.‏ 
فقال المغيرة‏:‏ تعبرون إلينا أو نعبر إليكم‏؟‏ 
فقال رستم‏:‏ بل نعبر إليكم فاستأخر المسلمون حتى عبروا فحملوا عليهم فهزموهم‏.‏ 
وذكر سيف‏:‏ أن سعداً كان به عرق النسا يومئذ، وأنه خطب الناس وتلا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 105‏]‏ وصلى بالناس الظهر، ثم كبر أربعاً وحملوا بعد أن أمرهم أن يقولوا‏:‏ لا حول ولا قوة إلا بالله في طردهم إياهم، وقتلهم إياهم، وقعودهم لهم كل مرصد، وحصرهم لبعضهم في بعض الأماكن حتى أكلوا الكلاب والسنانير‏.‏ 
وما رد شاردهم حتى وصل إلى نهاوند، ولجأ أكثرهم إلى المدائن، ولحقهم المسلمون إلى أبوابها‏.‏ 
وكان سعد قد بعث طائفة من أصحابه إلى كسرى يدعونه إلى الله قبل الوقعة، فاستأذنوا على كسرى فأذن لهم، وخرج أهل البلد ينظرون إلى أشكالهم وأرديتهم على عواتقهم وسياطهم بأيديهم، والنعال في أرجلهم، وخيولهم الضعيفة، وخبطها الأرض بأرجلها، وجعلوا يتعجبون منها غاية العجب، كيف مثل هؤلاء يقهرون جيوشهم مع كثرة عَدَدِها وعُدَدِها‏.‏ 
ولما استأذنوا على الملك يزدجرد أذن لهم، وأجلسهم بين يديه، وكان متكبراً قليل الأدب، ثم جعل يسألهم عن ملابسهم هذه ما اسمها‏؟‏ عن الأردية، والنعال، والسياط ثم كلما قالوا شيئاً من ذلك تفاءل، فرد الله فأله على رأسه‏.‏ 
ثم قال لهم‏:‏ ما الذي أقدمكم هذه البلاد‏؟‏ أظننتم أنا لما تشاغلنا بأنفسنا اجترأتم علينا‏؟‏ 
فقال له النعمان بن مقرن‏:‏ إن الله رحمنا، فأرسل إلينا رسولاً يدلنا على الخير ويأمرنا به، ويعرفنا الشر وينهانا عنه، ووعدنا على إجابته خير الدنيا والآخرة‏.‏ 
فلم يدع إلى ذلك قبيلة إلا صاروا فرقتين‏:‏ فرقة تقاربه، وفرقة تباعده، ولا يدخل معه في دينه إلا الخواص، فمكث كذلك ما شاء الله أن يمكث، ثم أمر أن ينهد إلى من خالفه من العرب، ويبدأ بهم ففعل، فدخلوا معه جميعاً على وجهين‏:‏ مكروه عليه فاغتبط، وطائع إياه فازداد‏.‏ 
فعرفنا جميعاً فضل ما جاء به على الذي كنا عليه من العداوة والضيق‏.‏ 
وأمرنا أن نبدأ بمن يلينا من الأمم فندعوهم إلى الإنصاف، فنحن ندعوكم إلى ديننا، وهو دين الإسلام، حسن الحسن وقبح القبيح كله‏.‏ 
فإن أبيتم فأمر من الشر هو أهون من آخر شر منه الجزاء، فإن أبيتم فالمناجزة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 49‏)‏ 
وإن أجبتم إلى ديننا، خلفنا فيكم كتاب الله، وأقمنكم عليه على أن تحكموا بأحكامه ونرجع عنكم، وشأنكم وبلادكم، وإن أتيتمونا بالجزي قبلنا ومنعناكم وإلا قاتلناكم‏.‏ 
قال‏:‏ قتلكم يزدجرد‏.‏ 
فقال‏:‏ إني لا أعلم في الأرض أمة كانت أشقى ولا أقل عدداً ولا أسوأ ذات بين منكم، قد كنا نوكل بكم قرى الضواحي ليكفوناكم لا تغزوكم فارس، ولا تطمعون أن تقوموا لهم‏.‏ 
فإن كان عددكم كثر فلا يغرنكم منا، وإن كان الجهد دعاكم فرضنا لكم قوتاً إلى خصبكم، وأكرمنا وجوهكم وكسوناكم وملكنا عليكم ملكاً يرفق بكم‏.‏ فأسكت القوم، فقام المغيرة بن شعبة فقال‏:‏ أيها الملك، إن هؤلاء رؤس العرب وجوههم، وهم أشراف يستحيون من الأشراف وإنما يكرم، الأشرافَ الأشرافُ، ويعظم حقوق الأشرافِ الأشرافَ، وليس كل ما أرسلوا له جمعوه لك، ولا كل ما تكلمت به أجابوك عليه، وقد أحسنوا، ولا يحسن بمثلهم إلا ذلك، فجاوبني فأكون أنا الذي أبلغك، ويشهدون على ذلك‏.‏ إنك قد وصفتنا صفة لم تكن بها عالماً‏.‏ 
فأما ما ذكرت من سوء الحال‏:‏ فما كان أسوأ حالاً منا، وأما جوعنا‏:‏ فلم يكن يشبه الجوع، كنا نأكل الخنافس والجعلان والعقارب والحيات، ونرى ذلك طعامنا‏.‏ وأما المنازل‏:‏ فإنما هي ظهر الأرض‏.‏ 
ولا نلبس إلا ما غزلنا من أوبار الإبل، وأشعار الغنم‏.‏ 
ديننا أن يقتل بعضنا بعضاً، وأن يبغي بعضنا على بعض، وإن كان أحدنا ليدفن ابنته وهي حية كراهية أن تأكل من طعامه‏.‏ 
وكانت حالنا قبل اليوم على ما ذكرت لك، فبعث الله إلينا رجلاً معروفاً نعرف نسبه، ونعرف وجهه ومولده، فأرضه خير أرضنا، وحسبه خير أحسابنا، وبيته خير بيوتنا، وقبيلته خير قبائلنا، وهو نفسه كان خيرنا في الحال التي كان فيها أصدقنا، وأحلمنا‏.‏ 
فدعانا إلى أمر فلم يجبه أحد‏.‏ 
أول ترب كان له الخليفة من بعده، فقال وقلنا، وصدق وكذبنا، وزاد ونقصنا، فلم يقل شيئاً إلا كان، فقذف الله في قلوبنا التصديق له واتباعه، فصار فيما بيننا وبين رب العالمين، فما قال لنا فهو قول الله، وما أمرنا فهو أمر الله‏.‏ 
فقال لنا‏:‏ إن ربكم يقول‏:‏ أنا الله وحدي لا شريك لي، كنت إذ لم يكن شيء، وكل شيء هالك إلا وجهي، وأنا خلقت كل شيء، وإلي يصير كل شيء، وإن رحمتي أدركتكم، فبعثت إليكم هذا الرجل لأدلكم على السبيل التي أنجيكم بها بعد الموت من عذابي، ولأحلكم داري دار السلام‏.‏ 
فنشهد عليه أنه جاء بالحق من عند الحق، وقال‏:‏ من تابعكم على هذا فله مالكم وعليه ما عليكم، ومن أبى فاعرضوا عليه الجزية، ثم امنعوه مما تمنعون منه أنفسكم، ومن أبى فقاتلوه، فأنا الحكم بينكم، فمن قتل منكم أدخلته جنتي، ومن بقي منكم أعقبته النصر على من ناوأه‏.‏ 
فاختر إن شئت الجزية وأنت صاغر، وإن شئت فالسيف، أو تسلم فتنجي نفسك ‏؟‏‏.‏ 
فقال يزدجرد‏:‏ أتستقبلني بمثل هذا‏؟‏ 
فقال‏:‏ ما استقبلت إلا من كلمني، ولو كلمني غيرك لم أستقبلك به‏.‏ 
فقال‏:‏ لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكم، لا شيء لكم عندي‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 50‏)‏ 
وقال‏:‏ ائتوني بوقر من تراب، فاحملوه على أشرف هؤلاء، ثم سوقوه حتى يخرج من أبيات المدائن‏.‏ ارجعوا إلى صاحبكم فأعلموه أني مرسل إليه رستم حتى يدفنه وجنده في خندق القادسية، وينكل به وبكم من بعد، ثم أورده بلادكم حتى أشغلكم في أنفسكم بأشد مما نالكم من سابور‏.‏ 
ثم قال‏:‏ من أشرفكم‏؟‏ 
فسكت القوم، فقال عاصم بن عمرو‏:‏ وأفتات ليأخذ التراب، أنا أشرفهم، أنا سيد هؤلاء فحملنيه‏.‏ 
فقال‏:‏ أكذلك‏؟‏ 
قالوا‏:‏ نعم، فحمله على عنقه، فخرج به من الإيوان، والدار حتى أتى راحلته فحمله عليها، ثم انجذب في السير ليأتوا به سعداً، وسبقهم عاصم فمر باب قديس فطواه، وقال‏:‏ بشروا الأمير بالظفر، ظفرنا إن شاء الله تعالى‏.‏ 
ثم مضى حتى جعل التراب في الحجر، ثم رجع فدخل على سعد فأخبره الخبر‏.‏ 
فقال‏:‏ أبشروا فقد والله أعطانا الله أقاليد ملكهم، وتفاءلوا بذلك أخذ بلادهم، ثم لم يزل أمر الصحابة يزداد في كل يوم علواً وشرفاً ورفعة، وينحط أمر الفرس سفلاً وذلاً ووهناً‏.‏ 
ولما رجع رستم إلى الملك يسأله عن حل من رأى من المسلمين‏؟‏ فذكر له عقلهم، وفصاحتهم وحدة جوابهم، وأنهم يرومون أمراً يوشك أن يدركوه‏.‏ 
وذكر ما أمر به أشرفهم من حمل التراب، وأنه استحمق أشرفهم في حمله التراب على رأسه، ولو شاء اتقى بغيره، وأنا لا أشعر‏.‏ 
فقال له رستم‏:‏ إنه ليس أحمق، وليس هو بأشرفهم إنما أراد أن يفتدي قومه بنفسه، ولكن والله ذهبوا بمفاتيح أرضنا، وكان رستم منجماً، ثم أرسل رجلاً وراءهم، وقال‏:‏ إن أدرك التراب فرده تداركنا أمرنا، وإن ذهبوا به إلى أميرهم غلبونا على أرضنا‏.‏ 
قال‏:‏ فساق وراءهم فلم يدركهم بل سبقوه إلى سعد بالتراب، وساء ذلك فارس وغضبوا من ذلك أشد الغضب واستهجنوا رأي الملك‏.‏ 

فصل وقعة القادسية‏.‏ 
كانت وقعة القادسية وقعة عظيمة لم يكن بالعراق أعجب منها، وذلك‏:‏ أنه لما تواجه الصفان كان سعد رضي الله عنه قد أصابه عرق النسا، ودمامل في جسده فهو لا يستطيع الركوب، وإنما هو في قصر متكئ على صدره فوق وسادة وهو ينظر إلى الجيش ويدبر أمره، وقد جعل أمر الحرب إلى خالد بن عرفطة، وجعل على الميمنة جرير بن عبد الله البجلي، وعلى الميسرة قيس بن مكشوح، وكان قيس والمغيرة بن شعبة قد قدما على سعد مدداً من عند أبو عبيدة من الشام بعدما شهداً وقعة اليرموك‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/ 51‏)‏ 
وزعم ابن إسحاق‏:‏ أن المسلمين كانوا ما بين السبعة آلاف إلى الثمانية آلاف، وأن رستماً كان في ستين ألفاً، فصلى سعد بالناس الظهر، ثم خطب الناس فوعظهم وحثهم، وتلا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 105‏]‏ وقرأ القراء آيات الجهاد وسوره‏.‏ 
ثم كبر سعداً أربعاً، ثم حملوا بعد الرابعة فاقتتلوا حتى كان الليل فتحاجزوا، وقد قتل من الفرقين بشرٌ كثير، ثم أصبحوا إلى مواقفهم، فاقتتلوا يومهم ذلك وعامة ليلتهم، ثم أصبحوا كما أمسوا على مواقفهم، فاقتتلوا حتى أمسوا، ثم اقتتلوا في اليوم الثالث كذلك، وأمست هذه الليلة تسمى‏:‏ ليلة الهرير‏.‏ 
فلما أصبح اليوم الرابع اقتتلوا قتالاً شديداً، وقد قاسوا من الفيلة بالنسبة إلى الخيول العربية بسبب نفرتها منها أمراً بليغاً، وقد أباد الصحابة الفيلة ومن عليها، وقلعوا عيونها، وأبلى جماعة من الشجعان في هذه الأيام مثل‏:‏ طليحة الأسدي، وعمرو بن معدي كرب، والقعقاع بن عمرو، وجرير بن عبد الله البجلي، وضرار بن الخطاب، وخالد بن عرفطة، وأشكالهم وأضرابهم‏.‏ 
فلما كان وقت الزوال من هذا اليوم، ويسمى‏:‏ يوم القادسية، وكان يوم الاثنين من المحرم سنة أربع عشرة كما قاله سيف بن عمر التميمي، هبت ريح شديدة فرفعت خيام الفرس عن أماكنها، وألقت سرير رستم الذي هو منصوب له، فبادر فركب بغلته وهرب فأدركه المسلمون فقتلوه، وقتلوا جالينوس مقدمة الطلائع القادسية، وانهزمت الفرس ولله الحمد والمنة عن بكرة أبيهم‏.‏ 
ولحقهم المسلمون في أقفائهم، فقتل يومئذ المسلسلون بكمالهم وكانوا ثلاثين ألفاً، وقتل في المعركة عشرة آلاف، وقتلوا قبل ذلك قريباً من ذلك‏.‏ 
وقتل من المسلمين في هذا اليوم وما قبله من الأيام ألفان وخمسمائة رحمهم الله‏.‏ 
وساق المسلمون خلفهم المنهزمين حتى دخلوا وراءهم مدينة الملك، وهي المدائن التي فيها الإيوان الكسروي، وقد أذن لمن ذكرنا عليه فكان منهم إليه ما قدمنا، وقد غنم المسلمون من وقعة القادسية هذه من الأموال والسلاح ما لا يحد ولا يوصف كثره، فحصلت الغنائم بعد صرف الأسلاب وخمست، وبعث بالخمس والبشارة إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 7/52‏)‏ 
وقد كان عمر رضي الله عنه يستخبر عن أمر القادسية كل من لقيه من الركبان، ويخرج من المدينة إلى ناحية العراق يستنشق الخبر، فينما هو ذات يوم من الأيام إذا هو براكب يلوح من بعد فاستقبله عمر فاستخبره‏.‏ 
فقال له‏:‏ فتح الله على المسلمين بالقادسية، وغنموا غنائم كثيرة، وجعل يحدثه وهو لا يعرف عمر، وعمر ماش تحت راحلته، فلما اقتربا من المدينة جعل الناس يحيون عمر بالإمارة، فعرف الرجل عمر، فقال‏:‏ يرحمك الله يا أمير المؤمنين هلا أعلمتني أنك الخليفة‏؟‏ 
فقال‏:‏ لا حرج عليك يا أخي‏.‏ 
وقد تقدم أن سعداً رضي الله عنه كان به قروح وعرق النسا فمنعه من شهود القتال لكنه جالس في رأس القصر ينظر في مصالح الجيش، وكان مع ذلك لا يغلق عليه باب القصر لشجاعته، ولو فر الناس لأخذته الفرس قبضاً باليد، لا يمتنع منهم، وعنده امرأته سلمى بنت حفص التي كانت قبله عند المثنى بن حارثة، فلما فر بعض الخيل يومئذ فزعت وقالت‏:‏ وامثنياه، ولا مثنى لي اليوم‏.‏ فغضب سعد من ذلك ولطم وجهها‏.‏ 
فقالت‏:‏ أغيرة وجبناً‏؟‏ يعني‏:‏ أنها تعيره بجلوسه في القصر يوم الحرب - وهذا عناد منها - فإنها أعلم الناس بعذره، وما هو فيه من المرض المانع من ذلك، وكان عنده في القصر رجل مسجون على الشراب كان قد حد فيه مرات متعددة، يقال‏:‏ سبع مرات، فأمر به سعد فقيد وأودع في القصر فلما رأى الخيول تجول حول حمى القصر، وكان من الشجعان الأبطال، قال‏:‏ 
كفى حزناً أن تدحم الخيل بالفتى * واترك مشدوداً علي وثاقيا 
إذا قمت غناني الحديد وغلقت * مصاريع من دوني تصم المناديا 
وقد كنت ذا مال كثير وأخوة * وقد تركوني مفرداً لا أخاليا 
ثم سأل من زبراء أم ولد سعد أن تطلقه وتعيره فرس سعد، وحلف لها أنه يرجع آخر النهار فيضع رجله في القيد فأطلقته، وركب فرس سعد، وخرج فقاتل قتالاً شديداً، وجعل سعد ينظر إلى فرسه فيعرفها وينكرها ويشبهه بأبي محجن، ولكن يشك لظنه أنه في القصر موثق، فلما كان آخر النهار رجع فوضع رجله في قيدها، ونزل سعد فوجد فرسه يعرق، فقال‏:‏ ما هذا‏؟‏ 
فذكروا له قص