ات، والساقات، والرجالة، والركبان، كما أمر أمير المؤمنين عمر‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 44‏)‏ 
قال سيف بإسناده عن مشايخه قالوا‏:‏ وجعل عمر على قضاء الناس عبد الرحمن بن ربيعة الباهلي ذا النون، وجعل إليه الإقباض وقسمة الفيء، وجعل داعية الناس وقاصهم سلمان الفارسي، وجعل الكاتب زياد بن أبي سفيان‏.‏ 
قالوا‏:‏ وكان في هذا الجيش كله من الصحابة ثلاثمائة وبضعة عشر صحابياً، منهم بضعة وسبعون بدرياً، وكان فيه سبعمائة من أبناء الصحابة رضي الله عنهم‏.‏ 
وبعث عمر كتابه إلى سعد يأمره بالمبادرة إلى القادسية، والقادسية باب فارس في الجاهلية، وأن يكون بين الحجر والمدر، وأن يأخذ الطرق والمسالك على فارس، وأن يبدروهم بالضرب والشدة، ولا يهولنك كثرة عَدَدِهم وعُدَدِهم فإنهم قوم خدعة مكرة، وإن أنتم صبرتم وأحسنتم ونويتم الأمانة رجوت أن تُنْصَرُوا عليهم، ثم لم يجتمع لهم شملهم أبداً إلا أن يجتمعوا، وليست معهم قلوبهم‏.‏ 
وإن كانت الأخرى فارجعوا إلى ما وراءكم حتى تصلوا إلى الحجر، فإنكم عليه أجرأ، وإنهم عنه أجبن وبه أجهل، حتى يأتي الله بالفتح عليهم، ويرد لكم الكرة‏.‏ 
وأمره بمحاسبة نفسه، وموعظة جيشه، وأمرهم بالنية الحسنة والصبر، فإن النصر يأتي من الله على قدر النية، والأجر على قدر الحسبة، وسلوا الله العافية، وأكثروا من قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم‏.‏ 
واكتب إلي بجميع أحوالكم وتفاصيلها، وكيف تنزلون، وأين يكون منكم عدوكم، واجعلني بكتبك إلي كأني أنظر إليكم، واجعلني من أمركم على الجلية، وخف الله وأرجه، ولا تدل بشيء‏.‏ 
واعلم أن الله قد توكل لهذا الأمر بما لا خلف له، فاحذر أن يصرفه عنك ويستبدل بكم غيركم‏.‏ 
فكتب إليه سعد يصف له كيفية تلك المنازل والأراضي بحيث كأنه يشاهدها، وكتب إليه يخبره بأن الفرس قد جردوا لحربه رستم وأمثاله، فهم يطلبوننا ونحن نطلبهم، وأمر الله بعد ماض، وقضاؤه مسلم إلى ما قدر لنا وعلينا، فنسأل الله خير القضاء، وخير القدر في عافية‏.‏ 
وكتب إليه عمر‏:‏ قد جاءني كتابك وفهمته، فإذا لقيت عدوك ومنحك الله أدبارهم، فإنه قد ألقي في روعي أنكم ستهزمونهم، فلا تشكن في ذلك، فإذا هزمتهم فلا تنزع عنهم حتى تقتحم عليهم المدائن فإنه خرابها إن شاء الله‏.‏ 
وجعل عمر يدعو لسعد خاصة، وله وللمسلمين عامة‏.‏ 
ولما بلغ سعد العُذيب اعترض للمسلمين جيش للفرس مع شيرزاذ بن أراذويه، فغنموا مما معه شيئاً كثيراً، ووقع منهم موقعاً كبيراً، فخمسها سعد، وقسم أربعة أخماسها في الناس، واستبشر الناس بذلك، وفرحوا، وتفاءلوا، وأفرد سعد سرية تكون حياطة لمن معهم من الحريم، على هذه السرية‏:‏ غالب بن عبد الله الليثي‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 45‏)‏ 
  غزوة القادسية 
ثم سار سعد فنزل القادسية، وبث سراياه، وأقام بها شهراً لم ير أحداً من الفرس، فكتب إلى عمر بذلك، والسرايا تأتي بالميرة من كل مكان، فعجت رعايا الفرس أطراف بلادهم إلى يزدجرد من الذين يلقون من المسلمين من النهب والسبي‏.‏ 
وقالوا‏:‏ إن لم تنجدونا وإلا أعطينا ما بأيدينا وسلمنا إليهم الحصون‏.‏ 
واجتمع رأي الفرس على إرسال رستم إليهم، فبعث إليه يزدجرد فأمره على الجيش فاستعفى رستم من ذلك وقال‏:‏ إن هذا ليس برأي في الحرب، إن إرسال الجيوش بعد الجيوش أشد على العرب من أن يكسروا جيشاً كثيفاً مرة واحدة‏.‏ 
فأبى الملك إلا ذلك، فتجهز رستم للخروج، ثم بعث سعد كاشفاً إلى الحيرة إلى صلوبا فأتاه الخبر بأن الملك قد أمر على الحرب رستم بن الفرخزاذ الأرمني، وأمده بالعساكر‏.‏ 
فكتب سعد إلى عمر بذلك، فكتب إليه عمر‏:‏ لا يكربنك ما يأتيك عنهم ولا ما يأتونك به، واستعن بالله وتوكل عليه، وابعث إليه رجالاً من أهل النظر والرأي والجلد يدعونه، فإن الله جاعل دعائهم توهيناً لهم، وفلجاً عليهم، واكتب إلي في كل يوم‏.‏ 
ولما اقترب رستم بجيوشه، وعسكر بساباط، كتب سعد إلى عمر يقول‏:‏ إن رستم قد عسكر بساباط، وجر الخيول والفيول، وزحف علينا بها، وليس شيء أهم عندي، ولا أكثر ذكراً مني لما أحببت أن أكون عليه من الاستعانة والتوكل‏.‏ 
وعبأ رستم فجعل على المقدمة وهي أربعون ألفاً الجالنوس، وعلى الميمنة الهرمزان، وعلى الميسرة مهران بن بهرام، وذلك ستون ألفاً، وعلى الساقة البندران في عشرين ألفاً، فالجيش كله ثمانون ألفاً، فيما ذكره سيف وغيره‏.‏ 
وفي رواية‏:‏ كان رستم في مائة ألف وعشرين ألفاً، يتبعها ثمانون ألفاً، وكان معه ثلاث وثلاثون فيلاً، منها فيل أبيض كان لسابور، فهو أعظمها وأقدمها، وكانت الفيلة تألفه‏.‏ 
ثم بعث سعد جماعة من السادات منهم‏:‏ النعمان بن مقرن، وفرات بن حبان، وحنظلة بن الربيع التميمي، وعطارد بن حاجب، والأشعث بن قيس، والمغيرة بن شعبة، وعمرو بن معدي كرب، يدعون رستم إلى الله عز وجل‏.‏ 
فقال لهم رستم‏:‏ ما أقدمكم‏؟‏ 
فقالوا‏:‏ جئنا لموعود الله إيانا، أخذ بلادكم، وسبي نسائكم وأبنائكم، وأخذ أموالكم، فنحن على يقين من ذلك، وقد رأى رستم في منامه كأن ملكاً نزل من السماء فختم على سلاح الفرس كله ودفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمر‏.‏ 
وذكر سيف بن عمر‏:‏ أن رستم طاول سعداً في اللقاء حتى كان بين خروجه من المدائن وملتقاه سعداً بالقادسية أربعة أشهر كل ذلك لعله يضجر سعداً ومن معه ليرجعوا، ولولا أن الملك استعجله ما التقاه، لما يعلم من غلبة المسلمين لهم ونصرهم عليهم، لما رأى في منامه، ولما يتوسمه، ولما سمع منهم، ولما عنده من علم النجوم الذي يعتقد صحته في نفسه لما له من الممارسة لهذا الفن‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 46‏)‏ 
ولما دنا جيش رستم من سعد أحب سعد أن يطلع على أخبارهم على الجلية، فبعث رجلاً سرية لتأتيه برجل من الفرس، وكان في السرية طليحة الأسدي الذي كان ادعى النبوة ثم تاب، وتقدم الحارث مع أصحابه حتى رجعوا، فلما بعث سعد السرية اخترق طليحة الجيوش والصفوف، وتخطى الألوف، وقتل جماعة من الأبطال حتى أسر أحدهم وجاء به لا يملك من نفسه شيئاً، فسأله سعد عن القوم فجعل يصف شجاعة طليحة، فقال‏:‏ دعنا من هذا، وأخبرنا عن رستم‏؟‏ 
فقال‏:‏ هو في مائة ألف وعشرين ألفاً، ويتبعها مثلها، وأسلم الرجل من فوره رحمه الله‏.‏ 
قال سيف عن شيوخه‏:‏ ولما تواجه الجيشان بعث رستم إلى سعد أن يبعث إليه برجل عاقل عالم بما أسأله عنه، فبعث إليه المغيرة بن شعبة رضي الله عنه‏.‏ 
فلما قدم عليه جعل رستم يقول له‏:‏ إنكم جيراننا، وكنا نحسن إليكم ونكف الأذى عنكم، فارجعوا إلى بلادكم ولا نمنع تجارتكم من الدخول إلى بلادنا‏.‏ 
فقال له المغيرة‏:‏ إنا ليس طلبنا الدنيا، وإنما همنا وطلبنا الآخرة، وقد بعث الله إلينا رسولاً، قال له‏:‏ إني قد سلطت هذه الطائفة على من لم يدن بديني، فأنا منتقم بهم منهم، واجعل لهم الغلبة ما داموا مقرين به، وهو دين الحق، لا يرغب عنه أحد إلا ذل، ولا يعتصم به إلا عز‏.‏ 
فقال له رستم‏:‏ فما هو‏؟‏ 
فقال‏:‏ أما عموده الذي لا يصلح شيء منه إلا به فشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، والإقرار بما جاء من عند الله‏.‏ 
فقال‏:‏ ما أحسن هذا ‏؟‏‏!‏ وأي شيء أيضاً‏؟‏ 
قال‏:‏ وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله‏.‏ 
قال‏:‏ وحسن أيضاً، وأي شيء أيضاً‏؟‏ 
قال‏:‏ والناس بنو آدم وحواء فهم أخوة لأب وأم‏.‏ 
وقال‏:‏ وحسن أيضاً‏.‏ 
ثم قال رستم‏:‏ أرأيت إن دخلنا في دينكم أترجعون عن بلادنا‏؟‏ 
قال‏:‏ أي والله، ثم لا نقرب بلادكم إلا في تجارة أو حاجة‏.‏ 
قال‏:‏ وحسن أيضاً‏.‏ 
قال‏:‏ ولما خرج المغيرة من عنده ذكر رستم رؤساء قومه في الإسلام فانفوا ذلك، وأبوا أن يدخلوا فيه قبحهم الله وأخزاهم وقد فعل‏.‏ 
قالوا‏:‏ ثم بعث إليه سعد رسولاً آخر بطلبه، وهو ربعي بن عامر، فدخل عليه وقد زينوا مجلسه بالنمارق المذهبة، والزرابي الحرير، وأظهر اليواقيت، واللآلئ الثمينة والزينة العظيمة، وعليه تاجه وغير ذلك من الأمتعة الثمينة، وقد جلس على سرير من ذهب، ودخل ربعي بثياب صفيقة وسيف وترس وفرس قصيرة، ولم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط، ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد، وأقبل وعليه سلاحه ودرعه وبيضته على رأسه‏.‏ 
فقالوا له‏:‏ ضع سلاحك‏.‏ 
فقال‏:‏ إني لم آتكم، وإنما جئتكم حين دعوتموني فإن تركتموني هكذا وإلا رجعت‏.‏ 
فقال رستم‏:‏ ائذنوا له فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق فحرق عامتها‏.‏ 
فقالوا له‏:‏ ما جاء بكم‏؟‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 47‏)‏ 
فقال‏:‏ الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لتدعوهم إليه، فمن قبل ذلك قبلنا منه ورجعنا عنه، ومن أبى قاتلناه أبداً حتى نفضي إلى موعود الله‏.‏ 
قالوا‏:‏ وما موعود الله‏؟‏ 
قال‏:‏ الجنة لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن بقي‏.‏ 
فقال رستم‏:‏ قد سمعت مقالتكم، فهل لكم أن تؤخروا هذا الأمر حتى ننظر فيه وتنظروا‏؟‏ 
قال‏:‏ نعم ‏!‏كم أحب إليكم‏؟‏ يوماً أو يومين‏؟‏ 
قال‏:‏ لا بل حتى نكاتب أهل رأينا رؤساء قومنا‏.‏ 
فقال‏:‏ ما سن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نؤخر الأعداء عند اللقاء أكثر من ثلاث، فانظر في أمرك وأمرهم، واختر واحدة من ثلاث بعد الأجل‏.‏ 
فقال‏:‏ أسيدهم أنت‏؟‏ 
قال‏:‏ لا، ولكن المسلمون كالجسد الواحد يجير أدناهم على أعلاهم‏.‏ 
فاجتمع رستم برؤساء قومه فقال‏:‏ هل رأيتم قط أعز وأرجح من كلام هذا الرجل‏؟‏ 
فقالوا‏:‏ معاذ الله أن تميل إلى شيء من هذا، تدع دينك إلى هذا الكلب أما ترى إلى ثيابه‏؟‏ 
فقال‏:‏ ويلكم لا تنظرون إلى الثياب، وانظروا إلى الرأي، والكلام والسيرة، إن العرب يستخفون بالثياب والمأكل، ويصونون الأحساب‏.‏ 
ثم بعثوا يطلبون في اليوم الثاني رجلاً، فبعث إليهم حذيفة بن محصن فتكلم نحو ما قال ربعي‏.‏ 
وفي اليوم الثالث المغيرة بن شعبة، فتكلم بكلام حسن طويل‏.‏ 
قال فيه رستم للمغيرة‏:‏ إنما مثلكم في دخولكم أرضنا كمثل الذباب رأى العسل‏.‏ 
فقال‏:‏ من يوصلني إليه وله درهمان‏؟‏ 
فلما سقط عليه غرق فيه فجعل يطلب الخلاص فلا يجده‏.‏ 
وجعل يقول‏:‏ من يخلصني وله أربعة دراهم‏؟‏ 
ومثلكم كمثل الثعلب ضعيف دخل جحراً في كرم فلما رآه صاحب الكرم ضعيفاً رحمه فتركه، فلما سمن أفسد شيئاً كثيراً، فجاء بجيشه واستعان عليه بغلمانه فذهب ليخرج فلم يستطع لسمنه فضربه حتى قتله، فهكذا تخرجون من بلادنا‏.‏ 
ثم استشاط غضباً وأقسم بالشمس‏:‏ لأقتلنكم غداً‏.‏ 
فقال المغيرة‏:‏ ستعلم‏.‏ 
ثم قال رستم للمغيرة‏:‏ قد أمرت لكم بكسوة، ولأميركم بألف دينار وكسوة ومركوب وتنصرفون عنا‏.‏ 
فقال المغيرة‏:‏ أبعد أن أوهنا ملككم وضعفنا عزكم، ولنا مدة نحو بلادكم، ونأخذ الجزية منكم عن يد وأنتم صاغرون، وستصيرون لنا عبيداً على رغمكم ‏؟‏‏!‏ 
فلما قال ذلك استشاط غضباً‏.‏ 
وقال ابن جرير‏:‏ حدثني محمد بن عبد الله بن صفوان الثقفي، ثنا أمية بن خالد، ثنا أبو عوانة، عن حصيب بن عبد الرحمن قال‏:‏ قال أبو وائل‏:‏ جاء سعد حتى نزل القادسية ومعه الناس‏.‏ 
قال‏:‏ لا أدري لعلنا لا نزيد على سبعة آلاف أو ثمان آلاف بين ذلك، والمشركون ثلاثون ألفاً ونحو ذلك، فقالوا‏:‏ لا يد لكم ولا قوة ولا سلاح ما جاء بكم‏؟‏ ارجعوا‏.‏ 
قال‏:‏ قلنا‏:‏ ما نحن براجعين، فكانوا يضحكون من نبلنا ويقولون‏:‏ دوك دوك، وشبهونا بالمغازل‏.‏ 
فلما أبينا عليهم أن نرجع، قالوا‏:‏ ابعثوا إلينا رجلاً من عقلائكم يبين لنا ما جاء بكم‏؟‏ 
فقال المغيرة بن شعبة‏:‏ أنا‏.‏ 
فعبر إليهم فقعد مع رستم على السرير فنخروا وصاحوا‏.‏ 
فقال‏:‏ إن هذا لم يزدني رفعة، ولم ينقص صاحبكم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 48‏)‏ 
فقال رستم‏:‏ صدق ما جاء بكم‏.‏ 
فقال‏:‏ إنا كنا قوماً في شر وضلالة فبعث الله إلينا نبياً فهدانا الله به ورزقنا على يديه، فكان فيما رزقنا حبة تنبت في هذا البلد، فلما أكلناها وأطعمناها أهلينا قالوا‏:‏ لا صبر لنا عنها أنزلونا هذه الأرض حتى نأكل من هذه الحبة‏.‏ 
فقال رستم‏:‏ إذا نقتلكم‏.‏ 
قال‏:‏ إن قتلتمونا دخلنا الجنة، وإن قتلناكم دخلتم النار وأديتم الجزية‏.‏ 
قال‏:‏ فلما قال‏:‏ وأديتم الجزية نخروا وصاحوا، وقالوا‏:‏ لا صلح بيننا وبينكم‏