ وهي أول هاشمية ولدت هاشمياً‏.‏ 
وقد أسلمت وهاجرت، وأبوه هو العم الشقيق الرفيق أبو طالب، واسمه عبد مناف كذا نص على ذلك الإمام أحمد بن حنبل هو وغير واحد من علماء النسب وأيام الناس‏.‏ 
وزعمت الروا